الفكر السياسي الإيراني منذ قيام الثورة الإيرانية وحتى عام 2000م "دراسة تحليلية في ضوء المصادر الفارسية"
سلطان محمد النعيمي, ,عــين شــمس, الآداب اللغــات الشــرقية وآدابهــا فرع اللغة الفارسية ,الدكتوراه 2007 277
فيما يلي أهم النتائج التي توصل لها الباحث في ضوء هذه الدراسة وهي :
1- لعبت الشخصية الإيرانية بما تحمله من إرث حضاري وثقافي وتاريخي دوراً في طبيعة الفكر السياسي في إيران.
2- ظلت أسس العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الموروث الفكري الإيراني قائمة على تقديس الملك بوصفه ظل الله على الأرض ومجسدا بدوره للسلطتين السياسية والدينية وهو ما يعرف بـ"الفيض الإلهي".
3- نظرا لارتباط الشخصية الإيرانية بموروثها التاريخي فقد انتقل الفيض الإلهي إلى أئمة أهل البيت بعد دخول الإسلام إلى إيران.
4- يعد الفكر السياسي الشيعي أهم رافد للفكر السياسي الإيراني بعد الإسلام ولا يزال.
5- ظل وجود أئمة أهل البيت باعثا لدى الفكر السياسي الشيعي لتحقيق السلطة الدينية الإلهية بوصفهم النخبة المنتخبة من الله والمعصومين من الخطأ.
6- مع وقوع الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر(329هـ -940م) أصبحت مسألة تحقيق "السلطة الدينية" في الفكر الشيعي ألاثني عشري امرأ غير ممكنٍ وهو ما أدى إلى ظهور جدلية دارت حول طبيعة العلاقة بين الفقيه والسلطة ومشروعية هذه السلطة وهو ما أفضى إلى ظهور اتجاهين داخل هذا الفكر هما الاتجاه التقليدي الذي انطلق من مبدأ ثابت وهو إن انصراف السلطة إلى غير أصحابها الشرعيين(أئمة أهل البيت)ما هو إلا تجريد لهذه السلطة من أي مسوغ شرعي الهي وظل هذا الاتجاه متمسكا بالموروث المذهبي ويرفض أي نوع من أنواع الاجتهاد ولهذا يطلق عليه الاتجاه النقلي كذلك . والاتجاه التجديدي الذي يعود له الفضل في تطور الفكر السياسي الشيعي حيث سعى هذا الاتجاه بواسطة العقل و الاجتهاد والتأويل إلى معالجة الإشكاليات والمتغيرات وطرح الحلول المناسبة لها ولهذا يطلق على هذا الاتجاه بالاتجاه العقلي .
7- تأثر الاتجاه العقلاني بمجموعة من العوامل الفكرية أهمها الحركة الأصولية في الفكر السني التي دفعت باتجاه البحث عن حلول عقيلة تتيح للفقيه إنتاج معارف و أحكام جديدة ، وكذلك حركة الفلسفة التي تنامت خلال القرن الرابع الهجري وما أنتجت من آليات عقلية وظفها الفقيه في تأويل الروايات المتصلة بالانتظار والغيبة واستنباط الأحكام.
8- لعبت الدولة الصفوية دورا ملموسا في تطور الفكر السياسي الشيعي بتبنيها المذهب الشيعي مذهبا رسميا لها وهو ما أدى إلى حراك داخل ذلك الفكر افرز جدلية جديدة وهي جدلية"التفويض الشرعي"من قبل الفقيه للدولة الصفوية بوصفه نائبا عن الإمام المعصوم .
9- دفع انفتاح إيران على الغرب طيلة العهد القاجاري والتوسع في البعثات الدراسية وظهور روافد جديدة في الفكر السياسي الإيراني وما افرزه من دخول مفاهيم من قبيل الحرية بمفهومها الأوسع والديمقراطية والحياة الدستورية وغيرها من المفاهيم إلى ظهور عملية حراك فكري سياسي داخل الفكر السياسي الشيعي بشقيه الإخباري والعقلاني . حيث سعى كلا الخطين إلى قولبة تلك المفاهيم بما يتماشى وميولهما .
10- شهد الفكر السياسي الإيراني بشكل عام والفكر السياسي الشيعي بشكل خاص نوعا من الجمود السياسي بعد فشل الحركة الدستورية وسياسات رضا شاه ثم ابنه محمد رضا شاه . وعلى الرغم من أن الفترة التي امتدت منذ بداية الدولة البهلوية حتى مطلع الستينات لم تكن مجالا خصبا لتطور الفكر السياسي الشيعي على المستوى العملي إلا انه يمكن القول إن تلك الفترة وما حملته معها من جمود سياسي قد ساهمت في تطور هذا الفكر على المستوى النظري لتتطور معه نظرية ولاية الفقيه و علاقته بالسلطة لتصل إلى أعلى درجاتها وهي الحكومة الإسلامية بقيادة الفقهاء .
11- ظهر على الساحة السياسية الإيرانية مع اتصال إيران بالغرب تياران هما التيار الليبرالي والتيار اليساري أسهما بدورهما في نقل الفكر السياسي الإيراني إلى مجالات فكرية أرحب وغذته بمجموعة من المفاهيم الجديدة التي ساهمت في إثرائه .
12- لعب التيار الديني بقيادة آية الله الخميني دورا بارزا في الإطاحة بنظام الشاه ، ولكن لا يمكن في المقابل إنكار دور التيارين الآخرين في تلك الثورة .
13- بدأت التيارات السياسية في إيران بعد الثورة تضع أجندتها السياسية وتصورها للنظام القادم بعد انهيار النظام الملكي في إيران مستعينة في ذلك بقواعدها الفكرية وبنائها الأيديولوجي .
14- ألقى ما تعرض إليه التيار الديني من تهميش في الحياة الدستورية عام 1906م من قبل التيارين الليبرالي واليساري ومحاولة النظام البهلوي إضعاف المؤسسة الدينية بظلاله على الموقف السياسي للتيار الديني بشكل عام بعد الثورة . ولتفادي ذلك أصر التيار الديني بقيادة آية الله الخميني على نظام الجمهورية الإسلامية . حيث لم يكن ذلك مرده بالدرجة الأولى رفضه للديمقراطية والتي كان من الممكن تطويعها بما تتماشى والتوجهات الإسلامية بقدر ما كان تفاديا للأخطاء السابقة وتفويت الفرصة على التيارات الأخرى وتغليب أيديولوجية هذا التيار وفكره السياسي .
15- لقد استطاع آية لله الخميني من تحويل النظرية السياسية التي طرحها ضمن رؤاه الفكرية إلى نظام سياسي يضمن للمؤسسة الدينية ممثلة في التيار الديني الذي قام بالثورة النصيب الأكبر من السلطة والوصول بالحكومة الإسلامية إلى المستوى التطبيقي العملي ممثلة في نظرية ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية ، بعد أن ظلت حبيسة المستوى النظري طوال الفترات اللاحقة على الغيبة الكبرى .
16- استمر التجاذب بين الخط الإخباري والتجديدي داخل الفكر السياسي الشيعي قائما بعد الثورة . فإذا كان الخط التجديدي بقيادة آية الله الخميني قد نجح في تحقيق الحكومة الإسلامية و نقل نظرية ولاية الفقيه إلى المستوى العملي فقد ظل الخط الإخباري معارضا لوجود الفقهاء في السلطة ودعا هؤلاء إلى العودة إلى المساجد والحوزة الدينية وظهر هذا في تصريحات آية الله شريعتمداري . كما ظهر داخل الخط التجديدي ذاته رؤى تباينت في أطروحاتها مع أطروحة آية الله الخميني لاسيما حول مفهوم الحريات و المشاركة الشعبية لمختلف الأطياف حيث يؤكد آية الله طالقاني أن الهدف الرئيسي من قيام الثورة تأسيس نظام ديمقراطي قائم على الشورى وليس من الصلاح أن تكون السلطة في يد رجال الدين .
17- لقد استطاع التيار الديني الحاكم أن يؤسس نظام الجمهورية الإسلامية عن طريق استحداث سلطات ومؤسسات حديثة وتطويع أخرى تخدم من جهة فكره السياسي وتدعم ركائزه و تضيق الخناق من جهة أخرى على التيارات الأخرى التي فشلت في تحقيق الحد الأدنى من تفعيل دورها وطرح نظرياتها السياسية للنظام الذي خلف النظام الملكي .
18- شهد العقد الثاني من الثورة تحولات جذريه داخل جناحي التيار الديني الحاكم (اليمين واليسار) نقل الفكر السياسي الإيراني إلى أفق جديدة غير التي كانت في العقد الأول . فبعد أن ظل اليسار الديني مؤيدا لولاية الفقيه المطلقة انطلاقا من تلاقي الرؤى الفكرية لهذا الجناح مع آية الله الخميني الولي الفقيه في العقد الأول للثورة ، تغير توجه هذا الجناح حيال نظرية ولاية الفقيه المطلقة مع وفاة آية الله الخميني وفقدان هذا الجناح للسلطة تباعا. وفي المقابل انقلب اليمين الديني على رؤاه الفكرية حيال نظرية ولاية الفقيه المطلقة بعد أن تولى آية الله خامنئي منصب الولي الفقيه فجعل هذا اليمين من الفكر السياسي للخميني فكرا تقليديا إخباريا لايجوز المساس به بعد أن ظل هذا الجناح يعارض ولاية الفقيه المطلقة وينادي بـ"المولوية الإرشادية" بدلا منها .
19- يمكن تتبع الفكر السياسي الإيراني بعد عام 1997م أي مع وصول محمد خاتمي لسدة الحكم وظهور نوع من الانفتاح السياسي النسبي والحراك الداخلي في ثلاثة اتجاهات . مثل الاتجاه الأول كل من اليمين التقليدي واليمين المتشدد والذي يؤكد على نظرية ولاية الفقيه المطلقة ويرى فيها الطريق الوحيد لتحقيق المشروعية الإلهية. أما الاتجاه الثاني فنادى بولاية الفقيه المقيدة بالدستور و وجد السلطة الشعبية شريكة في مشروعية الحكم . ويمكن تقصي رؤى هذا الاتجاه عند مستنيري اليمين الحديث واليسار الديني . أما الاتجاه الثالث فتمثل في القوى الليبرالية الوطنية والتي ظلت متمسكة بفكرها السياسي والداعي إلى إقامة نظام ديمقراطي يكفل المشاركة الشعبية لمختلف أطياف وتيارات المجتمع .
20- ظلت القوى الوطنية والوطنية الدينية محتفظة بأجندتها السياسية والساعية إلى خلق نظام ديمقراطي يستوعب جميع أطياف المجتمع بتنوع رؤاه وفكره، رافضة في ذات الوقت الجانب العملي لنظرية ولاية الفقيه التي تتناقض مع توجهات هذا التيار الذي يناهض حكر السلطة بفئة معينة دون غيرها.
21- لعل أهم نتيجة يمكن التوصل إليها خلال هذه الدراسة يمكن تقصيها من خلال اقتباس بعض أهم التصريحات من شخصيات بارزة داخل هذا النظام وتحديداً ما قاله عبد الله نوري(وزير الداخلية في الدورة الأولى لرئاسة رفسنجاني للسلطة التنفيذية وكذلك في الدورة الأولى لرئاسة خاتمي للسلطة التنفيذية) حينما قال: "إن الخلافات حول تفسير نظرية ولاية الفقيه، كانت من أجل نيل السلطة، ولا شيء غير ذلك".
وكذلك ما قاله أحد أبرز المفكرين السياسيين في إيران وهو "صادق زيبا كلام" أن الرؤى السياسية في إيران قائمة على مبدأ المصالح السياسية؛ فعندما كان منصب الزعامة في الثمانينات يتماشى كليةً مع ميول اليسار الديني؛ كان طبيعياً أن ينادى هذا الجناح بأن مشروعية النظام مستقاة من ولاية الفقيه، ولكن في فترة لاحقة عندما لم تتماش الزعامة مع ميول هذا الجناح (تولي على خامنئي لذلك المنصب بعد وفاة الخميني) نادى بأن مشروعية النظام تأتي من الشعب. وعلى الجانب الآخر لم يقبل اليمين خلال فترة زعامة آية الله الخميني بالولاية المطلقة، أما الآن فقد تغير ذلك الموقف بتغير الزعامة التي جاءت متوافقة مع رؤى جناح اليمين ووجد أن الولي الفقيه أعلى من الدستور ويستقي هذا الأخير مشروعيته من الولي الفقيه.
وكذلك ما ذهب إليه محسن كديور في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 16/3/2007م بقوله«أعتقد أننا نقترب من نهاية مرحلة ولاية الفقيه في إيران [القراءة الخاصة لليمين المحافظ] ، وإذا كان لها أي مستقبل، فإن الولي الفقيه سيكون من طهران وليس من قم، لأن إدارة المجتمع تحتاج إلى أكثر من المعرفة الفقهية».
22- إن التوجه نحو التغيير دون الالتفات إلى مصالح القوى المؤثرة والفاعلة في إيران (المؤسسة الدينية – البازار) وغياب عامل التفاهم والثقة بين مختلف القوى الفاعلة في إيران والتفرد بقراءة خاصة وأحادية للسلطة دون الأخذ في الاعتبار بقية قراءات القوى الأخري ورؤاها الفكرية تعد من أهم المعضلات التي تقف حائلاً دون ظهور مشاركة سياسية فاعلة وحقيقية في إيران.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة