الدرس الصوتي عند رضي الدين الاستراباذي

محسن عادل محروس جامعة عين شمس كلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها ماجستير 2006

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمدك اللهم و أستعين بك وأثنى عليك بما أنت أهله ، تباركت وتعاليت يا أكرم الأكرمين ، أحمدك ربي حمدًا لا يبلغ مدحته القائلون 0

"" الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ""

""سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ""

وأصلي وأسلم على أشرف أنبياء الله ورسله ، سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيد الأولين والآخرين، الذي كان أفصح العرب لسانًا ، وأبينهم نطقًا ، وأعظمهم بيانًا ،وأعلمهم بأسرار العربية، نبي المعجزة الخالدة (القرآن الكريم) ، الذي يقول عنه المولى سبحانه وتعالى : ""وإنه لتنزيل من رب العالمين * نزل به الروح الأمين علي قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين *""

       0000 وبعد

ممالا شك فيه أن لغة الإنسان هي أهم الأسس التي تقوم عليها حياة المجتمعات البشرية المختلفة،وهي التي تحمل ثقافات البشر وحضاراتهم من مجتمع لآخر ، فلولا اللغة ما قامت الحضارات الإنسانية .

أما لغتنا العربية ، فقد كرَّمها الله سبحانه وتعالى ، وخصها بالتشريف من بين اللغات ، فأنزل القرآن الكريم بها  ، هذا الكتاب العظيم ، الذي ظل يحافظ علىاللغة العربية أربعة عشر قرنًا ومازال إلى أن يرث الله الأرض وماعليها .

وليست اللغة في الحقيقة سوى عادات وتقاليد صوتية مكتسبة ، تتوارثــها المجتمعات الإنسانية جيلاً بعد جيل ، وتسلكها في حياتها المعيشية  ، وتؤديها أعضاء الأجهزة النطقية بالسليقة اللغوية،ولهذا نجد أن كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية يتميز بنظام لغوي معين يحقق به وظائف معينة ، ليعبر بها عن أفقه وأفكاره .

كما أنه لا شـك فـي أن البحث في التراث العربي ، ومحاولــة الكشف عن مكنوناته والتعمق في أغواره واجب عربي وإسلامي ، وذلك لنخرج ما أنتجته قرائح علمائنا السابقين ، الذين لا يزال الكثير من مؤلفاتهم مخطوطًا ، لم تصل إليه يد التحقيق بعد ، ولم يكشف النقاب عن مضمونه .

أما ملخص موضوع البحث الماثل بين أيديكم الآن ، فهو يختص بالآراء الصوتية عند "" رضي الدين الاستراباذي "" ، حيث ذكر المؤرخون أن الحياة العلمية في عهده لم تكن مزدهرة ، وأن سوق العلم كانت كاسدة لأن العلماء كانوا متَّـبِعين ، لا مبتدعين ، واقتصروا علي الترديد والتقليد ، فلم يجتهدوا ، ولم يضيفوا إلى العلم جديدًا ؛ لإشفاقهم من أن يذهب التراث اللغوي ضياعًا ، فبادروا إلى تسجيله والحفاظ عليه .

ومن بين كتب هذا التراث كتاب "" شرح الشافية "" للعالم الجيل "" رضي الدين الاستراباذي "" ، وهو من أهم أمهات الكتب التي تتميز بالابتكار والتجديد ، إلا أنه كتاب مختصر ، ويتناول مسائل النحو واللغة في إيجاز يحتاج إلى شيء من الشرح والتعليق ، لكي يُفهم على حقيقته ومضمونه .

ولكن من إنصاف الحق أن نقول إن "" رضي الدين "" ـ مع كونه شارحًا أدلى برأيه في كثير من المسائل ـ له ملاحظات صوتية هي له لا لغيره ، مما يدل قطعًا على رهافة حاسته الصوتية ، وأنه كان لغويًّا بالمعنى الحق ، ولم يكن مجرد راوية ، ولا حاطب ليل يجمع بين الغث والسمين .

ونستطيع أن نقول إن اهتمام علماء اللغة العربية القدامى بالدراسات الصوتية يرجع إلى القرن الثاني للهجرة ،"" فالخليل بن أحمد الفراهيدي "" له فضل السبق إلى هذا العلم ـ علم الأصوات ـ حيث رتبها ترتيبًا معينًا، وذلك وفق مخارج الحروف ، وهنا نلاحظ أن دراسته للأصوات كانت مترتبة على دراسته للمعجم من حيث اهتمامه بالألفاظ وبنيتها ، واختياره طريقة خاصة لتمييز مخارج الحروف .

وبعد ذلك اقتدى به تلميذه ""  سيبويه "" ، فصنَّف الأصوات تصنيفًا يتميز بالدقة في الباب الذي عقده لها ، وهو باب (الإدغام ) ، هذا بالإضافة إلى ما لاحظه وأمعن النظر فيه مرتبطًا بالخصائص الصوتية للألفاظ .

ومن هنا وجَّه كثير من اللغويين اهتمامهم إلى هذا العلم ، غير أنهم لم يتوصلوا إلى مثل ما توصَّل إليه ""الخليل"" و "" سيبويه "" من نتائج .

ومما يلفت النظر أن مفهوم علم الأصوات لم يكن في ذلك الوقت هو مفهومنا في يومنا هذا ، من حيث أنه علم له ما له من خصائص ، إلا أن علم الأصوات عند القدماء ، إنما كان عرضًا لا أصلاً .

*وقد دفعنى إلى اختيار هذا الموضوع عدة أسباب ، وهي :

أولاً : المساهمة في الكشف عن أمهات الكتب في التراث العربي ، والتي يبذل في سبيلها الكثير من الجهد ، ووضع في تصانيفها النفيسة خلاصة قرائح علمائنا السابقين .

ثانيًا : أن "" رضي الدين الاستراباذي "" لم يُدرس الدراسة الكافية ، التي تكشف النقاب عن شخصيته الفذة ، وبخاصة أن رجل له باع طويل في حقل الدراسات اللغوية ، فهو ليس نحويًّا أو مفسرًا عاديًّا ، بل إنه صاحب فكر متميز، وعقلية تحليلية تناقش وترجح ، وتقف عند النصوص بالدراسة .

ثالثًا: محاولة إماطة اللثام عن شخصية ""الاستراباذي"" في مجال الدراسات اللغوية، والكشف عن قريحته في كيفية عرض المادة اللغوية ، وتناول قضايا النحو والصرف ، وذلك لأنها جاءت في هذا الكتاب أكثر عمقًا واتساعًا ومنهجية مما جاء في غيره .

إن باعثي الأساسي علي اختيار "" الاستراباذي "" موضوعًا لدراستي هذه هو محاولتي للتعرف على مدى ما بلغه هذا العالم الجليل في شرحه وتعليقه ، وذلك فيما يختص بالآراء الصوتية عنده ، وأردت أن أعرف ما إذا كان له آراء صوتية خاصة بالإضافة لكونه نحويًّا سرد علل النحو ، وشرح مسائلة .

وقد اخترت في هذا البحث نصوصًا بعينها من شرحه على أنها أمثلة لمنهجه في البحث الصوتي وأمعنت  النظر فيها في محاولة لاستيعاب ما يمكن استنتاجه منها، لنتعرف منهجه في البحث الصوتي 0

وعليه ، فما بين أيدينا بحث ، يهتم بالآراء الصوتية عند ""الاستراباذي"" وليس مجرد حشد لمادة قديمة وحديثة ، ولكنه مزج بين ما ذكره هذا العالم ، وما ذكره المحدثون من علماء الأصوات ، فهو دراسة للقديم والحديث في وقت واحد ، ولم أكتفِ بمجرد النقل عنه ، بل حاولت أن أعقِّب عليها بما يوضح غامضها بالنظر فيما ذكره علماء العربية والقرَّاء من سابقيه ولاحقيه .

ولا شك أن اللغة العربية تتمتع بخصائص نطقية معينة ، ولذا رأيت كباحث وجوب تقسيم مادة هذا البحث إلي أربعة فصول وخاتمة ، يسبقهم التمهيد بالإضافة إلى المقدمة .

*التمهيد :

أما التمهيد فسوف فتناول حياة ودارسة هذا العالم الجليل وإشارة إلى رأى علماء عصره فيه ، كذلك تحدثت فيه عن أهم مؤلفاته ومنهجه في شرح الشافية وشرح الكافية ، ورأى العلماء في هذه الشروح ، ثم اختلاف العلماء حول سنة وفاة هذا العالم .

وبعد التمهيد تتتابع الفصول علي النحو التالي :

 

*الفصل الأول : الصوامت  :

وهذا الفصل يتضمن عدة مباحث هي :

المبحث الأول : الحرف والحركة .

المبحث الثاني : وصف أعضاء النطق .

المبحث الثالث : المخارج الصوتية .

المبحث الرابع : تصنيف الأصوات حسب الصفات .

 

 

 

*الفصل الثاني : الإدغام :

وتحدثت في هذا الفصل عن الإدغام من حيث كونه عادة من عادات النطق العربي وله في الدرس اللغوي مسميات ، منها "" التأثر الرجعي "" ، وحيث تحدثت في هذا عن تعريف الإدغام وأقسامه ، كما ربطت بين أفكار القدماء ودراسات المحدثين ، وتراث العربية في هذا المجال كبير ، كذلك تحدثت عن تأثيرات الحروف بعضها في البعض ، من خلال القوانين الصوتية ، في محاولة لتقديم بعض النفع لعلم اللغة ، تحت مظلة خدمة اللغة كظاهرة إنسانية عامة .

وقد تضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث هي:

المبحث الأول:مفهوم الإدغام0

المبحث الثاني : الإدغام بين الحروف .

المبحث الثالث : أنواع الإدغام .

 

*الفصل الثالث : الإمالة  :

والإمالة ظاهرة منتشرة في اللهجات الحديثة ، وفي هذا الفصل  تحدثت عن ظاهرة الإمالة من منظوره ، من خلال تعريفها وأسبابها وأنواعها ، مع إلقاء الضوء علي الدراسات اللغوية الحديثة ، وجهود علماء اللغة القدامى في هذا المجال ، ثم نتائج دراسة هذه الظاهرة .

وهذا الفصل يقع في أربعة مباحث :

المبحث الأول : مفهوم الإمالة والغرض منها .

المبحث الثاني : أنواع الإمالة .

المبحث الثالث : أسباب الإمالة .

المبحث الرابع : الإمالة وحروف الاستعلاء.

 

*الفصل الرابع : الإبدال والقلب :

وهذا الفصل يشتمل علي مبحثين هما :

المبحث الأول : الإبدال والقلب الصوتي عند"" رضي الدين "".

المبحث الثاني : التفاعل بين أصوات العلة وصوره القياسية .

 

*الخاتمة :

 وقد تناولت الخاتمة عرضًا لأهم النتائج التي توصل إليها البحث ملحقًا بها أثبات المصادر والمراجع .

 

وأخيرًا، أرجو من الله تعالى أن يوفقني للخير ، متوجهًا بشكري وجليل امتناني لكل من ساهم في خروج هذا البحث إلى النور ، والله أسأل أن يجعل عملي هذا عملاً نافعًا خالصًا لوجهه الكريم ."


انشء في: أحد 25 نوفمبر 2012 07:34
Category:
مشاركة عبر