دور الترجمة في حركة الفكر التربوي في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين

نشوى ماهر محمد كرم الله جامعة عين شمس كلية البنات قسم أصول التربية دكتوراه 2005

 

                                                "الترجمة إحدى أهم وسائل التعارف والتواصل بين البشر، وازدهارها دليل على إدراك أبناء لغة ما أن للحكمة والعلم ألسنة أخرى قد تحول إلى سعي نحو امتلاك تلك الحكمة. وهي عملية متعددة الجوانب تستدعي في مستوياتها العليا نقل سياق مجتمعي كامل إلى سياق مجتمعي مغاير. ومن هنا، يتجاوز المترجم دور الناقل إلى دور منسق الحوار بين لغتين أو أكثر باعتبار اللغة ممثلة لحضارتها. وليست فائدة الترجمة أحادية الاتجاه، فالنص المترجم نفسه قد يكتسب معانٍ جديدة لم تكن واضحة في نصه الأصلي.

                وتتسع عملية الترجمة لتشمل ثلاثة أبعاد متداخلة: معرفي يرتبط بالمحتوى، ولغوي يرتبط بمرحلة النقل من لسان لآخر، وتأصيلي يقوم على تجاوز دور النقل إلى الرؤية الفوقية التي تتمثل في إثراء النص المترجم بداية من مرحلة الاختيار حتى إخراج الكتاب بالفائدة المرجوة من جهد الترجمة، أي مخاطبة الحاجات المعرفية أو الثقافية عموما لأبناء اللغة المترجم إليها.

                إن نظرة تاريخية على حركة الترجمة في مصر، منذ عصر محمد علي، تدلنا على أن نصيب التربية منها ضئيل. وربما كما أحد أسباب ذلك أن علم التربية كان من التخصصات المستحدثة مما أخر ظهور المؤلفات والمترجمات التربوية جميعاً. وربما كان إنشاء معهد التربية عام (1929) إشارة للاهتمام بكتب التربية والفكر التربوي الإنجليزي الذي تبناه أعضاء البعثات التي أوفدت إلى انجلترا في ذلك الوقت، بيد أن هذا التوجه قد غير مساره إلى الفكر الأمريكي، على يد أعضاء البعثات التربوية الأولى إلى الولايات المتحدة. وأعضاء هذه البعثات يمثلون جزءًا في حلقة الوصل بين نصفي القرن العشرين في ترجمة الفكر التربوي الغربي.

                وينصب اهتمام البحث الحالي على دور الترجمة في حركة الفكر التربوي في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد استدعى ذلك وضع الترجمة في سياقها العلمي، تعريفا لها وتحديدًا لموقعها بين الأنشطة الفكرية. ثم إبراز أهميتها للحضارات النامية والمتقدمة على حد سواء. وهذا ما يقوم به الفصل الأول، بالإضافة إلى العرض التفصيلي لقضية البحث وتساؤلاته وأهدافه وأهميته ومنهجه وحدوده وما سبق من دراسات ذات صلة بالموضوع. أما الفصل الثاني فعنوانه: ""الترجمة رؤية تأصيلية""، ويتناول الترجمة وعلاقتها بالسياق الثقافي، وواقع الترجمة ومشكلاتها. وتبرز أهمية مشكلات الترجمة في قلة الجهد الموجه إليها على المستوى النظري حتى في العالم الغربي. وقد يرجع ذلك إلى كون الترجمة من العلوم التي تقع عند تقاطع عدة علوم لم يعتبرها واحد منها موضوع بحثه. ويرسم الفصل خريطة لواقع الترجمة غير المشرق في مصر ويعدد أسباباً، ويقدم تفسيرات لهذا الواقع منها: قلة المترجمين المهتمين، والواقع الاقتصادي وارتباط نهضة الترجمة بالنهضة الشاملة للأمة، ويتطرق الفصل لعوامل أخرى مثل: اتفاقية ""الجات"" وحقوق المؤلف، ثم يناقش موقف الترجمة بين مخاوف التبعية ودعوات التفاعل. أما الفصل الثالث فبعنوان ""الترجمة والنهضة: رؤية تاريخية"". وهو يتتبع نشأة حركة الترجمة إلى العربية منذ بواكيرها حتى منتصف القرن العشرين فيعرض لملامحها العامة وتطورها، والعوامل المؤثرة فيها، كما يعرض للواقع الثقافي في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، بوصفها الفترة التي نشأت فيها القاعدة الفكرية والمؤسسية التي اضطلعت بالترجمة في فترة الدراسة. ويتتبع الفصل بدايات حركة الترجمة التربوية. والفصل الرابع: ""الترجمة قضية سياسية ثقافية"" يتناول ترجمة الفكر التربوي من (1950 - 1974) في سياق الظروف المجتمعية لهذه الفترة، ومن أهمها التحول السياسي لمصر مع ثورة يوليو (1952)، وتغيّر علاقاتها بالولايات المتحدة والكتلة الشرقية، وآثار ذلك على المناخ الثقافي بوجه عام، والتربوي بوجه خاص."


انشء في: خميس 12 يوليو 2012 10:21
Category:
مشاركة عبر