دور السياسات الاستثمارية في تحقيق التنمية البشرية في اليمن خلال الفترة (1986 - 2005
لطيفـة إسماعيـل قـاسـم الثـور الإسكندريــة التجـــارة الاقتصـاد دكتوراه 2006
"ملخص الرسالة
ــــــــــــ
أولاً : موضوع وأهمية الدراسة :
يعتبر الاستثمار في تكوين رأس المال البشرى المفتاح النموذجي للتنمية الأكثر قابلية للاستدامة ، نظراً لأن البشر هم الثروة الحقيقية لأي أمة . لذا فإن قدرات أي أمة تكمن فيما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على التكيف والتعامل مع أي جديد بكفاءة وفاعلية . أيضاً لا تنتهي التنمية البشرية عند تكوين القدرات البشرية مثل : تحسين الصحة وتطوير المعرفة والمهارات بل تمتد إلى أبعد من ذلك حيث الانتفاع بها سواء في مجال العمل من خلال توفر فرص الإبداع أو التمتع بوقت الفراغ ، أو الاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان ، أو المساهمة الفاعلة في النشاطات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية .
ونظراً لكل ذلك أصبحت التنمية البشرية توجهاً إنسانياً للتنمية الشاملة المتكاملة وليست مجرد تنمية موارد بشرية .
وبالتالي فقد جاء مفهوم التنمية البشرية على النحو السابق أكثر اتساعاً وشمولاً عن تلك المفاهيم التنموية التي كانت سائدة أعقاب الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عقد الثمانينيات والتي كانت تستند على أن التنمية تقتصر على كمية ما يحصل عليه الفرد من سلع وخدمات مادية . إذ كلما استطاع الفرد أن يحصل على المزيد من تلك السلع والخدمات كلما ارتفع مستوى معيشته وبالتالي زادت رفاهيته وهنا تتحقق التنمية . إلا أنه مع اتساع مفهوم التنمية ليشمل غايات وأهداف أخرى إضافة إلى الأهداف الاقتصادية أصبحت التنمية ترتبط بجودة حياة البشر وليس حياتهم فحسب مثل : العيش حياة طويلة يتمتع فيها الفرد بالصحة والقدرة على الإبداع والتمتع بمستوى معيشي لائق ، وبالحرية والكرامة واحترام الآخرين والمساواة بين الجنسين ، والأمن البشرى ليس من منطلق مفهومه التقليدي الذي ينصب على حماية المصالح القومية من العدوان الخارجي ، بل من خلال مفهوم أكثر شمولاً يتضمن مجالات جديدة أخرى للأمن منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والشخصي والصحي والبيئي والغذائي .
وبناء على ما سبق ، نجد أن تحقيق التنمية البشرية في اليمن من خلال تبنى سياسات استثمارية ملائمة أصبح من أولويات التنمية الشاملة والمستدامة ، ومن هنا تبرز أهمية الدراسة .
وبالإضافة إلى ذلك تكمن أهمية دراسة السياسات الاستثمارية من زاوية الأنفاق الاستثماري الحكومي من أن الأنفاق الأستثمارى الحكومي يعتبر أداه رئيسية لتحقيق أهداف المجتمع الأقتصادية والاجتماعية ، إضافة إلى أن الإلمام بتطور الأنفاق الاستثماري الحكومي واتجاهاته الرئيسية لأوجه الأنفاق تفضي إلى الكشف عن إستراتيجية التنمية في اليمن ، وإلى طبيعة السياسات الاستثمارية وإبعادها الأقتصادية والاجتماعية ، وما قد يستلزم هذا من أعادة ترتيب بنود هذا الأنفاق قطاعياً ومشروعياً وإقليميا بهدف الوصول بالاقتصاد الوطني إلى مرحلة متقدمة من النمو الاقتصادي والتنمية البشرية الصحيحة والجادة .
كذلك تكون أهمية الدراسة من كونها من الموضوعات الهامة والجديدة المطروحة على الساحة الدولية والإقليمية ، ذلك لأن تحقيق التنمية البشرية أصبح مطلباً ضرورياً وأصبح من أولويات التنمية الشاملة والمستدامة . وذلك بعد أن أثبتت التجارب التنموية فشل سياسيات التنمية القائمة على التركيز الشديد على هدف النمو الاقتصادي كهدف وحيد للقضاء على الفقر في بعض الدول النامية .
