الفصل في المنازعات بين الجهات الإدارية في ضوء إفتاء الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع
محمد محمد بدران القاهرة الحقوق القانون العام دكتوراه 2009
ملخص الدراسة:
نشأ مجلس الدولة على غير شاكلة الهيئات القضائية الأخرى، فهو قاضى المنازعات الإدارية التي تشجر بين الفرد والإدارة، ومن ثم كان – ولا زال – هو كافل الحريات الفردية وركنها الركين، وحامى الحقوق العامة وموئلها الحصين، فهو مفزع المظلومين وقبلة المستضعفين، بالإضافة لكونه مفتى الإدارة الأمين، وصائغ التشريعات على اختلاف أنواعها، لذا فقد أثرت أحكامه وفتاويه فى الحياة القانونية تأثيراً كبيراً لا ينكره منصف، فالمجلس فى مجال القضاء والفتوى والتشريع يضع الإدارة تحت رقابة قوية قد تكون أقوى من رقابة البرلمان ذاته، فهو يكشف ما سُتَر فى سجلاتها ويعلم الكثير عن مشروعاتها ونواياها فيسلط رقابته السابقة بالإفتاء، واللاحقة بالقضاء منعاً لمخالفتها القانون أو انحرافها بالسلطة.
وقد كان لأحكام مجلس الدولة الغلبة فى الانتشار عن فتاويه فحظيت بأغلب الدراسات القانونية على الرغم من أن وظيفة المجلس شملت هذين الجانبين، بل أن نشأة مجلس الدولة - سواء فى مصر أو فرنسا- كانت بوصفه ناصح الإدارة ومفتيها حتى لا تخرج عن حظيرة الشرعية فى تصرفاتها، وتكون قراراتها مجالا للطعن عليها أمام القضاء.
وتأتى الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع كجهاز من أهم أجهزة مجلس الدولة وعلى قمة أجهزة الإفتاء القانونى فى البلاد بحكم تشكيلها القضائى الرفيع من خيرة مستشارى مجلس الدولة، وما وسده إليها المشرع من اختصاصات هامة، فلا يخفى على الفطنة السليمة أن الاختصاصات المعهودة للجمعية لا تقتصر فقط على دورها الإفتائى المعروف فى المسائل الدولية والدستورية والتشريعية، وغيرها من المسائل القانونية التى تعرض عليها بوصفها ناصح الإدارة ومفتيها، بل يمتد الأمر كذلك إلى اختصاصين آخرين لا يقلان أهمية عن هذا الاختصاص الإفتائى، الأول هو اختصاصها بمراجعة مشروعات القوانين واللوائح والقرارات الجمهورية ذات الصبغة التشريعية والمحالة إليها من قسم التشريع لأهميتها، والثانى هو اختصاص شبه قضائى باعتبارها الحكم الفصل فى المنازعات التى تنشأ بين الجهات الإدارية التى تعد فروعاً للسلطة التنفيذية أو هيئة من هيئاتها، وذلك بإبداء الرأى المسبب لأطراف المنازعة على النحو الذى أوردته الفقرة (د) من المادة (66) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 ().
واختصاص الجمعية العمومية بالفصل فى منازعات الجهات الإدارية يعد من أهم الوظائف الموكولة إليها، باعتباره بديلا للاختصاص القضائى المقرر للمحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها فيما يثور من منازعات بين هذه الجهات، وباعتبار أن الرأى المنتهى إليه هو رأى ملزم لأطراف المنازعة وهى الحالة الوحيدة التى يكون فيها الإفتاء ملزماً بنص القانون، وقد كان هذا الاختصاص معقوداً فى بداية الأمر- عند نشأة مجلس الدولة عام 1946- لمحكمة القضاء الإدارى ()، وبصدور القانون رقم (9) لسنة 1949 أصبح معقوداً لقسم الرأى مجتمعا ً- م3-، وبصدور القانون رقم (165) لسنة 1955 عقد هذا الاختصاص للجمعية العمومية للقسم الاستشارى - م44-، واعتباراً من تاريخ العمل بالقانون رقم (86) لسنة 1969 بشأن مجلس الدولة - م 47 -، وفى ظل العمل بقانون مجلس الدولة الحالى الصادر بالقانون رقم (47) لسنة 1972 أصبح هذا الاختصاص معقوداً للجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع- م66-، وقد أوكل إليها هذا الاختصاص على سند من أن المنازعات التى تثور بين الجهات الإدارية تقوم فى الواقع بين فروع السلطة التنفيذية وهيئاتها، وكان لا يعرض أمرها قبل إنشاء مجلس الدولة على المحاكم، بل كان يبت فيها بالطرق الإدارية، ومن ثم رؤى أن من اعتبارات التنظيم السليم والمصلحة العامة إبعاد منازعات هذه الجهات عن المحاكم ومنح ولاية الفصل فيها للجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع، حيث اقتضت طبيعة التنظيم الإدارى للدولة النأى بهذه المنازعات عن اختصاص القضاء لتحسم بالرأى الذى تصدره الجمعية العمومية فيها ويكون له صفة الإلزام().
وعلى الرغم من ذلك فقد عَزَّ على المشرع فى قوانين مجلس الدولة المتعاقبة – حتى فى قانونه الحالى – أن ينظم مسألة الفصل فى منازعات الجهات الإدارية تنظيماً مفصلا ًودقيقاً، بل اكتفى بأن يورد ذلك الاختصاص بالفقرة (د) من المادة (66) من قانون مجلس الدولة، تاركاً تفاصيل هذه المسألة لاجتهادات الجمعية العمومية والتى كان على عاتقها أن تضع هذه الفقرة موضع التنفيذ وتضع من الآليات والقواعد الإجرائية والموضوعية ما يلزم لنظر النزاع والفصل فيه، ومن ثم كان ذلك الأمر مثيراً للخلافات ومحلاً للاجتهادات، وقد زاد الأمر سوء أن الفقه لم يُعْطِ هذه المسألة الاهتمام الكافى فَطُمست حقيقة هذا النظام والأهداف التى ابتغاها المشرع من تقريره، ومن ثم جاءت هذه الدراسة بغرض إزالة غموض هذا النظام وما طمس من معالمه، لبيان حقيقته والأهداف المرجوة منه.
أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
وقع اختيار الباحث على اختصاص الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بالفصل فى منازعات الجهات الإدارية ليكون موضوعا لهذه الدراسة نظراً لأهمية ما يثيره من إشكاليات قانونية جديرة بأن تكون محلا للدراسة، ولما ارتآه الباحث فى هذه الأطروحة من طابع عملى يجب توجيه النظر إليه، فهى دراسة ليست بالنظرية البحتة بل اصطبغت جنباتها بالطابع العملى والذى يثير العديد من المشكلات القانونية الواقعية، ويمكن إجمال أهم الأسباب التى دعت إلى ذلك الاختيار فى الآتى: -
أولاً: إهمال الفقه القانونى لدور الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع واختصاصاتها بصفة عامة، فأغلب المؤلفات التى تناولت ذلك الأمر لم تكن بالتعمق أو بالتخصص الكافى، وهو ما حدا بالباحث إلى إبراز أهمية الدور الذى تلعبه هذه الجهة بوصفها أكبر تشكيل قضائى فى مصر وتقع على قمة أجهزة الفتيا فى البلاد، لذا كانت هناك رغبة فى إبراز الدور الهام الذى يلعبه الإفتاء الصادر عن الجمعية العمومية فى إثراء الحياة القانونية وذلك بغية ترسيخ المبادئ القانونية التى يقرها، ونشر ذلك المخزون القانونى بقصد توسيع مجالات الاستفادة منه، بالإضافة إلى إبراز أهمية الدور الذى تلعبه الجمعية العمومية كوسيلة من الوسائل المتخصصة فى فض المنازعات التى تثور بين فروع السلطة العامة وهيئاتها نظراً لما تتمتع به هذه المنازعات من طبيعة خاصة، ونظراً لكونها تتعلق بتسيير المرافق العامة التى تقوم عليها هذه الجهات، خاصة وأن هذه المنازعات تشغل مجالاً كبيراً من مجالات عمل الجمعية العمومية، ففى بعض السنوات تتعدى الفتاوى الملزمة الصادرة فى شأن المنازعات أكثر من خمسين بالمائة من جمله عدد الفتاوى الصادرة عن الجمعية، وبحسبان أنه لا يوجد مثيل لهذه الوسيلة فى النظم القانونية المقارنة حتى فى النظام القانونى الفرنسى والذي استقى منه المشرع المصرى أغلب قواعده القانونية.
ثانياً: الرغبة فى إيجاد وسيلة فعالة للقضاء على المشكلات التى تثور بين أشخاص القانون العام بغية تقليل عدد القضايا وتخفيف العبء عن كاهل المحاكم التى تنظر هذه الدعاوى نظراً لكونها تثور بين أفراد العائلة الواحدة، وهنا ظهرت رغبة أخرى فى بيان مدى فاعلية ولوج طريق الإفتاء الملزم كوسيلة لفض المنازعات بين الجهات الإدارية، وذلك بالمقارنة بباقى الوسائل الأخرى كالقضاء والتحكيم، فإذا ما ظهرت جدية هذه الوسيلة وفاعليتها دعونا إلى تفعيل آلياتها، لكى تأخذ مكانها بجوار الوسائل الأخرى، باعتبار أن اختصاص الجمعية العمومية بالفصل فى منازعات فروع السلطة التنفيذية وهيئاتها إنما هو البديل للاختصاص القضائى المقرر للمحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، الأمر الذى حدا بالمشرع إلى جعل الإفتاء فى هذه الحالة ملزماً على غير المقرر قانوناً، كيما تتحرك ولاية الجمعية ويستنهض اختصاصها لحماية الشرعية وسيادة القانون بين أفرع وهيئات السلطة التنفيذية وباعتبار أن هذا الاختصاص شبه القضائى إنما يدخل تصرفات الجهات الإدارية حظيرة الشرعية، ولا يخول لها – فيما بينها – الخروج على أحكام القانون الذى ينبغى أن يسود كافة تصرفاتها تعظيماً لسيادته، وتحقيقاً للعدالة الإدارية.
ثالثاً: إبراز أهمية وخطورة الدور الذى تلعبه الجمعية العمومية فى نطاق فض المنازعات، مع إجراء المقارنة بين مسلكها ومسلك جهات القضاء العادى والإدارى فى نظر المنازعة وتناولها من الناحية الإجرائية ومن الناحية الموضوعية، بغية الوصول إلى مدى تأثر الجمعية بالاتجاهات القضائية فى هذا الشأن، وبحث مدى تأثر الأحكام القضائية بما أقرته الجمعية العمومية من مبادئ قانونية.
رابعاً: الرغبة فى إيجاد معيار محدد لاختصاص الجمعية فى مجال فض المنازعات سواء من ناحية الخصوم أو الموضوع، خاصـة وأنها أقـرت - فى بعض فتاويها - باختصاصها بنظر منازعات بعض أشخاص القانون العام على الرغم من أنها لا تعد فرعا من فروع السلطة التنفيذية أو هيئة من هيئاتها، كما انتهت فى - فتاوى أخرى- إلى عدم اختصاصاها ولائياً بنظر بعض المنازعات على الرغم من أنها تثور بين فروع للسلطة التنفيذية، الأمر الذى حدا بالباحث إلى تحليل ذلك المسلك وتقييمه بغية الوصول إلى المعيار الصحيح لانعقاد اختصاص الجمعية العمومية وفقاً للفقرة (د) من المادة(66) من قانون مجلس الدولة.
خامساً: الرغبة فى إيجاد الحلول الفعالة للعديد من المشكلات العملية الناجمة عن امتناع الجمعية عن تطبيق بعض القواعد القانونية - دون نص يجيز ذلك -، وكذلك إشكالية امتناعها عن الفصل فى المنازعات المحالة إليها من جهات القضاء - إذا ارتأت أنها غير مختصة بالفصل فيها -، والسعى نحو إيجاد قواعد ثابتة ومستقرة لقبول المنازعة وتداولها والفصل فى موضوعها، رغبة فى إيجاد منظومة قانونية متكاملة تشمل كافة القواعد الإجرائية التى تحكم سير المنازعة منذ نشأتها حتى الفصل فيها برأى ملزم، ووصولاً إلى تبنى المشرع لهذه المنظومة بإدخالها فى قوالب قانونية واجبة الإتباع، لما في ذلك من تحقيق للعدالة الإدارية على وجه ناجز وسريع.
سادسا: بيان الطبيعة القانونية للرأى الملزم الصادر فى المنازعة، وهل يأخذ طبيعة الحكم القضائى باعتباره فاصلاً فى نزاع، أم يظل داخل حدود الفتوى حتى ولو كان مصطبغاً بصفة الإلزام؟، ومن ثم توضيح مدى تمتعه بالحجية والقوة التنفيذية التى تتمتع بها الأحكام القضائية، بالإضافة لبيان مدى قابليته لأن يكون محلا للطعن، وما هى الوسيلة التى يمكن الطعن بها عليه؟، وما هى الضمانات التى يمكن أن يتمتع بها لاحترام تنفيذه، وذلك فى ظل عدم وجود أية ضمانة تشريعية تجبر الجهات المتنازعة على احترام هذا الرأى، بما قد يحدو بالجهة الصادر فى غير صالحها أن تمتنع عن تنفيذه، لذا كانت هناك حاجة ماسة إلى وضع آلية فعالة للطعن عليه، وإيجاد ضمانات قانونية لاحترام تنفيذه، باعتباره التطبيق الصحيح لحكم القانون، على أن تتناسب هذه الآلية وتلك الضمانات مع طبيعة المنازعة التى تنظرها الجمعية وطبيعة خصومها.
صعوبات الدراسة:
واجهت هذه الدراسة- حتى خروجها إلى النور- عددا ًمن الصعوبات التى كادت أن تعصف بها إلا أنه- وبعون الله - تم تخطيها، ويمكن إجمال أهم هذه الصعوبات فى الآتى: -
أولاً: عدم وجود المؤلفات الكافية والمراجع المتخصصة التى تناولت العمل الاستشارى بوجه عام، واختصاصات الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع، خاصة ما تعلق منها بتطبيق الفقرة (د) من المادة (66) من قانون مجلس الدولة المقررة لاختصاصها بالفصل فى منازعات الجهات الإدارية.
ثانياً: وجود فراغ تشريعى بشأن المسألة المعروضة، بحسبان أن المشرع لم ينظم مسألة المنازعات التى تنظرها الجمعية العمومية، سواء من حيث قبولها أو تداولها أو كيفية الفصل فيها، لذا فقد أثير العديد من الفروض بغية وضع الحلول الملائمة للمشكلات التى يمكن أن يثيرها هذا الفراغ التشريعى، خاصة فى ظل ندرة الأحكام القضائية والفتاوى التى تعرضت لطبيعة اختصاص الجمعية العمومية المقرر بالفقرة (د) من المادة (66) من قانون مجلس الدولة.
ثالثا: لما كانت هذه الدراسة تقوم بغرض رصد حياة المنازعة أمام الجمعية العمومية منذ نشأتها وحتى الفصل فيها برأى ملزم وهى فى ذلك تمر بعدة مراحل، لذا فقد استوجب حسن البحث أن يتم رصد وتحليل كل مرحلة من المراحل بغية استخلاص وتحليل النتائج، وهو ما استدعى أن تكون الدراسة مستفيضة فى بعض الأجزاء، مع استخدام أكثر من منهج بحثى بما يتفق وطبيعة الموضوع الذى يتم تناوله، والزاوية التى يتناول منها.
رابعا: باعتبار أن الاختصاص المقرر للجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بموجب المادة (66/د) من قانون مجلس الدولة هو البديل للاختصاص القضائى المقرر لمحاكم القضاء العادى والقضاء الإدارى على السواء، لذا فقد اشتملت الدراسة على بيان دور الجمعية كجهة للفصل فى المنازعات المدنية، ودورها كجهة للفصل فى المنازعات الإدارية - فى ذات الوقت - بحسب نوع المنازعة التى تعرض عليها، وهو ما كان يثير صعوبات فى نطاق المقارنات خاصة التى كانت تتم على ذات المسألة الواحدة لتوضيح اتجاه القضاء العادى والقضاء الإدارى وموقف الجمعية بشأنها.
خامساً: إن فكرة الإفتاء الملزم هى فى ذاتها فكرة غريبة عن المفاهيم القانونية المتعارف عليها لأنه كيف يكون الرأى استشارياً وملزماً فى ذات الوقت؟ فهي فكرة لم يعرفها القانون المقارن، ولم يقرها سوى المشرع المصرى، وهنا تكمن الصعوبة فى تناول الموضوع وتحديد المفاهيم، ومن ثم تطلبت الدراسة مزيداً من التعمق والاستعانة بالفتاوى والمقارنة بالأحكام للوصول إلى حقيقة الهدف الذى ابتغاه المشرع من وراء هذا النظام، وهو ما ستكشف عنه الدراسة.
خطة البحث:
تعتمد خطة البحث على إبراز حياة المنازعة أمام الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع والمراحل التى تمر بها، وذلك منذ نشأتها وحتى الفصل فيها برأى ملزم، والطعن على هذا الرأى إن كان لذلك محلاً، والمشاكل التى تثور بصدد تنفيذه، وتأصيلاً لذلك تبدأ هذه الدراسة بفصل تمهيدى كمدخل للموضوع يتناول فيه الباحث مجلس الدولة كهيئة استشارية، متعرضا لمفهوم العمل الاستشاري، وأهمية الدور الاستشاري لمجلس الدولة، ثم إلى قسم الفتوى بمجلس الدولة، وكذلك قسم التشريع باعتبار أن دور الأخير في إعداد التشريعات وصياغتها يعد نوع من إبداء الرأي والمشورة، ويختتم ذلك الفصل بدراسة الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع من الناحية الهيكلية والوظيفية باعتبارها تقع على قمة أجهزة الفتيا فى البلاد، وباعتبار أن جوهر هذه الدراسة ينصب على الاختصاص المقرر للجمعية بموجب الفقرة (د) من المادة (66) من قانون مجلس الدولة.
وتقسم الدراسة بعد ذلك إلى قسمين أساسيين: يتناول القسم الأول مسألة انعقاد اختصاص الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بنظر منازعات الجهات الإدارية طبقاً للفقرة (د) من المادة (66) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم (47) لسنة 1972، كما يتناول مسألة قبول المنازعة وكيفية تداولها أمام الجمعية، ومن ثم اقتضى سير البحث تقسيم ذلك القسم إلى بابين يتعرض الأول لمسألة انعقاد اختصاص الجمعية المقرر بالفقرة (د) من المادة (66) من ناحية خصوم المنازعة، ومدى توسع الجمعية فى تحديد مفهوم الخصوم، والجهات التى لم تدخلها الجمعية العمومية فى عداد هذه الخصوم، ومن ناحية موضوع المنازعة من حيث اتجاه الجمعية العمومية فى شأن تحديد ماهية الحقوق التى يمكن أن تكون محلاً للتنازع بين الجهات الإدارية، واتجاهها فى تحديد مفهوم المنازعة التى تنظرها، وكذلك اتجاهها باستبعاد بعض المنازعات من ولايتها.
وتناول الباب الثانى من القسم الأول مسألة قبول المنازعة، متعرضاً لمدى التزام الجمعية العمومية بتطبيق الشروط العامة لقبول الدعوى أمام القضاء على ماتنظره من منازعات، وذلك بالمقارنة بين ما قررته الجمعية فى ذلك الشأن وما هو متبع أمام جهات القضاء العادى والإدارى، كما يتناول ذلك الباب مراحل تداول المنازعة أمام الجمعية العمومية، ودور الخصوم فيها، والسلطات المخوّلة للجمعية فى إدارة حركة النزاع، وما هى القواعد القانونية التى امتنعت الجمعية عن تطبيقها، وكذلك العوارض التى قد تقابل الخصومة أثناء سيرها، وتؤدى إلى وقفها أو انقضائها بغير رأى ملزم فى موضوعها.
أما القسم الثانى من الدراسة فهو الخاص بمرحلة الفصل فى موضوع المنازعة برأى ملزم، وما إذا كان هذا الرأى يقبل الطعن عليه بأية وسيلة من وسائل الطعن من عدمه، بالإضافة لإشكالية تنفيذ ه والصعوبات التى قد تعترض عملية التنفيذ، وعلى ذلك تقسم الدراسة فى ذلك القسم إلى بابين، يتناول الأول كيفية الفصل فى المنازعة من ناحية مسألة الإثبات والأدلة المقبولة للإثبات أمام الجمعية العمومية، ومدى تشابه منهجها مع المنهج القضائى فى هذه المسألة، بالإضافة إلى كيفية تكوين الرأى الملزم وصياغته، والمراحل التى يمر بها حتى يصدر، ومدى تأثره بمنهج الأحكام القضائية، وقد اقتضى سير الدراسة التعرض للطبيعة القانونية لاختصاص الجمعية المقرر بالمادة (66/د) من قانون مجلس الدولة وهل هو اختصاص قضائى ومن ثم فإن ما يصدر عنها يعتبر حكماً بالمعنى الفنى؟ أم أن اختصاصها المقرر بالمادة (66/د) لا زال يقف داخل حدود وظيفتها الإفتائية، ومن ثم فإن ما يصدر عنها من آراء ملزمة لا يخرج عن كونه رأيا استشاريا يجوز مخالفته؟، لذا اقتضى الأمر التعريف بالعمل القضائى، وما قد يتشابه معه كعمل جهات التحكيم، وصولا لبيان الاتجاهات المختلفة فى شأن تحديد طبيعة الرأى الملزم الذى يصدر عن الجمعية العمومية، والتى تشمل الاتجاهات الفقهية والقضائية بالإضافة إلى ماقررته الجمعية العمومية فى هذا الشأن، ورأى الباحث فى هذه المسألة، وتعرض الفصل الأخير من هذا الباب لمسألة مدى تمتع الرأى الملزم للجمعية بحجية الأمر المقضي؟
واحتوى الباب الثانى على مسألتين رئيسيتين، الأولى خاصة بمدى جواز الطعن على الرأى الصادر فى المنازعة، وما هى الوسيلة التى يمكن الطعن بها على هذا الرأى، أما المسالة الثانية فتتعلق بعملية تنفيذ الرأى الملزم الصادر فى المنازعة، وقد تعرض الباحث لهذه المسألة متناولا مفهوم السند التنفيذي، ومدى ضرورة اعتبار رأى الجمعية الملزم سندا تنفيذيا؟، بالإضافة إلى الآليات المقترحة لتنفيذ هذا الرأى، ونظراً لعدم وجود ضمانات تجبر الجهات المتنازعة على التنفيذ فقد اقترح الباحث عدداً من الضمانات التى يرى أن من شأن الأخذ تخفيف هذه الأزمة وإن كان لا يقضى عليها كلية، خاصة وأن الأحكام القضائية ذاتها لا تجد من الضمانات ما يكفى لاحترامها والالتزام بتنفيذها.
ثم تجئ الخاتمة متضمنة خلاصة محتوى البحث، وأهم النتائج المستخلصة منه، وكذلك أهم التوصيات والمقترحات التى انتهى إليها الباحث.
كما قام الباحث بإعداد ملحق للدراسة بقصد تأصيل الدراسة والمساعدة
فى استخلاص النتائج وإبراز التوصيات، وقد تضمن هذا الملحق بيانا
إحصائيا لفتاوى الجمعية العمومية فى مجال الإفتاء العادي والإفتاء
الملزم، وكذلك ما قام قسم التشريع بمراجعته من تشريعات، ليس لاعتباره
جزء من الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع فحسب، بل ولأن وظيفته
فى إبداء الرأي فى التشريعات المعروضة عليه تدخل فى حقيقتها فى
عداد الوظيفة الاستشارية لمجلس الدولة.
منهج الدراسة:
إرتأى الباحث عند إعداد هذه الدراسة ألا يقصر المنهج المتبع فى تناولها على منهج واحد محدد بعينه، بحسبان أن طبيعة الأطروحة المعروضة ذاتها اقتضت الاستعانة بأكثر من منهج بحثى على هدى من أن ذلك سيساعد على إبراز موضوع الدراسة وتوضيح أهدافها، واستخلاص النتائج وتحديد التوصيات المنتهى إليها.
فاعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي - الاستنباطي - La methode deductive والذي يقوم على تطبيق القواعد العامة على الجزئيات وتحليل النصوص والأحكام والفتاوى، والاهتمام بأسباب المشكلة ودراستها والبحث عن وسائل علاجها، وقد إرتأي الباحث مناسبة هذا المنهج لدراسة ورصد المنازعة فى كافة المراحل والأطوار التى تمر بها أى منذ رفع النزاع للجمعية حتى تمام الفصل فيه، لتحليل اتجاهات الجمعية فى كل مرحلة من المراحل التى تمر بها المنازعة والنتائج التى يمكن استخلاصها من هذه الاتجاهات.
كما تمت الاستعانة بالمنهج الاستقرائى La methode inductive باعتبار أنه منهج يعتمد على استقراء الجزئيات ليستدل منها على الحقائق التى تعمم على الكليات، فيبدأ فيه البحث من تحليل الجزئيات للوصول لقاعدة عامة تحكم الموضوع، وتمت الاستعانة به لمعرفة النظام الإجرائى الذى طبقته الجمعية على المنازعات التى تنظرها، وذلك بغية الوصول لقاعدة عامة تحكم مسألة تداول المنازعة أمام الجمعية، كما اعتمد الباحث على هذا المنهج فى استقراء اتجاهات أحكام القضاء والآراء الفقهية لتحديد الطبيعة القانونية لاختصاص الجمعية العمومية المقررة بالفقرة (د) من المادة (66) من قانون مجلس الدولة.
وقد أخذت الدراسة أيضاً بالمنهج المقارن La methode comparative والذى يعتمد على المقارنة بين الأنظمة القانونية المختلفة وبين آلياتها وقد استخدم بصفة خاصة فى مجال المقارنة بين النظام الإجرائى الذى اتبعته الجمعية العمومية فى شأن قبول المنازعة وتداولها والفصل فيها، والنظام الإجرائى المتبع أمام المحاكم المدنية ومحاكم مجلس الدولة، كما استخدم كذلك فى نطاق المقارنة بين مدى فاعلية وسيلة الإفتاء الملزم عن غيرها من الوسائل المقررة لفض المنازعات كالقضاء والتحكيم.
ومن ناحية أخرى اعتمدت الدراسة - وبشكل أساسى - على فتاوى الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع، خاصة الصادرة فى شأن المنازعات، بالإضافة لأحكام المحكمة الإدارية العليا وأحكام المبادئ الصادرة عن محكمة القضاء الإدارى، وكذلك أحكام مجلس الدولة الفرنسى، وأحكام محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا، وذلك لإجراء المقارنة اللازمة التى تبرز ما تهدف إليه الدراسة، لذا لم يستطع الباحث مجانبة الإطالة فى الحواشى فى بعض الأجزاء حيث كان فيها العون للمتن على إيضاح المطلوب وتأصيله.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة