الجهود الفقهية للإمام أشرف علي التهانوي1280-1362هـ=1861-1943م

محمد عمران الفراهي الندوي القاهرة دار العلوم الشريعة الإسلامية ماجستير 2009

 "إن مراحل تاريخ الفقه والفقهاء في الهند فإننا – بالقاء نظرة عابرة عليه – نجد أن هذا الموضوع كان – ولا يزال – في غاية الخفاء عن أنظار الباحثين بصفة عامة والعرب بصفة خاصة، وعليه فليس من السهل الإطلاع عليه إلا بعد الرجوع إلى مؤلفات عديدة في شتى الموضوعات والفنون من الحديث وعلومه والتاريخ والثقافة والفلسفة واللغة وآدابها.

وإنني أسرد هنا ما توصلت إليه بعد إستقراء عدد من تلك المؤلفات ليكون القارئ على بينة من الحلقات التي وصل الفقه الإسلامي من خلالها إلى شيخنا الإمام التهانوي -رحمه الله تعالى- مع توزيعه على عصور الفاتحين والغزاة المسلمين لبلاد الهند على النحو التالي:

الفقه والفقهاء في عصر الفاتحين العرب:

كان لدخول الإسلام الهند تأثيراً بعيد المدى في شتى مجالات العلوم بوصف عام والفقه الإسلامي بوصف خاص,حيث بلغ تأثيره إلى آفاق بعيدة، وأوضح دليل على ذلك هو شغف الموالي من سبايا السند بالإشتغال بالعلوم الدينية الذين كانوا قد نقلوا إلى العراق والشام والحجاز في هذه الفترة، الأمر الذي نتج عنه نبوغ أعلام فقهية من فروعهم مثل الإمام الأوزاعي الذي يقول عنه أبو زرعة الدمشقي: إن أصله كان من سبايا السند ( ) ، كذلك كان الإمام أبو حنيفة بعد نزوح جده من كابول إلى البصر ( ) بإعتبار أن بعض الأقاليم الأفغانية – ومن بينها كابول – كانت من أعمال الدولة الإسلامية بالهند في فترات من تاريخها.

وهذا ما يسجله لنا التاريخ عند ما يقرر أن محمد بن القاسم لما فتح الرور ""بني فيها مسجداً، وولي الفقيه موسى بن يعقوب القضاء والخطابة بها، وأن من أولاده من توارثوه فهماً من بعده، منهم الخطيب إسماعيل بن علي الثقفي ( ).

وعلى الرغم من إهتمام هؤلاء الملوك والفاتحين بعلوم الدين عامة منذ بدء حكمهم في الهند وأن الفقه في عهدهم – الذي امتد لثلاثة قرون – لم ينل حظه من الظهور ما ناله الحديث، الأمر الذي رفع المقدسي إلى القول ( )، ""أن أكثرهم أي أهل السند أصحاب حديث ""، وإن قرر عدم خلو قصباتها من فقهاء على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-.

ومن المعروف أن أسندالغزنويون مقاليد البلاد فقد توالي على حكمها عدد من الأسر والمجموعات – من الغوريين والمماليك والخليجيين  والتغلقين والمغول – حتى عصر شيخنا الإمام التهانوي -رحمه الله تعالى رحمة واسعة-.

فأسرد هنا نصيب الفقه من التطور والازدهار في كل عصر من عصور تلك الأسرة والمجموعات.

الفقه والفقهاء في العصر الغزنوي 392 هـ، 996م = 582هـ ، 1186م:

بدأ عصر الدولة الغزنوية في الهند في أواخر القرن الرابع الهجري، عندما وطئ الغزنويون ( ) بقيادة سلطانهم محمود الغزنوي أرضها من منافذ حدودها الشمالية الغربية عام 392هـ، واتخذوا مدينة لاهور عاصمة لدولتهم فيها والتي أصبحت في عهدهم مركزاً لمختلف العلوم الفنون خاصة الفقه الإسلامي، نتيجة اهتمامهم بها، حتى يقال: أن السلطان محمود الغزنوي نفسه كان من أعيان الفقهاء في عصره، وأن له كتاب معروف باسم ""التغريد في الفروع في الفقه""، وهو – على ما يقرره الحلبي نقلاً عن الإمام ابن أبي شيبة -= كتاب مشهور في بلاد غزنة، وأنه في غاية الجودة، يتميز بكثرة المسائل ( ).

الفقه والفقهاء في العصر الغوري ( ) 602، 583هـ = 1205، 1186م

وخلفت الغزنويون الأسرة الغورية عام 582هـ 1186م التي لم تكتف بالإستيلاء على دولتهم فحسب، بل قامت بتوسيع حدودها إلى مدينة دلهي، اتخذتها عاصمة لدولتها الوليدة بدلاً من مدينة لاهور وفتحت أبواب الهند كلها على مصراعيها لدعوة الإسلام وثقافته وشتى علومه، فانتشر الإسلام ورفرفت رايته في سماءها، كما إعتاد إقبال الناس على مختلف الفنون النقلية والعقلية وبصفة خاصة على الفقه وعلومه الأمر الذي أفرز عن عدد من الفقهاء المعروفين الذين تركوا بصمات عالية في مجال الفقه والقضاء، وتولوا أرفع المناصب منهم على سبيل المثال:

العلامة كمال الدين الدايوني صاحب ""المغني في الفقه"" الذي تقلد منصب الولاية بمدينة بدايون ( ) وقام بالإفتاء والتدريس بها.

الشيخ علاء الدين الأصولي البدايوني (ت666هـ) الذي كان من أبرز رجال العلم والطريقة في عصره والذي قرأ عليه نظام الدين الأولياء ( ) بعضاً من الكتب الدراسية في الفقه وأصوله.

الشيخ شمس الدين البهرائجي الذي سلم إليه السلطان محمود قضاء سائر الديار الهندية المفتوحة في عهده، فأصبح له من المعتمدين والمستشارين له في مهمات الأمور ( ).

الشيخ محمد بن إسماعيل الخطيب نزيل دهلي الذي له كتاب مشهور باسم ""رضوان القضاء"" ( ).

الفقه والفقهاء في عصر المماليك 602، 688 = 1206، 1290م:

خلف المماليك – وهم موالي الغوريين – تحت قيادة قطب الدين مملوك محمد الغوري سادتهم في حكمهم لدولتهم بالهند 602هـ = 1206هـ.

وهكذا فقد أنجب هذا العصر العديد من الفقهاء الأفاضل منهم ظهير الدين البهكري أستاذ الشيخ شمس الدين يحيى الأودهي (ت748هـ = 1346م)، قال فيه صاحب النزهة: لم يكن في زمانه أعلم منه بالفقه والأصول والنحو ( ).

وأبو بكر اسحاق بن تاج الدين أبو الحسن المعروف بابن التاج (المتوفي بعد 736هـ) صاحب كتاب الحج والمناسك ( )، وخلاصة الأحكام بشرائط الإيمان والإسلام ( ) .

وفخر الدين الناقلي الدهلوي، كان يدرس بدهلي تم ولاة السلطان جلال الدين فيروز الصدارة.

وفخر الدين الهانسوي من الأساتذة المشهورين في عصره، ومن مؤلفاته ""دستور الحقائق "" ( ).

وصقر الدين محمد بن عبد الرحيم الأموي الشافعي الهندي 715هـ = 1315 مالكولوم بالدريج، تخصص في علم الكلام وأصول الفقه، وتقابل مع ابن تيمية في دمشق عام 1312هـ، وحدثت بينهما مناقشات ومناظرات، له عدة مؤلفات منها:

•  الفائق في أصول الدين.

•  نهاية الوصول في علم الأصول ( ).

الفقه والفقهاء في الدولة التغلقية ( ) 720- 818 = 1320 – 1414.

ونورد هنا عدداً من الفقهاء الذين سطع نجمهم في سماء الفقه والإفتاء والقضاء في عصر هذه الأسرة، وهم على سبيل المثال:

عالم بن العلاء الأندريتي وهو فقيه مشهور، صنف الفتاوي التتار خانية، جمع فيه مسائل المحيط البرهاني والذخيرة والخانية والظهيرة جمعها بأمر الخان الأعظم تاتارخان عام 777هـ ( )، ونسبها إلي القاضي ضياء الدين البرني(760 – 1359) وهو أحد مشاهير فضلاء شبه القارة الهندية، وأعرفهم بالفقه والتاريخ وسياسة المدن، من مؤلفاته، فتاوي جهان دارية، وتاريخ  فيروز شاهي ( ).

سلطان الأولياء الشيخ نظام الدين محمد بن أحمد البدايوني (ت636 هـ)، وهو أحد مشاهير العلماء الصوفيين، وكان أهلاً للفتوى والتدريس ( ).

والشيخ حسام الدين الدهلوي (ت770هـ) صاحب البحار الذاخرة ( ).

وأبو حفص سراج الدين عمر بن اسحاق الهندي (ت773هـ) ( ) تقلد منصب قاضي القضاة لفترة طويلة وأكثر مؤلفاته عن الفقه الحنفي مثل زبدة الأحكام في اختلاف الأئمة الأعلام، والغرة المنيفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة، وشرح المغني ( )، وكشف معاني البديع في بيان مشكلات المعاني ( ).

الفقه والفقهاء في عصر الدولة الشرقية ( ) (796، 881هـ = 1476، 1394م)

نال العلماء في هذه الدولة مكانة علمية مرموقة نظرا لإهتمام حكامها بالعلم والعلماء، نذكر هنا البعض منهم على سبيل المثال، وهم كالتالي:

القاضي شهاب الدين الدولة آبادي (ت849هـ = 1445م) هو أحد نوابغ عصره في العلوم النقلية والعقلية، ومن آثاره، الفتاوي الشهابية، وتيسير الأحكام( ).

والسلطان إبراهيم الشرقي الذي بجانب كونه حاكماً مقتدراً كان عالماً متمكنا، وصاحب مصنفات جليلة منها:

""شرح البزدوي في أصول الفقه"" ( ).

والقاضي شهاب الدين أحمد بن محمد الملقب ""بنظام الكيلاني"" ثم الجونفوري صاحب ""إبراهيم شاهية في فتاوي الحنفية"" ( ).

والقاضي رضي الدين بن نصير الدين الردوني حفيد قاضي القضاة شهاب الدين الدولة أبادي البارع المتبحر في الفقه والأصول واللغة ( ).

والعلامة سعد الدين الخير آبادي (ت882هـ) كان من العلماء البارزين في الفقه والأصول صاحب شرح البزدوي، وشرح الحسامي، وشرح الكافية لابن الحاجب ( ).

واشتهر من علماء تلك الفترة أبو الفتح ركن الدين ناكوري وسبب شهرته كتابه ""الفتاوي الحمادية"" من أهم ما كتب في شبه القارة الهندية عن الفقه الحنفي( ).

الفقه والفقهاء في عصر الدولة المغولية:

آلت مقاليد الحكم في شبه القارة الهندية إلى الأسرة المغولية على يد مؤسسها محمد ظهير الدين بابر عام 1526م، وامتد حكم هذه الأسرة لمدة تناهز ثلاثة قرون واثنين وثلاثين سنة.

لذا نجد هذه الفترة – برغم غنائها وإزدهارها في شتى جوانب الحياة – جدباء وعقيمة من حيث نتاجها في مجال الفقه الإسلامي، إذ أننا لا نرى فيها من سوامق الأشجار علماً غلا نادراً نبتت وترعرعت بجهودها الذاتية بعيداً عن أنظار الحكومة ورعايتها أمثال:

الشيخ عبد الأول بن علاء الحسيني الجونفوري (ت1029 = 1620) ومن آثاره ""التحفة المرسلة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ( ) .

والشيخ عبدالنبي الكنكوهي (ت991 = 1583) الذي ولاه الامبراطور أكبر صدارة الصدور في الهند كلها ومن آثاره"" سنن الهدي في متابعة النبي المصطفى – صلى الله عليه وسلم – "" ( ) ورسالة في ""حرمة السماع ""رد فيها على رسالة أبيه.

والشيخ جلال الدين بن محمد العمري، ومن أشهر كتبه ""أرض الهند"" ومولانا عبد الله سلطان بوري، الذي ألف رسالة"" الصباح"" في الفقه ( ) .

والشيخ وجيه الدين العلوي (ت998هـ) الذي امتاز بوفرة مؤلفاته في أكثر العلوم الدينية، ومن لآثاره: ""حاشية التلويح""، و""حاشية البزدوي""، و""حاشية الهداية""، و""حاشية شرح الوقاية""، و""شرح التجريد للأصفهاني"" ( ).

والشيخ إبراهيم المحدث المانكبوري (ت1001هـ = 1593م) هو أحد الرجال المعروفين بطول الباع في الفقه والحديث ( ).

والعلامة أحمد بن أبي سعيد الأميتهوي المعروف ""بملا جيون"" (المتوفي 1048 = 1130) الفقيه الأصولي المعروف صاحب ""التفسيرات الأحمدية في بيان الأحكام الشرعية مع تعريفات المسائل الفقهية"" ونور الأنوار في شرح منار الأنوار للنسفي في أصول الفقه الحنفي"".

غير أننا نستثني من هذه الفترة الجدباء العقيمة عصر السلطان محيي الدين أورنج زيب عالمكير (1658هـ = 1707م) ( ) آخر حلقة من سلسلة ملوك هذه الفترة، والمعروف بورعه وتقواه، وشغفه بعلوم الدين عامة والفقه الإسلامي بصفة خاصة وإلمامه الراسخ بها، وتوظيفه كثيراً من العلماء والشيوخ للاشتغال بالعلم وتوليته لهم كثيراً من المناصب القيادية والقضائية، وحرصه على حمل المسلمين على أن يعملوا في المسائل الدينية على المذاهب الحنفي، والذي أدى – بتوجيه منه – إلى ظهور ""الفتاوي العالمكيرية"" المعروفة في البلاد العربية باسم ""الفتاوي الهندية""، وكذلك إلى ظهور كثير من جهابذة العلماء والفقهاء. وبعض منهم على سبيل المثال على النحو التالي:

الشيخ أبو الفرج عبد الفتاح بن هاشم الحسيني الصمدني وهو فقيه مشهور في عصره، كان من أعضاء الهيئة التي ألفها عالمكير لتأليف الفتاوي العالمكيرية( ).

الشيخ أبو الرضا محمد (ت1101هـ) كان واسع المعرفة عظيم الورع قوي العلم ( )، كان يدرس كتاباً في كل فن، ثم اكتفى أخيراً بدرسين أحدهما في تفسير البيضاوي، والثاني في مشكاة المصابيح.

ملا قطب الدين الشهيد (1103هـ) الذي كان متفرداً في أصول الفقه والمعاني والمنطق والفنون العربية ( ).

القاضي محمد حسين المحتسب الجونفوري (المتوفي في عهد عالمكير) الذي كان قاضياً بمدينة جونفور في عهد السلطان شهاب الدين شاه جهان، وقاضبا ببلدة إله آباد في عهد عالمكير، ثم استخدمه السلطان لتدوين الفتاوي العالمكيرية( ).

القاضي عصمة الله بن عبد القادر الفاروقي اللكهنوي (ت1113هـ) ولاه السلطان عالمكير على مدينة مراد آباد، وكان له عون في تأليف الفتاوي العامكيرية، ومن مخطوطاته ""شرح هداية الحكمة لأثير الدين الأبهري"" ( ).

الشيخ محمد غوث بن أبي الخير بن أبي المكارم (ت1118هـ) وهو من تلاميذ الشيخ قطب الدين، ضمه السلطان عالمكير إلى مؤلفي الفتاوي الهندية، فكانت له يد بيضاء في تدوينها ( ).

الشيخ محمد نعيم المفتي محمد فائض الصديقي الأودي (ت1120) الذي جمع بين المعقول والمنقول، تولى أبوه الإفتاء ببلدة من بلاد الهند، ومن آثاره: شرح علي المشكاة، وحاشية علي هداية الفقه في أربعة عشر مجلداً ( ).

الشيخ محمد جميل بن عبد الجليل الصديقي (ت1123هـ أحد أعضاء الهيئة لتدوين الفتاوي العالمكيرية، قضي عمره في التدريس، من مؤلفاته: ""رسالة في الفقه""، وحاشية علي ""المطول"" ( ).

الشيخ عبد الرحيم بن وجيه الدين الشهيد الدهلوي (ت1131هـ) كان من الذين عهد إليهم السلطان بتنقيح الفتاوي الهندية وإصلاحها، إنه كان فقيهاً حنفياً وصوفياً نقشبندياً، يختار أحياناً أقوال غير الحنفية من أهل السنة ما يترجح عنده بالأدلة الحديثة ( ).

 

المفتي أبو البركات الدهلوي، كان من كبار الفقهاء الحنفية في عصره، ولاه السلطان العالمكير القضاء بدهلي، كانت له يد طولي في الفقه والإفتاء، عهد إليه السلطان بتدوين الفتاوي الهندية."


انشء في: سبت 4 يناير 2014 07:49
Category:
مشاركة عبر