وأخيراً تكمن أهمية الدراسة في كونها دراسة أكاديمية متخصصة تعزز الدور الهام الذي يمكن أن تسهم به السياسات الاستثمارية في تحقيق التنمية البشرية في اليمن .
وسوف تتضح أهمية الدراسة بصورة أكبر عند التوصل إلى نتائج بشأن دور السياسات الاستثمارية في تحقيق التنمية البشرية ، وما يمكن التوصل أليه من توصيات هامة قد تساعد في حال أخذها بعين الاعتبار في تحقيق التنمية البشرية في اليمن .
ثانياً : نطاق ومشكلة الدراسة :
يعد نطاق الدراسة محدداً بتحليل دور السياسات الاستثمارية في تحقيق التنمية البشرية في اليمن خلال الفترة (1986-2005) ، ويتضمن ذلك دراسة وتحليل أهم معوقات السياسات الاستثمارية في اليمن ، مع وضع تصور مستقبلي لتلك السياسات .
أما مشكلة البحث فتتمثل فيما تعانيه اليمن إلى جانب المشكلات الاقتصادية الحادة من تدنى الأوضاع الاجتماعية ، وليس بخفي أن المشكلة ترجع في أسبابها الأصلية إلى وجود أختلالات جوهرية في السياسة الأنفاقية ، حيث تتسم بعدم التوازن وكذلك عدم الكفاءة الاقتصادية مما أدى إلى عدم فاعليتها في تحقيق التنمية بشكل عام والتنمية البشرية بشكل خاص .
ويمكن أن ينظر إلى مشكلة البحث من زاوية أخرى في شكل تساؤل مباشر ذي طبيعة بحثية أيضاً على النحو التالي :
هل السياسات الاستثمارية المتبعة حالياً في اليمن تساعد على تحقيق أهداف التنمية البشرية عملياً ؟ وإذا كان هناك قصور في تلك السياسات ، كيف يكون التعديل المقترح فيها ؟ أم أن هناك تصور يستدعى استكمالها أو استبدالها بسياسات جديدة ... وما هي ؟
من وجهة أخرى ما هي الصعوبات التي سوف تواجه تنفيذ السياسات الاستثمارية المقترحة والتي يمكن أن تعوق أو تحد من فرص تحقيق التنمية البشرية في اليمن ؟
ثالثاً: منهج وهدف الدراسة :
سوف نتبع في هذه الدراسة أسلوب البحث الاقتصادي والتحليل الإحصائي القياسي ، وهذا يرجع لكون الدراسة تحليلية قياسية يمتزج فيها الجانب النظري بالجانب القياسي التطبيقي .
والمصادر الرئيسية للمعلومات التي يعتمد عليها البحث تتمثل في الخطط الخمسية التنموية للبلاد ، وتقارير البنك المركزي السنوية والإحصاءات الرسمية لسنوات الدراسة ، وتقارير التنمية البشرية في اليمن لسنوات مختلفة . بالإضافة إلى تقارير البنك الدولي عن التنمية في العالم وكذلك تقارير UNDP عن التنمية البشرية في العالم ، بالإضافة إلى الدراسات السابقة في هذا المجال .
إلا أنه ينبغي فحص المعلومات المتاحة من خلال عرضها على النظرية الاقتصادية حتى يمكن تأصيلها .
وتهدف الدراسة – كما هو موضح من عنوانها – إلى إبراز دور وأهمية السياسات الاستثمارية في تحقيق أهداف التنمية البشرية في اليمن ، وذلك من خلال :
1- عرض وتحليل السياسات الاستثمارية الحالية ، وتحليل انعكاساتها على التنمية البشرية ومدى تحقيقها لأهدافها في إطار أهداف التنمية البشرية
2- تحديد المعوقات التي تعوق السياسات الاستثمارية عن تحقيقها لأهدافها ، مع تقديم بعض المقترحات التي قد تعمل وتساعد على تفعيل دور السياسات الاستثمارية في تحقيق أهداف التنمية البشرية .
3- وضع تصور نهائي عن السياسات الاستثمارية الملائمة مستقبلاً وكيفية تضافرها والآثار المتوقعة من تنفيذها .
4- التوصل إلى مجموعة من النتائج الهامة وما قد يترتب على تلك النتائج من توصيات قد تسهم إذا أخذت بعين الاعتبار في تحقيق التنمية البشرية المستديمة في اليمن .
وسعياً لتحقيق هذه الأهداف تسير خطة البحث على النحو الآتي :
يتم تقسيم الدراسة إلى ثمانية فصول يخصص الفصل الأول لتحليل الملامح الرئيسية لتطور الاقتصاد اليمنى خلال فترة الدراسة ومن ثم الكشف عن مدى قدرة البلاد وإمكانياتها على تجاوز الظروف الصعبة التي شكلت ولازالت تشكل تحدياً كبيراً أمام عملية التنمية .
ويتناول الفصل الثاني التعريف بالتنمية البشرية وأهدافها وكذلك توضيح الفرق بين المفاهيم المختلفة مثل مفهوم التنمية الاقتصادية ومفهوم رأس المال البشرى وأخيراً مفهوم التنمية البشرية وأهدافها وكيفية قياسها بالمقارنة بالمفاهيم التقليدية للتنمية الاقتصادية ، مع التركيز على بعض الانتقادات التي وجهت إلى دليل التنمية البشرية كمقياس أو مؤشر مركب يعكس الأوضاع الحالية للتنمية البشرية في مجالاتها الثلاثة الرئيسية الدخل والصحة والتعليم .
أما الفصل الثالث فيتناول بالدراسة والتحليل واقع التنمية البشرية في اليمن في مجالاتها الرئيسية والممثلة في الدخل والصحة والتعليم ، مع تحديد موقع اليمن الدولي في مجال التنمية البشرية وكذلك تصنيفها وفق معيار دليل التنمية البشرية .
بينما يخصص الفصل الرابع للتعرف على مفهوم السياسات الاستثمارية وتطورها في اليمن خلال فترة الدراسة ، واثر تلك السياسات على معدلات نمو الدخل في التنمية البشرية .
أما الفصل الخامس من هذه الدراسة فيخصص لتقويم السياسات الاستثمارية المتبعة في اليمن من حيث الحجم والتوزيع والكفاءة ، وذلك بهدف الإلمام بمدى ملائمة تلك السياسات بأهداف التنمية البشرية في اليمن .
أما الفصل السادس من هذه الدراسة فيخصص لدراسة وتحليل أهم التحديات والمعوقات التي قد تقف حجر عثرة أمام تحقيق السياسات الاستثمارية لأهدافها في إطار أهداف التنمية البشرية . وذلك بهدف تسليط الضوء على تلك المعوقات ومن ثم محاولة التغلب عليها مستقبلاً بقدر الإمكان .
هذا وقد تم تخصيص الفصل السابع لوضع تصور مستقبلي للتنمية البشرية في اليمن وذلك في إطار نموذج مقترح للسياسات الاستثمارية الملائمة لأهداف التنمية البشرية .
أما الفصل الثامن والأخير من هذه الدراسة فسوف يخصص للنتائج التي سوف تتوصل إليها الدراسة والتوصيات المتعلقة بذلك .
رابعاً : نتائج الدراسة:-
خلصت الدراسة إلي العديد من النتائج أهمها :-
1- أن الوضع في اليمن يتمثل في اقتصاد يسيطر عليه بشكل متنامي قطاع الخدمات والنفط في ظل محدودية دور الصناعة التحويلية غير النفطية والتي تنمو ببطء ، بينما قطاع الزراعة الذي يعيش عليه حوالي نصف السكان يتصف بالجمود .
2- أوضحت الدراسة بأن مشكلة الفقر في اليمن ارتبطت برباط وثيق مع ضعف الأداء الاقتصادي والصدمات الخارجية والداخلية التي تعرض لها الاقتصاد الوطنـي وخاصـة
خلال النصف الأول من التسعينيات والذي أنعكس بصفة عامة في مجموعة الصعوبات الأقتصادية من عجز الموازنة العامة وعجز ميزان المدفوعات والضغوط التضخمية وتدهور احتياطيات النقد الأجنبي وسعر العملة الوطنية ، فضلاً عن الأخلالات الإدارية والتنظيمية .
