دراسة تحليلية لكتابات ابن أبي طي الحلبي في المصادر الإسلامية
شيرين شلبي احمد العشماوي عين شمس البنات التاريخ دكتوراه 2004
ملخص الدراسة:
شهدت فترة العصور الوسطى أزهي عصور الحضارة الإسلامية ، وساعد علي ازدهارها العديد من المقومات التي من أهمها انتشار حركة التأليف في شتى مجالات العلوم والمعارف .
وقد كان لعلم التاريخ مكانة بارزة بين تلك المؤلفات منذ أن بدأ تدوينه في القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي
(1) ، وأثري منذ ذلك الوقت المكتبة الإسلامية بالكثير من المؤلفات التي غلب عليها طابع الموسوعات في منهجها وعدد أجزائها .
كما أسهم كثير من المؤرخين ـ لثقافتهم الواسعة ـ في ازدهار حركة التأليف في العلوم الأخرى ، فامتدت أقلامهم لدراسة علوم الدين ( القرآن والحديث والفقه والتفسير) ، وعلوم اللغة العربية ( الأدب والشعر والبلاغة ) ، وغير ذلك من العلوم ، وتركوا بذلك ميراثا هائلا ، وثروة علمية كبيرة ازدهرت بها المكتبة العربية الإسلامية .
ومع هذا الازدهار الذي شهدته المكتبة الإسلامية ، فقد مرت أيضا ببعض الأزمات التي نالت من تراثها الثقافي ، وفقدت علي أثره الكثير مما تحتويه من نفائس الكتب ، ومن ذلك الغزو الصليبي الذي اجتاح بلاد الشام في أواخر القرن الخامس الهجري ، الحادي عشر الميلادي ، وما قام به من تدمير لبعض المكتبات أثناء استيلائه علي العديد من بلاد الشام ، ومنها تدميره مكتبة مدينة "" طرابلس "" في عام 503 هـ / 1109 م ، والتي كانت تذخر بالكثير من الكتب في شتى مجالات العلوم
(2) كما تعرض أيضا جزء كبير من المكتبة الزاخرة التي خلفتها الخلافة الفاطمية في مصر للتلف والضياع عقب سقوطها في المحرم عام 567 هـ / 1171 م ، وقد أمدنا المؤرخ العماد الأصفهاني بوصف مهم لما صارت إليه المكتبة من إهمال عند زيارته لمصر في عام 572 هـ / 1176
(3) .
وكان أيضا للغزو التتري الذي اجتاح بلاد المشرق الإسلامي وبلاد الشام في النصف الثاني من القرن السابع الهجري ، الثالث عشر الميلادي ، أثر كبير في تخريــب وتدمــير كثير من المدن الإسلامية وما تحتويه من ذخائر ، ومن أهمها مدينتي بغداد وحلب (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيدة إسماعيل كاشف : مصادر التاريخ الإسلامي ، ص 26 .
(2) ابن الفرات : تاريخ الدول والملوك ، م 1 ، ج 1 ، ورقة 38 ـ 39 ( رواية ابن أبي طي ) .
(3) سنا البرق الشامي ، ص 116 ( اختصار البنداري ) .
(4) أبو الفداء : المختصر في أخبار البشر ، ج 3 ، ص 194 ، 201 ؛ النويري : نهاية الأرب في فنون الأدب ، ج 27 ، ص 382 ، 387 .
كما كان تأخر اكتشاف الطباعة من الأسباب التي ساهمت في تلف ونفاد الكثير من تلك المؤلفات ، لأنه مهما بلغ عدد تلك النسخ ، لا يمكن أن يقارن بالعدد الذي وفرته الطباعة في العصر الحديث .
وقد ساهم المنهج الذي اتبعه معظم المؤرخين في جمع مادة كتاباتهم في الحفاظ علي الكثير من تلك النصوص التي فقدت بعد ذلك ، حيث كانوا يعتمدون اعتمادا كبيرا علي كتابات من سبقوهم ، خاصة عند تناولهم الأحداث التي سبقت عصرهم ، وكانوا ينقلون عنهم نقلا كثيرا ، وفي بعض الأحيان كانوا ينقلون عن مؤلفات الذين عاصروهم ، وفي معظم الأحيان كانوا يذكرون اسم المصدر الذي نقلوا عنه ، وأحيانا كان البعض لا يفعل ذلك ، وقد كان النقل مألوفا في العصور الوسطي ، ولا يري المؤرخون في ذلك أدنى حرج ماداموا يذكرون المصدر الذي ينقلون منه (1) .
وهكذا صار البحث بين سطور كثير من المؤلفات التاريخية مجال إحياء الكثير من الكتابات التي فقدت ، وعلي الرغم من الصعوبة البالغة التي سيجدها الباحث عند جمع كتابات أحد هؤلاء المؤرخين ، إلا أن نتيجة هذا البحث سيكون لها قيمة كبيرة لإحيائه لهذا المؤرخ ، ولما وقف عليه من كتاباته ، وسيصبح ذلك فتحا جديدا لمجال الأبحاث التاريخية الحديثة .
ولهذه الأهمية اخترنا لموضوع هذه الدراسة واحد من هؤلاء المؤرخين الذين فقدت معظم مؤلفاتهم ، وهو المؤرخ الشيعي "" يحيى ابن أبي طي الحلبي "" الذي ترك مكتبة هائلة ضمت العديد من المؤلفات في شتي مجالات العلوم الإنسانية ، وعاش في الربع الأخير من القرن السادس الهجري ، الثاني عشر الميلادي ، وحتى منتصف القرن السابع الهجري ، الثالث عشر الميلادي ، وعاصر خلال تلك الفترة الدولة الأيوبية ـ في مصر والشام ـ في أوج قوتها ، فكتب عنها عدة مؤلفات مهمة ، كما سنحت له فرصة لقاء عدد من المعاصرين لآخر عشر سنوات من حكم الخلافة الفاطمية في مصر ، وكتب عنهم أحداثا مهمة .
اعتمد منهج هذه الدراسة ـ فضلا عن جمع ما توافر من كتابات ابن أبي طي ـ علي دراسة تلك الكتابات دارسة تحليلية مقارنة بمؤلفات غيره من المؤرخين ، مع الأخذ في الاعتبار مدي قرب أو بعد أو معاصرة المؤرخ من ابن أبي طي ، لما في ذلك من أهمية في كشف بعض سمات منهج ابن أبي طي ، ومكانته بين أقرانه من المؤرخين .
فأفادنا مقارنة نصوص ابن أبي طي مع المؤرخين السابقين عليه في معرفة مصادره التي استمد منها كتابـاته ، وأتاح لنا ذلك كشـف بعض مصادره ، كمـا لاحـظنا أيضا من خلال تلك المقارنة أن هناك بعض
الروايات انفـــــرد بها ابن أبي طي ، ويرجع ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيدة إسماعيل كاشف : المرجع السابق ، ص50 ـ 51 .
في بعض الأحيان إلي ضياع الأصل الذي نقل منه ، وأضفي حفظ ابن أبي طي لتلك النصوص أهمية لكتاباته ، خاصة ما أورده عن تاريخ بلاد الشام عامة وحلب خاصة .
أما المؤرخون المعاصرون لابن أبي طي ، فقد أفادتنا مقابلة كتاباتهم في الوقوف علي مكانة ابن أبي طي بينهم ، واتضح من خلال ذلك بصمته الخاصة بينهم ، ولهذا اعتمد بعض منهم علي كتاباته ، ومنهم "" ابن العديم "" ( ت 660 هـ / 1262 م ) .
وقد أدرك مكانة ابن أبي طي أيضا بعض المؤرخين اللاحقين به ، وقد صرح بعضهم باعتمادهم عليه ، وهؤلاء كان لهم الفضل الأول ـ بعد الله تعالي ـ في هذه الدراسة لأنهم حفظوا بذلك أجزاء من نصوص كتاباته ، كما أظهرت المقارنة اعتماد آخرين عليه إلا أنهم لم يصرحوا بذلك ، وأفادنا ذلك أيضا في تأكيد مكانة ابن أبي طي ، لأن هؤلاء المؤرخين كانت لهم شهرة كبيرة ، واعتمادهم علي كتابات ابن أبي طي يضعه في نفس مكانتهم ، ومن أهمهم "" المقريزي "" ( ت 845 هـ / 1441 م ) .
ولم تساعدنا الدراسة المقارنة في إحصاء مزايا ابن أبي طي فقط ، وإنما كشفت أيضا بعض عيوبه ، ومنها أنه لم يتحرى الدقة في كتابة بعض الأحداث والتواريخ والأسماء . ومن الجدير بالذكر أن نشير إلي أن كل الأحداث التي جمعناها لابن أبي طي كان المؤرخون قد أوردوها ضمن تسلسل سياق أحداث كتاباتهم ، ولهذا عندما جمعنا هذه القصاصات وجدنا أن كثيرا منها ينقصه إما مقدمة الحدث أو جزء كبير من موضوعه ، ولهذا كان لابد أن نذكر مقدمة مختصرة توضح ما سبق رواية ابن أبي طي من أحداث .
وقد واجهتنا العديد من الصعوبات في جميع مراحل هذه الدراسة ، فبالنسبة لجمع نصوص ابن أبي طي ، ففضلا عن صعوبة جمعها من بين سطور كثير من المؤلفات ، كان علينا أن ندرس أسلوب كل مؤرخ في الفصل بين ما يورده من اقتباسات وكتاباته هو لمعرفة نهاية اقتباسه من ابن أبي طي ، وهناك بعض المؤلفات التي وقفنا أمامها طويلا لدراسة أسلوب كاتبها ، واضطرنا ذلك علي سبيل المثال إلي مقارنة اقتباسات ابن الفرات من ابن الجوزي مع كتاب المنتظم لابن الجوزي ، لنفهم أسلوبه ، وهناك بعض المؤلفات التي لم نتمكن من فهم أسلوب كاتبها ، ولهذا كنا نتوقف عن تكملة الاقتباس عندما يراودنا الشك في نسبته إلي ابن أبي طي ، هذا بالإضافة إلي الصعوبة التي وجدناها أثناء جمع نصوص ابن أبي طي التي وردت في المخطوطات .
كما واجهتنا صعوبة كبيرة بعد ذلك في عرض وكتابة هذه الدراسة ، فقمنا بالعديد من المحاولات للوقوف علي المنهج الذي نعرض من خلاله رؤية ابن أبي طي مقارنة برؤى غيره من المؤرخين ، ثم استقر رأينا علي أن نبدأ بذكر ملخص لما سبق رواية ابن أبي طي من أحداث ، ثم نعرض رأي أهم المؤرخين السابقين والمعاصرين لابن أبي طي ونوضح اتفاقه أو اختلافه معهم ، أو انفراده بذكر بعض الأحداث ، أما بالنسبة للمؤرخين اللاحقين لابن أبي طي الذين ذكروا نفس روايته دون الإشارة إليه ، فوجدنا أن التنويه إلي ذلك في المتن يعرقل من تسلسل الأحداث ، ولهذا اكتفينا بتتبع مدى اتفاقهم معه في حواشي الفصول . كما وقفنا طويلا أمام نصوص كتابات ابن أبي طي وأسلوب عرضها ، وكان أمامنا في ذلك اختياران : إما دراستها دراسة رأسية ، بمعنى عرض نصوص كل كتاب له علي حدة ، وإما ندرسها دراسة أفقية بمعنى تتبع كتابات ابن أبي طي عن العديد من الدول في كل ما وجدناه له من مؤلفات ، وكان يعيب الخيار الأول أن هناك بعض النصوص التي تكررت في أكثر من كتاب له ، ولهذا استقر رأينا علي الخيار الثاني الذي يسمح لنا بتوضيح وجهة نظر ابن أبي طي كاملة ، وقسمنا علي هذا الأساس فصول الدراسة .
وكان من المهم أن نبدأ هذه الدراسة بفصل عن المؤرخ ابن أبي طي ، تناولنا في مقدمته أهم سمات العصر الذي عاش فيه ، ثم عرضنا ترجمة له ذكرنا فيها ما توافر لدينا من معلومات عن الأسرة التي نشأ بها ، ودراسته وشيوخه ، و الأعمال التي قام بها ، وأهم مؤلفاته ، وختمنا هذا الفصل بخلاصة ما توصلنا إليه من خلال دراسة كتاباته عن أهم سمات منهجه في الكتابة التاريخية .
أما بالنسبة لنصوص كتاباته ، فنظرا لأنها تتعلق كلها بأحداث القرن السادس الهجري ، الثاني عشر الميلادي ، في معظم أنحاء العالم الإسلامي ، فقد قسمناها بأسلوب يساعد علي فهم تسلسل الأحداث قدر المستطاع . وقد جعلنا لكتاباته عن حلب موقع الصدارة ، لأهميتها من ناحية ، ومن ناحية أخرى لأنها المكان الذي نشأ فيه ابن أبي طي فخصصنا لذلك الفصل الثاني لدراسة تاريخ حلب السياسي ( 508 ـ 520 هـ / 1114 ـ 1126 م ) والحضاري ، وتناولنا في الفصل الثالث كتاباته عن الدولة الأتابكية في الشام ( 522 ـ 567 هـ / 1128 ـ 1171 م ) ، وعرضنا في الفصل الرابع كتاباته عن الوزارة الفاطمية في مصر ( 556 ـ 567 هـ / 1161 ـ 1171 م ) ، أما الفصل الخامس فقد قمنا فيه بدراسة العلاقة بين الدولة الأتابكية والأسرة الأيوبية (526 ـ 569 هـ / 1131 ـ 1174 م ) من خلال كتابات ابن أبي طي .
وخصصنا الفصلين السادس والسابع لتتبع كتابات ابن أبي طي عن تاريخ الدولة الأيوبية ، فتناولنا في الفصل السادس تاريخها في مصر (568 ـ 579 هـ / 1173 ـ 1183 م ) واليمن ( 569 ـ 578 هـ / 1174 ـ 1182 م ) ، والمغرب ، وفي الفصل السابع تاريخها في بلاد الشام (569 ـ 583 هـ / 1174 ـ 1187 م ؛ 600 هـ / 1203 م ، 609 هـ / 1212 ـ 1213 م ) ، وفي الفصل الثامن عرضنا كتابات ابن أبي طي عن تاريخ الخلافة العباسية ودولة السلاجقة (501 ـ 529 هـ / 1107 ـ 1135 م ) ، أما الفصل التاسع فتناولنا فيه كتابات ابن أبي طي عن تراجم الشيعة .
ثم ختمنا هذه الدراسة بتوضيح أهم النتائج التي توصل إليها البحث عن المؤرخ يحيى ابن أبي طي الحلبي ، وعرض المصادر والمراجع التي أفادتنا في جمع وتحليل كتاباته .
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة