ولايه الحبش واهميتها فى الصراع العثماني البرتغالي فى النصف الثانى من القرن السادس عشرالميلادي دراسه فى ضوء المصادر التركيه

احمد حنفي عبد الرحيم عين شمس الاداب اللغات الشرقيه دكتوراه 2009

 "وقد توصلت الدراسة التي عرض الباحث لها والتي تناولت (إيالة الحبش العثمانية وأهميتها في الصراع العثماني البرتغالي في البحر الأحمر والمحيط الهندي في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي) إلى النتائج الآتية:

1- أن الموقع الجغرافي المتميز الذي تتمتع به الحبشة في منطقة القرن الأفريقي، ووقوع موانيها على طريق التجارة بامتداد سواحلها على البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ ساهم في جعلها بيئة مناسبة لاستقطاب الهجرات الجماعية التي نزحت إليها من المناطق المجاورة، كما ساعد تكوينها التضاريسي بمرتفعاتها معتدلة المناخ في استقرار هؤلاء المهاجرين الذين كونوا مراكز حضارية سرعان ما تحولت إلى إمارات لعبت دوراً هاماً في تشكيل تاريخ الحبشة، كما وجه أنظار الغزاة لاتخاذها قاعدة استراتيجية لتنفيذ مخططاتهم في المنطقة.

2-   أن الكشوف الجغرافية التي دفعت البرتغاليين للمجيء للمنطقة حملت في طياتها أسباباً اقتصادية تمثلت في السيطرة على تجارة البهارات، وأسباباً دينية بغرض تفتيت أواصر القوة الإسلامية بتطويقها من الخلف، بعد أن فشلت الحملات الصليبية في اختراق الجبهة الإسلامية من جهة البحر المتوسط.

3-   أن عجز الدولة المملوكية عن القيام بواجبها المنوط بها في حماية العالم الإسلامي، دفع الدولة العثمانية لتوجيه خريطة فتوحاتها جنوباً، واضطلاعها بدور المدافع عن كيان العالم الإسلامي بعد ضعف الدولة المملوكية، وفتحهم للشام ومصر واليمن وتحويلهم البحر الأحمر إلى بحيرة عثمانية لمواجهة هذا الخطر الوليد والوافد على العالم الإسلامي من الجنوب. كما أن مواجهة الدولة العثمانية للبرتغاليين إنما هي جزء من مشروع السلطان ""سليم الأول"" الرامي على توحيد شرق وغرب العالم الإسلامي تحت زعامة الدولة العثمانية، ولا سيما بعد استغاثات ملوك وسلاطين دول الهند الإسلامية بالدولة العثمانية من وطأة البرتغاليين في الهند.

4-   أن العثمانيين وإن لم يستطيعوا القضاء التام على البرتغاليين في البحار الشرقية، إلا أنهم جمّدوا نشاطهم في المنطقة، وحطموا معظم سفنهم، وحدوا من خطورتهم على التجارة الإسلامية، ونهبهم لخيرات المسلمين، ويرجع ذلك لعدة أسباب منها: أن الأساطيل التي أرسلتها الدولة العثمانية تحت قيادة ""بيري رئيس، ومراد رئيس، وسيدي علي رئيس"" لم تتمكن من إرساء نفوذ العثمانيين في سواحل الخليج العربي، نظراً لبُعد هذه السواحل عن قاعدة العثمانيين البحرية في السويس، ولعدم التكافؤ بين قوة الأسطول العثماني والأسطول البرتغالي المزود بأحدث التقنيات العسكرية آنذاك، والقريب من قواعده العسكرية في الهند.

5- أن الدولة العثمانية جعلت من مصر حلقة الوصل بين الآستانة وإيالة الحبش، وذلك لبعد إيالة الحبش عن مركز الدولة، فكلف أمير أمراء مصر بمهام الإشراف المالي والإداري والعسكري لإيالة الحبش، كما كلف أميري أمراء مصر واليمن بتقديم كافة الاحتياجات (من عسكر ومهمات وأموال) التي يطلبها أمير أمراء الحبش لمواصلة حركة الفتوحات داخل الحبشة، فكانت مصر واليمن المصدر الذي يمد إيالة الحبش بما تحتاج إليه. كما ارتبطت إيالة الحبش بعلاقات الجوار مع إمارة هرار وبيلول ومملكة الفونج، وكان لهذه العلاقات أثرها الإيجابي إذ كفلت لمسلمي الحبشة الدعم المعنوي في مواجهتهم دولة مسيحية، والدعم الاقتصادي الذي سد احتياجاتهم من المؤن والذخائر في حالة تأخر وصولها من مصر واليمن، والدعم العسكري في تحالفهم ضد جيش الأحباش أيضاً.

6- أن البرتغاليين وجدوا بغيتهم في مملكة الحبشة المسيحية، فتحالفوا معها لتحقيق أهدافهم الدينية والاقتصادية في المنطقة، في الوقت الذي اتصل فيه العثمانيون بالإمام ""أحمد بن إبراهيم"" وأمدّوه بالمال والأسلحة النارية في جهاده ضد الأحباش المسيحيين، ومن ثم أوجدوا من الصراع المحلي الدائر داخل الحبشة صراعاً دولياً تؤججه القوتان العثمانية والبرتغالية، علاوة على أن الفتح العثماني للحبشة مثل جزء من حل الأزمة الاقتصادية التي عانتها الدولة العثمانية نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية، وذلك لتوفر معدن الذهب بالحبشة، إضافة على مواردها الاقتصادية الأخرى من التجارة ولأهميتها الاستراتيجية في تأمين الحدود الجنوبية للإمبراطورية العثمانية.

7- أن المصلحة المشتركة في مواجهة عدو الدين قرّبت من العلاقة بين البرتغاليين والأحباش، رغم اختلاف مذهبيهما، إلا أن زيادة تدخلات البرتغاليين في شئون الحبشة الداخلية جعلت ملوك الحبشة يرفضون هذه الوصاية رغم أن البرتغاليين هم أصحاب الفضل في الانتصارات التي حققوها على عدوهم، ووصل الخلاف بين الملوك الأحباش والبرتغاليين إلى مطالبة ملك الحبشة بإجلائهم عن البلاد.

8- أهمية موقع الحبشة الاستراتيجي في إمكانية قطع الصلة بين الأسطول البرتغالي وجيش الأحباش المسيحيين في الداخل جعلت الدولة العثمانية تهتم ببناء القلاع على طول النقاط الحدودية الساحلية لحماية سواحل الحبشة، إضافة إلى الدور الذي قامت به هذه القلاع في دحْر هجوم قبائل ""غاله"" التي استهدفت إيالة الحبش، وكانت مصدر قلاقل مستمر، وما أحدثته من آثار سلبية استنفدت المجهود الحربي المدخر لمواجهة جيش الأحباش الذي يدعمه البرتغاليين، كما سعت الدولة العثمانية لتدعيم القوة العسكرية في الحبشة بشكل دائم لمواجهة جيش ملك الحبشة الجرار وخاصة أن هذه الحروب المتواصلة استهلكت معظم العتاد من جند وأسلحة.

9-   أن الفتح العثماني للحبشة، وتوسيع حدود الإمبراطورية العثمانية جنوباً، وهيمنة نفوذهم على مياه البحر الأحمر وساحل شرق أفريقيا جعلت البرتغاليين يسعون لإيجاد مخرج من حلبة هذا الصراع الدائر في البحار الشرقية، تمثل في محاولتهم التقارب الودي مع السلطان العثماني أثناء المواجهات العثمانية البرتغالية، لكن هذه المساعي لم تأت بثمارها؛ لأن الدولة العثمانية التي حرصت على الدفاع عن كيان العالم الإسلامي، كانت ضد مصالح البرتغاليين الذين هدفوا إلى السيطرة على التجارة الشرقية.

10- تعقبت الدولة العثمانية لأطماع البرتغاليين في سواحل شرق وجنوب أفريقيا، فسعت لتطهير سواحل موزمبيق وشرق وجنوب أفريقيا من الوجود البرتغالي.

11- بظهور القوى الاستعمارية الأوربية في المنطقة في أواخر القرن الـ 16م بدأ نجم البرتغاليين في الأفول في الوقت الذي وجهت فيه الدولة العثمانية اهتماماتها بمسائل أخرى في الآستانة.

12- في القرن السابع عشر الميلادي قلت أهمية الحبشة بالنسبة للدولة العثمانية، فكانت إمارة أمراء الحبش توجه سوياً مع إمارة أمراء جدة إلى أمير أمراء واحد، يباشر مهامّه على الإيالتين معاً، وقد حفظت المؤسسات التي أسسها العثمانيون وكفلت للوجود العثماني البقاء في الحبشة حتى أوائل القرن العشرين الميلادي."


انشء في: اثنين 31 ديسمبر 2012 19:39
Category:
مشاركة عبر