3- أن استراتيجيه التنمية التي أتبعتها اليمن خلال العقود الماضية سواء في المجال العملي أم الفكري لا تكاد تخرج عن أطار السياسات الأقتصادية المستنبطة من نظريات التنمية والتي أفرزها الفكر الأقتصادى ، وبصورة خاصة الفكر الرأسمالي . وقد فشلت إستراتيجية المحاكاة لهذه السياسات التنموية من قبل اليمن في تحقيق ما وعدت به . حيث أن الافتراضات التي قامت عليها تلك السياسات قد وضعت بما يتناسب مع حال زمان ومكان الدول المتقدمة ومن ثم علي اليمن أن تبحث عن منهج بديل يؤدي إلى تحقيق التنمية الشاملة في المجتمع ، ويأخذ في الاعتبار واقع وإمكانيات المجتمع اليمني .
4- بينت الدراسة أنه على الرغم من أن النمو الأقتصادى ضروري لتحقيق التنمية البشرية إلا أنه ليعد كافياً ، ويرجع السبب في ذلك إلى أن معدلات النمو الأقتصادى لا تترجم تلقائياً إلي مستويات مرتفعة من التنمية البشرية ، بدليل وجود دول يرتفع فيها دخل الفرد في ظل مؤشرات تنمية بشرية منخفضة . كما أوضحت الدراسة أن النمو الاقتصادي إذا كان له أن يثري التنمية البشرية فأنه لا بد أن يكون نمواً مولداً للعمالة ونمواً يساهم في تحقيق التكافؤ بين الفئات المختلفة ، وبين المناطق المختلفة ، وبين الجنسين . حيث يعتبر التكافؤ ركن أساسي من أركان التنمية البشرية .
5- بالرغم من تغير مفهوم التنمية منذ مطلع التسعينيات من مفهوم يركز علي هدف تحقيق النمو الاقتصادي فحسب إلي مفهوم أوسع وأشمل ، حيث باتت تعني النهوض والارتقاء بالإنسان مادياً وفكرياً وصحياً ونفسياً وأعداده علي نحو يتاح له فرصاً أفضل في الحياة ومشاركة أوسع في المجتمع وقدرة أكبر علي استثمار قدراته وتعزيز خيارته العملية والحياتية ، ألا أن هذا المفهوم يظل عاماً ونسبياً مما يصعب تحديده بدقة ، ويسهل الانحراف عنه في ظل أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية غير كفؤه .
6- بينت الدراسة أن المؤشرات التي استخدامها مقياس التنمية البشرية (دليل التنمية البشرية) لم يعبر بصورة مرضية عن الأبعاد الثلاثة التي ركز عليها الدليل ، خاصة فيما يتعلق بالجانب النوعي ، فضلاً عن عدم أشتمالة على العديد من الأبعاد ذات الأهمية البالغة بالنسبة للتنمية البشرية مثل الثقافة ، الأدمان ، البطالة ، المشاركة ، الحرية ، احترام حقوق الإنسان ، الأمن البشري ... الخ .
7- توصلت الدراسة إلي أن المؤشر المركب للتنمية البشرية مقياس مضلل شأنه شأن المؤشر التقليدي ( نصيب الفرد من الناتج القومي الأجمالى ) .حيث أن هذا المؤشر المركب يعطينا فكرة عن البشر كمستفيدين من التنمية ولكنه لا يعطينا فكرة واضحة عن هؤلاء البشر كصناع فعليين للتنمية ، فمستوي التعليم مثلاً ( أو الصحة ) إذا كان مرتفعاً لا يعنى أن التنمية قد أصبحت حتماً من صنع البشر فقد تكون جميع التقنيات وأسباب الرفاه مستوردة .
8- أوضحت الدراسة كذلك أن مقياس التنمية البشرية ليس له دلالة كبيرة بالنسبة للدول العربية ، حيث أنه يضع بعض الدول النفطية الخليجية ضمن مجموعة الدول الأكثر تقدماً في التنمية البشرية بينما يضع دولاً أخرى في المجموعة المتوسطة والدنيا ، ومن المعروف أن السبب الأساسي لهذا الترتيب الدخل النفطي ( الدخل الريعى ) ، وليس بسبب أن تلك الدول أكثر تقدماً وحضارة وتمتعاً بحقوق الإنسان .
9- أنه بخصوص الوضع النسبي للتنمية البشرية في اليمن على المستوى الدولي ، أفصح تحليل البيانات المتاحة عن أن ترتيب اليمن عبر التقارير الدولية المتتابعة منذ عام 1990 وحتى الآن يوضح بجلاء الوضع النسبي المتأخر لليمن بين دول العالم ، وقد انطبقت نفس هذه النتيجة على وضع اليمن داخل مجموعة البلدان العربية عبر الفترة المشار أليها أيضاً . وتفسيراً لذلك الوضع أوضحت الدراسة أن ثمة سبباً رئيسياً لذلك تمثل في انخفاض حجم الأنفاق الأستثمارى الحكومي على الخدمات الاجتماعية الأساسية
وأتسام برامــج تحسـين الخدمات الاجتماعية بالجزئية وعدم الشمول ، الأمر الذي يعني الافتقار لمنهج أو سياسة استثمارية شاملة وواضحة ، هذا فضلاً عن الافتقار لنظام لتحديد الأهداف يجعل الناس هم محور التنمية .
10- أوضحت الدراسة أن اختلال أولويات الأنفاق الاستثماري يفسر تباطؤ النمو الاقتصادي
والتنمية البشرية علي حد سواء ، حيث يبين تحليل الاتجاه العام لأجمالي الأنفاق
الأسثماري الحكومي أن السياسة الاستثمارية تتسم بعدم التوازن والتحيز الواضح في
غير صالح القطاعات الإنتاجية السلعية غير النفطية ، وفى غير صالح قطاع الخدمات
الاجتماعية حيث تمثل تلك القطاعات رغم أهميتها أضعف الحلقات في هيكل الاستثمار
الحكومي خلال فترة الدراسة .
11- أوضحت الدراسة أن هناك تحيز واضح في توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية لصالح الحضر ، وأن سوء تخصيص الاستثمارات بين المحافظات ، وعدم قيام هذا التخصيص على معايير واضحة وسليمة هو أحد أهم الأسباب التي أبقت على التفاوتات الإقليمية بل وزادت من حدتها أيضاً .
12- بينت نتائج تقدير معدل الأنفاق الاستثماري الحكومي في اليمن أن معدل نمو الأنفاق الاستثماري الحكومي قد بلغ نحو 24% خلال فترة الدراسة ، وأنه وبالرغم من أن ذلك المعدل يعتبر كبير نسبياً ألا أنه لم يقابل ذلك الارتفاع زيادة مماثلة في كمية السلع والخدمات المستخدمة في إشباع الحاجات العامة . وتفسيراً لذلك الوضع أشار البحث إلي أن السبب الرئيسي في ذلك يرجع إلي أن الزيادة في الأنفاق الاستثماري الحكومي ترجع في معظمها إلي أسباب ظاهرية غير حقيقية ومن أهمها : التضخم ، وتدهور سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية الآخري ، الأمر الذي ترتب عليه تضخم الرقم الحسابي للأنفاق الاستثماري الحكومي دون أن يقابله زيادة في المنفعة المترتبة عليه .
13- أوضحت نتائج التحليل القياسي الخاصة بأثر الأنفاق الاستثماري الحكومي علي النمو معبراً عنه بمتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الدراسة أن ثمة علاقة قوية وموجبة سواء في الأجل القصير أو الأجل الطويل بين الأنفاق الاستثماري الحكومي ومتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي . لكن وبالرغم من ذلك تشير التقديرات إلي تواضع وتباطؤ تأثير الأنفاق الأستثمارى الحكومي علي متوسط نصيب
الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ، وتفسيراً لذلك الوضع بينت الدراسة أن إغفال السياسات الاستثمارية وأهمالها لتطوير الأنشطة الأقتصادية الإنتاجية الهامة في الاقتصاد اليمني يعد أحد العوامل الهامة لذلك .
14- أوضحت نتائج القياس الكمي باستخدام الانحدار المتعدد التام لأثر الأنفاق الاستثماري الحكومي على متغيرات التنمية البشرية الأساسية معبراً عنها في قيمة دليل التنمية البشرية أن هناك علاقة ارتباط قوية بين الأنفاق الأسثماري الحكومي على التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي وبين التغيرات في قيمة دليل التنمية البشرية ، وهذا متوافق مع التحليل النظري الاقتصادي وفقاً لافتراضات النموذج .
15- كذلك خلصت الدراسة إلي أن السياسات الاستثمارية التي أتبعتها اليمن خلال فترة الدراسة لم تكن ملائمة لأهداف التنمية البشرية ولم تكن أصلاً موجهة لتحقيق التنمية البشرية فبالإضافة إلى تضاؤل نصيب القطاعات الاجتماعية الأساسية من اجمالى الاستثمارات العامة ، نجد أن السياسات الاستثمارية قد ركزت بصفة أساسية على المشروعات الاستثمارية ذات الكثافة الرأسمالية مما أدى إلى تواضع مساهمة تلك السياسة في خلق فرص العمل والحد من مشكلة البطالة . وما زاد الأمر سوءاً إهمال السياسات الاستثمارية لقضايا التدريب والتأهيل ، والتغلب على مشكلة نقص المهارات والخبرات الفنية والإدارية اليمنية عن طريق الاستعاضة عن العمالة اليمنية بأخرى وافدة .
16- أوضحت الدراسة إلي أن نقص التمويل اللازم للتنمية لا يمثل عقبة وحيدة أمام تحقيق السياسات الاستثمارية لأهدافها ، وأنما هناك معوقات أخرى لا تقل أهمية عن المعوقات
التمويلية ، وهي المعوقات الإدارية والفنية وكذلك المعوقات الاجتماعية والتي تشكل قيداً رئيسياً أمام تحقيق السياسات الاستثمارية لأهدافها حتى وأن توافر التمويل اللازم ، وذلك نظراً لما تمثله تلك المعوقات من هدر وسوء تخصيص ومقاومة للتغيير .
17- كما أوضحت الدراسة بأن السياسات الاستثمارية الملائمة لتحقيق أهداف التنمية البشرية في اليمن هي تلك التي تهدف إلي أحداث تغيير ملموس في الهيكل الإنتاجي باتجاه المجالات الإنتاجية المولدة للدخل ولفرص العمل ، مع التركيز علي القطاعات المرتبطة بالتخفيف من الفقر وتنفيذ المشاريع التي تستهدف المحرومين على أرض الواقع وخاصة في الريف ، ذلك من ناحية ومن ناحية أخرى تقوم على التخصيص الأمثل لصالح القطاعات الاجتماعية وبما يؤدي إلي رفع نسبة تغطية الخدمات الاجتماعية لتشمل جميع محافظات اليمن .
خامساً : توصيـات الدراسة :-
إزاء النتائج السابقة يمكن الإشارة إلى بعض التوصيات العامة علي النحو الآتي :-
1- قدمت الدراسة فى ثناياها عند وضع نموذج للسياسات الأستثمارية الملائمة بعض التصورات والمقترحات المتعلقة بالوسائل والأساليب اللازمة لتحقيق التنمية البشرية فى اليمن . وتوصى الدراسة هنا بأهمية الأخذ بتلك التصورات والمقترحات بعين الأعتبار .
2- زيادة الأنفاق الاستثماري التنموي وبشكل متواصل مع التركيز على القطاعات المرتبطة بالتخفيف من الفقر لتحسين معيشة السكان وخاصة في الريف وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية لهم .
3- اختيار التقنيات المناسبة والتوعية بالتقنيات البسيطة ، حيث أن الاختيار الصحيح والمناسب للأساليب التقنية لتنفيذ مشروعات التنمية البشرية أمر في غاية الأهمية لتحقيق أهدافها وذلك في ظروف الندرة الشديدة للموارد الرأسمالية . ولا يعنى ذلك أهمال المجالات التى تنطوي عليه أستخدام تكنولوجيا ذات كثافة رأسمالية ، ولكن لابد أن يكون هناك توزان بين المجالين ، ويتطلب ذلك زيادة معدلات الاستثمار السنوية .
4- الاهتمام بالتعليم الأساسي وعلى وجه الخصوص التعليم الأبتدائى نظراً لما تمثله تلك المرحلة من أهمية . فالتعليم الأبتدائى يتيح لمن يتجاوزه الإلمام بالقراءة والكتابة ومبادئ الحساب والثقافة العامة ، وهذا مما يرفع مستوى الحياة البشرية لأفراد المجتمع ويزيد إنتاجيتهم بصفة عامة في جميع المجلات الأقتصادية فيما بعد على مدى الآجل الطويل ، على ألا يتم ذلك الأهتمام على حساب التعليم العالي .
5- ضرورة الأهتمام بقضايا التدريب والتأهيل وربط مخرجات التعليم بسوق العمل عن طريق التوسع في المعاهد التكنولوجية والمعاهد الفنية ومراكز التدريب فاليمن في حاجة ماسة للمهندسين والفنيين أكثر مما تحتاج أليه من خريجي كليات العلوم الاجتماعية والإنسانية ، كما تحتاج للعمالة اليدوية المهارة التي تتمتع بمستوى جيد من التعليم الفني أكثر مما تحتاجه من خريجي الثانوية العامة وخريجي الكليات النظرية .
6- أعادة النظر فى أولويات الأنفاق الأستثماري داخل كل قطاع أجتماعي على حده بحيث يتم وضع أولويات لأهداف كل قطاع ، وذلك في ضوء تقدير ما هو أكثر حاجة وأكثر الحاحاً بدلاً من تشتت الأستثمارات على جبهة عريضة من الأهداف والتي قد لاتشكل أولوية على الأقل في المنظور القريب .
7- ضرورة الأهتمام بالتنمية الريفية ، وتنمية المناطق الفقيرة في المدن والريف على حد سواء ، فمن أكثر التناقضات فى اليمن التفاوت الواضح بين المناطق المختلفة .
8- لقد أصبح مفهوم التنمية البشرية المتوازنة والمستديمة يتضمن بالضرورة صيانة توازن النظام البيئي والذي يتطلب تكامل العوامل البيئية المختلفة بحيث يكون هناك توازن بين نمو السكان وقاعدة الموارد الطبيعية المتاحة . وعليه يتعين على السياسات الاستثمارية التنموية استكشاف مصادر متجددة وإعادة تدوير المصادر القابلة للنضوب على أوسع نطاق ، فضلاً عن المحافظة على البيئة ما أمكن وذلك من خلال تبنى مشروعات استثمارية سواء زراعية أم صناعية صديقة للبيئة .
9- أنه من الضروري تعبئة مصادر مضمونة لتمويل الأنفاق الأجتماعى من خلال أتباع قواعد أساسية لتأمين مصادر قابلة للاستثمار لتمويل التنمية البشرية وبالتالي فإن الاستخدام الأفضل للموارد المتاحة وإعادة ترتيب أولويات الأنفاق الأستثمارى الحكومي ، بالإضافة إلي خلق شراكة فعالة للقطاع الخاص في التنمية الاجتماعية ، ودور فاعل للقطاع الخيري تمثل جميعها مجالات تشكل مصادر مأمونة لتمويل متطلبات التنمية البشرية .
10- أن أصلاح السياسة الاستثمارية من أهم متطلبات التنمية البشرية ، وإصلاح هذه السياسة يجب أن يركز على عدة أمور، أهمها :-
أ- أعادة تخصيص الموارد بين الأنفاق الجاري والأنفاق الأستثمارى في القطاعات الاجتماعية الأساسية . ورغم ارتفاع نصيب الأجور والمرتبات التي يتقاضاها موظفي الجهاز الإداري للدولة عموماً ألا أنها تعتبر متدنية وتعجز عن مواجهة متطلبات المعيشة الكريمة، نتيجة معدلات التضخم العالية وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية وبالتالي تآكل الدخل الحقيقي . ومن ثم فمع التوصية بتخفيض
نصيب الأجور والمرتبات من أجمالي النفقات الجارية ، فأنه ينبغي رفع مستوى الأجور ووضع سلم للأجور يكفل مستوي معيشة كريمة من خلال إلغاء الازدواج الوظيفي والأسماء الوهمية وتوجيه الوفورات لزيادة الأجور .
ب- الأهتمام بدراسة جدوى المشروعات العامة ، نظراً لما تمثله تلك الدراسات من أهمية في اختيار المشروعات التنموية ذات الجدوى الأقتصادية ، فضلاً عن التخصيص الأمثل للموارد .
ج- تطوير أداء أجهزة التخطيط والمتابعة والتقييم المختلفة وذلك من أجل تعزيز القدرة التنفيذية والإشرافية بما يساعد على متابعة ومعالجة المشاكل في حينها .
د- تعزيز التنسيق بين مختلف البرامج والمشروعات الاستثمارية وبين الجهات الحكومية المعنية ، وذلك حتى يتسنى تجنب الازدواج في تنفيذ المشاريع وهدر الموارد .
هـ- بناء أسس علمية وأساليب دقيقة في تقدير النفقات الاستثمارية على نحو يؤدي
إلي تقليل درجة الانحراف بين النفقات المقدرة والنفقات الفعلية سواء تمثل ذلك
في تجاوز النفقات المقدرة أو تحقيق وفورات .
و- تعزيز الطاقة الاستيعابية لمصادر التمويل الخارجي ورفع كفاءة تخصيصها وحسن استغلالها وتوجيها نحو المشاريع التنموية المخصصة لها .
ز- ضرورة زيادة مخصصات الصيانة والترميم والتشغيل في كافة القطاعات الاجتماعية الأساسية ، حيث أن البرامج الطموحة للاستثمارات الجديدة كثيراً ما تنفذ على حساب توفير التمويل الكافي لاستكمال وتجهيز المشروعات التي ما زالت تحت الإنشاء ، أو التمويل اللازم لتشغيل وصيانة المشروعات التي تمت أقامتها ، مما يؤدى إلى تبديد صريح للموارد عندما يظل رأس المال عاطلاً بسبب عدم صلاحية المنشات الاستثمارية أو عدم القدرة على تشغيلها .
سادساً : شكـر وتقدير :-
يسعدني وقد فرغت من أنجاز هذه الدراسة أن أتوجه بجزيل الحمد والشكر إلى الله عز وجل على نعمه التي لا تحصى وعلى كريم فضله وعنايته ، ثم أوجه جزيل شكري وعظيم تقديري إلى الأستاذ الكبير والعالم الجليل الأستاذ الدكتور عبد الرحمن يسرى الذي أشرف على هذه الرسالة وأولاها الرعاية الكاملة منذ الشروع فيها في شكل أفكار مقترحة وخطوط عريضة وحتى الانتهاء من أعدادها على النحو الذي هي عليه الآن ، كما كان له الفضل الكبير بعد الله سبحانه وتعالى في التكوين العلمي للباحثة وعلى مدى سنوات طويلة ، حيث سعدت بأشرافه على رسالة الماجستير من قبل والآن رسالة الدكتوراه . ولقد كان لتوجيهاته القيمة ورعايته العملية والإنسانية كل الفضل فيما وصلت إليه من معرفة علمية وأن كانت متواضعة ولا تمثل سوى القدر اليسير واليسير جداً من فيض علمه الغزير .
وأنني إذ أقدر لأستاذي كل الجهود فلا أنسى أن أسجل للتاريخ اعترافا بالجميل .. إذ استفدت من علمه وسعت صدره وتواضعه الكثير، وسيظل فضله عليﱠ كبير ولن أستطيع أن أوفية حقه ما حييت. ولا أملك إلا أن أدعو الله بإخلاص بأن يجزيه عنى خير الجزاء ويشمله دائماً برعايته وأن يمده بعونه وتوفيقه.
كما تقدم الباحثة خالص الشكر والتقدير إلى العالم الجليل الفاضل الأستاذ الدكتور محمد عبد العزيز عجمية والذي كان لي دائماً المرجعية النهائية والفصل الحق في الكثير من مواطن اللبس أو عدم اليقين في قضايا علمية وتنموية عديدة ، ولا أذكر يوماً بأنه تململ أو ضاق من تكراري الدائم وترددي المستمر على مكتبة وكان دائماً يعطيني من وقته وجهده وعلمه مهما كانت مشاغلة .
وتسجل الباحثة خالص الشكر والتقدير للدكتور رمضان محمد مقلد والذي كان لتوجيهاته ورعايته كل الفضل في أنجاز هذا البحث ، فقط أعطاني من وقته ومنحنى من جهده وسعة صدره بما قد لايتحمله غيره .
وحيث سعدت باشتراك الأستاذ الدكتور العشري حسن درويش في لجنه الحكم على الرسالة ، فأنه يسرني أن أقدم له كل الشكر والتقدير والامتنان لتفضله بالموافقة على مناقشة البحث والذي تعتبره الباحثة بحق شرفاً كبيراً لها .
كما أوجه الشكر إلى كل من مد يد العون واسهم بجهد أو فكر أو عمل في أخراج هذه الرسالة وأخص بالذكر جميع أساتذة قسم الاقتصاد بكلية التجارة ، جامعة الإسكندرية .
وأدعو الله عز وجل أن يجزي الجميع عنى خير الجزاء .
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة