"العــلاقات البريطانيه- الامريكيه 1945-1953 دراسه في العلاقات السياسيه"
نعمـه حسن محمد السيد عين شمس الآداب التاريخ دكتــوراه 2004
"منذ أوائل القرن العشرين أخذت فكرة إمكانية إيجاد علاقة متميزة تجمع بين بريطانيا والولايات المتحدة في الظهور، ثم أخذت هذه الفكرة تنمو وتختمر حتى تبلورت بشكل كبير خلال الحرب العالمية الثانية. ولم يكن التعاون بين الدولتين آنذاك ثمرة لتعاظم خطر قوى المحور فحسب، فقد ساعد على ازدهارها روابط نبعت من اعتبارات أخرى جغرافية وسياسية وثقافية، وهي روابط تفردت بها العلاقة بين الدولتين، ولم يوجد مثيل لها بين قوتين في التاريخ.
فالأمتين تقعان على جانبي محيط واحد فتغسل مياه المحيط الأطلنطي شواطئهما ولهما نفس الأصل العرقي المشترك والتاريخ المتشابه ولهما لغة واحدة وميراث حضاري وتاريخي متشابه، وتربطهما روابط قرابة تعود في قدمها إلى السنوات التي كان فيها الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية مستعمرات بريطانية. وعلى الرغم من أن العلاقات بينهما ظلت طيلة القرن التاسع عشر أبعد عن إمكانية وصفها بعلاقات ودية، فإن فكرة نشوب حرب بين الدولتين كانت خارج نطاق تفكير ساسة البلدين.
وقد أخذت القوة تغلف علاقات الدولتين مع زحف الخطر النازي على أوروبا وبعد أن اكتسحت ألمانيا النازية أمم أوروبا الغربية الواحدة تلو الأخرى، وصمدت بريطانيا وحدها بعد سقوط فرنسا. وقد رأت الولايات المتحدة أن الحرب واقعة لا محالة بينها وبين ألمانيا؛ وأصبح من الأفضل لها أن تستغل بريطانيا كخط دفاع أمامي عن أراضيها، وأن تدعم بريطانيا بكل ما تستطيع ما عدا التورط الفعلي في الحرب. وهنا ظهرت سلسلة من الإجراءات الأمريكية لدعم بريطانيا في صمودها أمام «هتلر» بلغت ذروتها فيما عُرف باسم «قانون الإعارة والتأجير» في مارس 1941.
وعلى الرغم من الهجمات الألمانية المتكررة على بريطانيا فإن ذلك لم يكن هو السبب وراء دخول الولايات المتحدة الحرب؛ بل كانت حادثة «بيرل هاربر» (ديسمبر 1941) هي التي دفعتها إلى ذلك، فإن دخول الولايات المتحدة الحرب مثَّل بارقة أمل لبريطانيا في النجاة من الانهيار، وكان فاتحة خير حيث دخلت الدولتان في أقوى علاقات لهما في تاريخهما الحديث، وتحققت بينهما أقصى درجات التعاون الاقتصادي والعسكري بشكل غير مسبوق في التاريخ بين دولتين مستقلتين؛ حيث أُنشئت هيئة «رؤساء الأركان المشتركة»، و«هيئة الإنتاج والموارد المشتركة»، وهيئات أخرى تختص بشحنات السفن والعتاد الحربي فضلاً عن التبادل القوي للمعلومات الاستخبارية بشأن تحركات قوات المحور والتعاون في مجال الطاقة الذرية.
ولكن عندما بدأت معالم النصر تلوح في الأفق أخذت الخلافات تشوب التحالف الأنجلو- أمريكي بعد أن أدرك البريطانيون ما آل إليه وضعهم من تحول على الساحة الدولية؛ فبعد ما يربو على قرن من السيادة العالمية وجد البريطانيون أنفسهم تابعين لشعب كان من قبل خاضعًا لهم، وأصبحت القرارات المصيرية بحلول عام 1943 تخرج من واشنطن لا من لندن. كل هذا شكَّل جرحًا لكبرياء بريطانيا التي لم تجد مخرجًا منه سوى بإبداء الاستياء تجاه الولايات المتحدة، فظهرت الخلافات بين الدولتين؛ وكان أهمها ينبع من محاولة بريطانيا أن تفرض على الولايات المتحدة علاقة متكافئة، وهو ما رفضته الولايات المتحدة التي قامت على العكس من ذلك باستغلال ضائقة بريطانيا الاقتصادية لتحصل لنفسها على مزايا جمة على حساب القوة البريطانية المتدهورة خاصة فيما يتعلق بهذا الجانب.
وكذلك فقد بدا لبريطانيا سعي الرئيس الأمريكي «روزڤلت»، بعد ما حققه السوڤيت من انتصارات خاصة في «ستالنجراد» (يناير 1943)، إلى الحصول على ثقة السوڤيت ليحقق هدفًا هامًا ألا وهو دخول السوڤيت إلى جانبه في معركة المحيط الهادي. وفي مواجهة ذلك كانت بريطانيا ترى في تعاظم القوة السوفيتية خطرًا عليها خاصة إذا ما انتهت الحرب وعادت الولايات المتحدة إلى عزلتها التقليدية وتركت بريطانيا وحدها في مواجهة السوڤيت. ولكن عبثًا حاولت بريطانيا إقناع الولايات المتحدة بذلك.
وعلى هذا النحو فقد شاب هذه العلاقة تناقضات غريبة وخلافات زاد منها مشاعر الارتياب الأمريكية تجاه الميول الاشتراكية لحكومة العمال البريطانية التي تولت الحكم في يوليو 1945، كذلك استمرار وجود النزعة الاستعمارية البريطانية، كما شعرت الولايات المتحدة أن بريطانيا تسعى إلى استعادة المستعمرات التي استولت عليها اليابان؛ بل سعت كذلك إلى بسط سيطرتها على المستعمرات التي كانت لدول الأعداء، وأحيانًا ما كانت ترغب في تحقيق ذلك عن طريق استغلال القوة الأمريكية ذاتها. وهكذا أخذت العلاقات البريطانية- الأمريكية تتدهور مع نهاية الحرب خاصة مع قرار واشنطن إلغاء العمل بقانون الإعارة والتأجير، والتفكيك السريع للهيئات المشتركة التي أنشئت زمن الحرب. والشروط الثقيلة لاتفاقية القرض الإنجليزي- الأمريكي (ديسمبر 1945) وصدور قانون «مكماهون» عام 1946 الذي قوض الاتفاقيات السابقة والخاصة بالتعاون الأنجلو- أمريكي في فترة ما بعد الحرب في مجال الطاقة الذريـة.
وقد واكب هذا التدهور الذي أصاب علاقات الدولتين صعود نجم الاتحاد السوفيتي وسعيه الحثيث إلى بسط سيطرته على بلدان أوروبا الشرقية ليقيم حول حدوده سياجًا أمنيًا وليضمن سيطرة حكومات شيوعية على مقاليد الأمور في تلك الدول، وهنا ظهرت الحاجة الماسة إلى أن يسمو التعاون فوق الخلافات الحادة وأن يتم إحياء التحالف الأنجلو- أمريكي.
وقد التقت مصالح بريطانيا الخاصة بتعاون الولايات المتحدة معها لمواجهة القوة السوڤيتية المتصاعدة والتي هددت توازن القوى في أوروبا، مع عزم الولايات المتحدة على التصدي للخطر السوڤيتي الذي هدد آمالها التي منت نفسها بها في عالم ما بعد الحرب، والتي تمثلت في اتباع سياسة «الباب المفتوح» وحرية التجارة العالمية، ووجدت في التوغل الشيوعي ما يقوض آمالها تلك. وهكذا وشيئًا فشيئًا أصبحت الولايات المتحدة خليفة بريطانيا في الحفاظ على توازن القوى الأوروبية في مواجهة تصاعد القوة السوڤيتية، وانتهى إليها هذا الدور نهاية سلمية مما أوضح أن المصلحة الأمريكية والبريطانية مصلحة واحدة. ولأن منطق توزيع القوى الدولية قضى- عن قصد أو بدون قصد- بأن تحمل الولايات المتحدة منذ عام 1947 التزامات بريطانيا في العالم وأصبحت بريطانيا فيما بعد هي صاحبة الدور البارز في تنظيم الاستجابة الأوروبية للمشروعات الاقتصادية الأمريكية التي كان هدفها الأول دعم الاقتصاد الأمريكي.
ولم يكن ما سبق يعني انتهاء الخلافات بين الدولتين فقد ظهرت العديد من الخلافات أهمها موقف الولايات المتحدة من مسألة المشاركة البريطانية القوية بل والزعامة البريطانية لمشروعات الوحدة الأوروبية الفيدرالية في مقابل تفضيل بريطانيا لوحدة أطلنطية تجمعها بالولايات المتحدة وكذلك ظهور عدد من نقاط الخلاف بشأن قضايا الشرقين الأقصى والأوسط، التي أكدت عدة أمور هامة :
أولها : أن الخلاف كان نابعًا من نظرة كل منهما لتلك القضايا من وجهة نظر مصالحها القومية.
ثانيها : أن معظم تلك القضايا كانت تُسوى طبقًا لوجهة النظر الأمريكية بينما كان القليل جدًا هو الذي يضع وجهات نظر بريطانيا موضع الاعتبار.
وأخيرًا : فإن الخلافات بينهما لم يكن يُسمح لها بالتأثير سلبيًا على مظهر العلاقة بينهما لأن الولايات المتحدة هي زعيمة المعسكر الغربي الرأسمالي وبريطانيا هي العضو الأبرز في هذا المعسكر وفي النهاية فإن المصلحة كانت متقاربة إن لم تكن واحدة.
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن العلاقات الأنجلو- أمريكية كانت غالبًا ما تتأثر بالمجرى العام للعلاقات الدولية التي كانت تؤثر عليها سلبًا أو إيجابًا. فنجد أن كلاً منهما كانت تنجذب إلى الأخرى عندما يلوح تهديد عام (ألماني أو سوڤيتي)، وعندما تكون قوة كل منهما مكملة للأخرى مما أدى إلى أن يشوب تلك العلاقات تذبذبات شديدة من وقت إلى آخر.
وفي النهاية لم يكن أمام بريطانيا بديل سوى التعاون مع حليفتها الأقوى دائمًا والخضوع في أحيان كثيرة لرغباتها وتوجهاتها، بعد أن انتزعت الولايات المتحدة منها في بداية القرن العشرين سيادتها على البحار ثم احتكرت لنفسها عام 1946 السلاح الذري. وحتى عندما توصلت بريطانيا للقنبلة الذرية عام 1952 سرعان ما ظهر التفوق الأمريكي الساحق في هذا المجال بتوصلها في نفس العام إلى اختراع القنبلة الهيدروجينية الأشد فتكًا. وهنا رأت بريطانيا أن انكسارها بات أمرًا محققًا إذا ما اشتبكت في حرب ما ضد جارتها الأنجلو- سكسونية (الولايات المتحدة) وحاصرتها لأخيرة في جزيرتها، وكذلك الأمر إذا ما اشتبكت بريطانيا في حرب ضد الاتحاد السوڤيتي بمعزل عن الدعم الأمريكي. وهنا سلمت بريطانيا بالأمر الواقع وما ترتب عليه من تقييد لسياستها الخارجية التي أصبحت تفرض عليها، وفي أحيان كثيرة، تجنب التورط في كل ما من شأنه أن يسيء إلى علاقاتها بالولايات المتحدة وأن تتصرف حسب الخطط الموضوعة بينهما على أن يراعى في كل ذلك الصالح البريطاني ويوفق بينه وبين المصالح الأمريكــية."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة