معايير نقد النص الشعري في النقد العربي من القرن الخامس حتى نهاية القرن السابع الهجري

الإسكندرية الآداب اللغة العربية وآدابها الدكتوراه 2007 صابر محمد السيد قطب جويلي

                                                "انطلق هذا البحث من فرض مؤداه أن القرن الخامس والقرنين اللذين تلياه فترة شهدت ثراءً نقدياً واضحاً ، تشكل في إطار من منهجية ، تهدف إلى نوع من  معيارية النقد. وأن هذا الثراء النقدي لم يواكبه ما يكفي من الدراسات السابرة  المترسمة لأبعاد الحركة النقدية وأهم معاييرها في هذه الفترة ؛ بعد أن انصرف جل الباحثين إما إلى القرن الرابع الهجري وأعلامه، أو إلى الدراسة العريضة لتاريخ النقد العربي القديم كله ، مع الإلمام بعدد من قضاياه.

وتغيا البحث أن يملأ هذا الفراغ من ناحيتين:

 أولاً: دراسة حركة النقد وأهم قضاياه في العمق ،من خلال تتبع المعايير النقدية في تلك الفترة، وتنظيمها، وفحصها، والحكم على موضوعيتها من ناحية ، ومدى صلاحيتها للتطبيق عملياً على نصوص متكاملة من ناحية أخرى ، تلمساً لأركان نظرية عربية متكاملة في النقد .

وثانياً: التركيز على "" النص"" سواء النقدي أم الشعري، و قد دفع الباحث إلى هذا يقينه من أن أية محاولة جادة لتعمق دراسة النقد العربي القديم –وما يمكن أن ينبني على هذا فيما بعد من الأسس والمعايير– لابد من أن تدخل إلى عالم النقد من باب النص اللغوي المكتوب لا غيره.

وقاد هذا إلى تقسيم البحث إلى بابين :

الأول: معايير نقد النص الشعري عند المنظرين من النقاد في القرون الخامس والسادس والسابع،وجاء في أربعة فصول:

كان الفصل الأول عن البناء الفني وعناصره : المطلع والتخلص والمقطع ،ثم تطرق إلى وحدة البيت ، وصلة هذه المسألة بالتضمين من ناحية، وبالوحدة في النص الشعري عندالعرب مفهومها وطبيعتها من ناحية أخرى، والتفاوت من ناحية ثالثة ،وما كان من معايير نقدية ذات صلة بهذه التصورات جميعاً ،ثم ألقى الباحث في هذا الفصل الضوء على أمر مهم لم يلق من عناية النقاد ما يستحق ،هو طول القصيدة وعلاقته ببنائها الفني ،وانعكاساته على التناسب والتوازن بصوره المختلفة في النص.

وانطلق الباحث في الفصل الثاني من أن النص الشعري نسيج لغوي ،تصنعه ضفيرة من اللفظ والمعنى . وللمعنى معاييره مفرداً ومركباً، كما أن للفظ معاييره مفرداً ومركباً ، وقد تطرق الفصل لهذا كله بنوع من التفصيل ، وتطرق أيضاً إلى نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني ،كما ركز على رؤية حازم القرطاجني ،فيما يخص المعاني الأول والمعاني الثواني ، مع ربط هذا كله بالمنظومة النقدية التي ارتبطت باللغة.

أما عن الفصل الثالث من الباب الأول ،فكان دراسة لأهم المعايير النقدية للصورة في الفترة محل الدراسة .ولفت الأنظار إلى آثار دراسة الاستعارة في ضوء التشبيه ،كما ركز على الفجوة بين التنظير والتطبيق ،فيما يخص معايير الصورة ، وأسباب هذا ودواعيه. 

ودرس الوضوح والغموض  والمبالغة والأثر  النفسي  في  علاقة  هذا  كله  بالصورة  ، ونوه بالأهمية القصوى للصورة ودورها في النص الشعري،مطالباً بنموذج للتحليل النقدي ينطلق من عمود للصور ،ويستفيد من كلام الجرجاني والقرطاجني بالذات عن المحاكاة والتخييل.

واختتم الباب الأول بفصل عن البنية الإيقاعية :أهميتها وآثارها الفنية في النص الشعري بعناصره المختلفة – لا سيما البناء الفني- وأهم المعاييرالنقدية ،سواء ما ارتبط منها بالموسيقى الخارجية للنص أم ما تعلق بالموسيقى الداخلية له.

وشفع الباحث الباب الأول ببابٍ ثانٍ ،خصصه للتطبيق النقدي، على ثلاثة أصعدة: تطبيقات شراح المختارات الشعرية- ممثلين في شراح ديوان الحماسة- في الفصل الأول ، وشراح الدواوين –التي مثل لها الباحث  بشراح ديواني أبي تمام و المتنبي – في الفصل الثاني ؛إذ الشرح عنده خطوة من خطوات النقد، وحلقة مهمة من حلقاته ، وحاول أن يوازن بين صنيع هؤلاء النقاد التطبيقيين وأولئك النقاد المنظرين الذين شغل بجهودهم في الباب الأول،،وثلث في الفصل الأخير بمحاولات منه لقراءة عدد من النصوص الشعرية القديمة ونقدها،  طموحاً إلى نظرة متكاملة قدر الإمكان لما كان عليه النقد في تلك الفترة على وجه الدقة .

وكان هذان البابان  بين مقدمة وتمهيد ، حاول الباحث فيهما رسم ملامح المنهج الذي ارتضاه ، وحدود  الدراسة . و  الخاتمة  التي يلخص  فيها  ما  كان  من  أمر  البحث ، ويسرد فيها أهم ما وصل إليه فيه من  نتائج، على النحو الآتي:

أولاً:القرون الخامس والسادس والسابع هي الفترة التي شهدت محاولات جادة لصياغة قوانين كلية للنقد والبلاغة، ومعايير موضوعية دقيقة لهما،تتصل بالبنية الداخلية للنص الشعري أو بنيته الخارجية.و مما يميز نقاد فترة البحث، الوعي الممتاز بالتغير اللازم في البناء الفني للنص الشعري بالذات ، سواء ما تحقق منه بالفعل على أيدي الشعراء من متأخري المحدثين ومن المعاصرين لهؤلاء النقاد،أم ما 

لفتوا أنظار الشعراء إلى ضرورة تحقيقه.بما يعكس فهماً عميقاً،وإدراكاً للتغيرات الحضارية في المجتمع العربي آنذاك،بما يقتضي تطويرا للأداء الفني ليواكب هذه التغيرات.

ثانياً: كانت للمحدثين والمتأخرين من الشعراء اليد الطولى ، والمذهب الذى أعجب معظم النقاد-  في القرن الخامس وما يليه-  في بناء القصيدة  والتجديد فيه بصورة غير مسبوقة  ، و لعل لهذا أتت أمثلة بناء القصيدة عندهم من أشعار المحدثين، خاصة أبا  تمام والمتنبى .كما ميز النقاد بين مذهبين في التخلص بالذات: الطفر ، أو الانقطاع ، أو الاقتضاب عند القدماء ، في مقابل الانتقال من غرض إلى غرض بنوع من التدرج والتحيل اللطيف عند المحدثين، وقد مال النقاد إلى مذهب المحدثين ،

وفضلوه صراحة ،وعدوا الانقطاع عيباً ، فكان هذا منهم إنصافاً واضحاً للمحدث، كما كان سيراً بخطى حثيثةٍ في اتجاه وحدة النص الشعري.

لكن هذا المعيار ما هو – فى حقيقته- إلا فرضية نقدية، لاتستند إلى قاعدة قوية موجودة بالفعل فى أشعار الشعراء، وبناءً على هذا إن حُقَّ لنا أن نرصد من خلاله حركة النقد، فلا ينبغى أن يكون له الدور نفسه عند محاولة التحليل النقدى العملى للنصوص الشعرية؛ لأن النادر لايُقاس عليه.

ثالثاً:من المعايير الكلية في النقد العربي القديم ،  أنه لا  يجوز الفصل بين المتلازمين ، ولا الجمع بين المتماثلين.

رابعاً: نزع النقاد القدماء – قبل  القرن  الخامس  الهجري -  في  دراسة العلاقة بين البنية الإيقاعية وبناء القصيدة  نزعاً ليس  بالقوي ؛ فلم يوفوا هذه المسألة  حقها  من العناية ، وإن  لم  تخل كتبهم من إشارات إليها  منبثة  هنا وهناك . واختلفت الحال في فترة الدراسة؛ فبدأت العلاقة  بين  القافية  وبناء القصيدة  تشغل حيزاً  أوسع ، وتلقى اهتماماً  أكبر ، و دراسة أعمق  من  النقاد.

و ليس مجئ القصيدة على وزن معين خالياً من دلالة، وليس اختيار قافية معينة لها بلا تأثير، ولا اختيار أنماط تركيبية مخصوصة فيها فارغاً من المحتوى.والوزن والقافية المختاران يؤديان بالضرورة إلى اختيار تراكيب نحوية معينة،وهذه بدورها لابد لها من مفردات ،تتوافق بمقاطعها وصيغها مع النحو والوزن معاً،وتفرض هذه المفردات ظلالها ،التي تكون مع غيرها البنية الدلالية للنص الشعري.

        والحقيقة الناصعة التي لا يمكن  إغفالها أن النقاد العرب -في فترة هذا البحث لا سيما حازماً القرطاجني (ت 684هـ) في القرن السابع الهجري-قد امتازوا عن سائر النقاد بتلك الدراسة العميقة للعلاقة بين الأوزان والأغراض في الشعر،وبينما وقف من قبلهم –بشكل شبه تام –عند مستوى الوصف الظاهري  للموسيقى الخارجية للنص الشعري،تخطاه نقاد العرب منذ القرن الخامس بوضوح إلى دراسة فاعلية هذا الإطار الموسيقي المتمثل في الوزن والقافية،في تحقيق المعنى.

خامساً: تغير  مفهوم الوضوح والبيان في الصورة في الفترة محل الدراسة ، بحيث أدرك عبد القاهر الجرجاني  في مسألة التشبيه بالذات أبعاداً خرجت به عن الحدود التي ضيقت منه في الثقافة العربية ردحاً من الزمن ؛فبات الوضوح والبيان عند عبد 

القاهر رديفين للرويّة وإعمال الفكر ،ولم يعد من شرط البيان أن تأتي المعاني ساذجة لا تعب فيها ولا صنعة.

سادساً:  ثمة خلط- كانت له آثاره السلبية المختلفة –  من النقاد العرب القدماء ، بين ما ينبغي أن يكون للتشبيه من المعايير ، وما هو أليق بالاستعارة وأنسب لها؛ذلك حين حكموا على الاستعارة وأعينهم لا تفارق التشبيه ، الذي رأوا فيه مستوى قاعدياً وأصلاً ينبغي أن  ترد إليه الاستعارة ،وتفهم في ضوئه، وقاد هذا 

إلى عدد من النتائج المهمة منها أنْ  مجّد النقاد  المقاربة  بين طرفي الصورة على المستوى الرسمي- إن جاز هذا التعبير-واستحسنوا عكسها على المستوى الفني العملي ،وعابوا على أبي تمام خروجه على طريقة العرب في التصوير ،وأكثروا في الوقت عينه من التحليل لأشعاره ،بصورة تعكس ما لهذا الشاعر وأضرابه في نفوسهم من مكانة وإعجاب بما يصنع.

و ربما كان ما أقلق النقاد في تلك الفترة أن الفواصل تذوب بين طرفي الاستعارة ،وربما غمضت العلاقة بينهما ،فلا يبقى أمام كثير من المتلقين إلا الطرف المذكور ،ولعلهم رأوا في هذا خطراً محدقاً إذا ما نقل إلى حيز الدراسات في العقيدة ،لاسيما والفرق المختلفة تهرع إلى لغة العرب،وكل طائفة تحاول  تأييد دعواها.ثم إن الاستعارة خاصة-والمجاز عامة- لهذا السبب من أوسع الأبواب التي تدخل منها الاستخدمات اللغوية الجديدة ميدان اللغة ،ولما كانت الحضارة العربية الإسلامية لغة ""النص""باقتدار ،كان لخوفهم من الاستعارة ،وإصرارهم على إبقائها تحت سلطة التشبيه،كان لهذا ما يبرره؛إذ ربما يكون في الجهر بمطالبة الشعراء بالمباعدة بين طرفي الصورة بوجه عام والاستعارة بوجه خاص،ما يمكن أن يؤدي بمرور الزمن –في تصورهم-إلى تغيير المتعارف عليه في البيان والذوق العربيين ،وربما أدى هذا إلى الخطإ في فهم نصوص الدين ،التي عليها صلاح الدارين.

سابعاً: نزعة الدفاع عن الشاعر ، والرد على مآخذ بعض النقاد عليه،  نزعة واضحة عند شراح الأشعار، في مقابل نزعة تصيد الأخطاء عند النقاد المنظرين ، وهذا من الفروق الواضحة بين الفريقين.وربما يكون هذا منطقياً؛إذ لا يقدم الشارح غالباً على شرح شعر الشاعر إلا مدفوعاً بالإعجاب به،أو اهتمامه بما يثيره هذا الشعر من قضايا. وقد كانت هذه الشروح إلى الإعجاب بالشاعر،والإشادة بشعره،ومحاولة إخراج هذا الشعر للمتلقي في أحسن جلوة ،أقرب بكثير من القدح فيه ،ورصد أخطائه- كما كان يرصدها مؤلفو  كثير من كتب النقد النظري في فترة البحث- بل كانت الشروح أقرب إلى الإشادة بالشاعر حتى من النقد الموضوعي القائم على الموازنة في الدراسة بين ما للشاعر من  الحسنات والسيئات ،والمآثر والهفوات .

وفضلاً عن ذلك فإن النقد  النظري والنقد التطبيقي – نقد الشراح- لم يسيرا في خط واحد ،ولا خطين متوازيين،بل سلك كل منهما سبيلاً غير سبيل الآخر.وبينما كان النقد التنظيري أكثر إخلاصاً للمعايير المنضبطة الصارمة ، والتراث النقدي السابق،     

والصورة المثالية –في نظر النقاد- أو ما ينبغي أن يكون عليه النص الشعري، نري النقد التطبيقي المتمثل في الشروح يعكس نبض الواقع الحي في القرن الخامس وما بعده.

ثامناً:  تخلو شروح الأشعار من مصطلح "" الصورة""، هذا الاسم الجامع لعدد من فنون البيان ، وبهذا فاتت فرصة ثمينة لتطوير مفاهيم أكثر نضجاً واكتمالاً عن هذا الجانب المهم من جوانب النص ،وبالمثل لم يأبه الشراح لما في النصوص التي يشرحونها من الموسيقى ، إلا بالقدر الضئيل المماس للغة البيت أو انتظام القصيدة في الإطار الذي وضعه القدماء للوزن والقافية ، حتى هذا القدر من الاهتمام كان عندهم ضئيلاً مختزلاً، جمد الجهد النقدي التنظيري وأسهم في تراجعه وضموره ، بدلاً من أن يشارك في تطويره.

تاسعاً: مما يلفت الانتباه أن المتنبي استأثر بنصيب الأسد من الشروح،يليه أبو تمام ،أما البحتري فلا يكاد المرء يقع على شرح لديوانه.

 فهل في هذا دليل على  أن الغلبة في النهاية كانت لتيار المعنى؟

يرى الباحث هذا ، ويرده إلى بعد العرب بفترة كافية عن  مرحلة  بداوتهم وشعرهم "" الشفهي"" ،واختلاف الظروف الحضارية ، وما أملاه عليهم اتصالهم بغيرهم من الأمم ،من محاولة استيعاب ذلك الكم الضخم من المعارف والعلوم والمعاني الجديدة ؛فمال الشعراء والمتلقون على السواء –مجاراة لهذا الواقع الثقافي الجديد- إلى العناية بالمعاني ، والغوص وراء كل جديد منها، والاهتمام بها أكثر من "" النغم"" الجميل ، والقول غير المحكك المنظوم على البديهة.

عاشراً : وفيما يخص شعرى أبي تمام والمتنبي بالذات ، طبق الشراح عدداً من المعايير النقدية المرتبطة بمآخذ  النقاد المنظرين على هذين الشعرين ، لكن الشاعرين كانا قد تجاوزا هذه المعايير بكثير ، مما يحوج الناقد المحلل لشعريهما  إلى تفسير واعٍ عميق ، ومنظومة جديدة للنقد والقراءة أكثر نضجاً واكتمالاً ، وأقدر على الغوص في طبقات  النص الشعري؛  للكشف عن علاقاته العميقة .

حادي عشر:  من الواضح أن النقاد العرب الأقدمين عرفوا القراءة تحت أشكال مختلفة ابتداءً من التعليق العابر، والملاحظة الانطباعية الى التحليل المنهجي . وقد ألفينا قراءتهم تستوي في ثلاثة مستويات : المستوى اللغوي، والمستوى النحوي، والمستوى الأسلوبي: بحيث كان الشارح يعمد الى شرح الألفاظ الغريبة.وفك المعاني التي كان يراها مستغلقة في النص المطروح للتحليل ، حتى اذا تم له ذلك جاء إلى  النص المطروح للقراءة

فخرجه تخريجاً نحوياً: مقدراً ومعرباً. وكان مثل هذا التخريج يكمل شرح الألفاظ، ويكشف عن البنية الأسلوبية للنص ، وببعض ذلك يقع التمهيد للمستوى الثالث،  الذي كان  الشارح يعمد فيه  إلى نثر البيت وتلخيصه 

وأخيراً : لابد من فجوة بين الحُلم أو الطموح النقدي ،وما تحقق في الدراسة بالفعل ،  والباحث معترف بعجزه البشري ، طامح – إن شاء الله – إلى ما هو أفضل ، مع اكتمال أدواته النقدية أكثر وأكثر مع الزمن .

وما أحوج هذه الدراسة  إلى أبحاث ودراسات تتعاون  علي تعميق جوانبها ، وتطوير أفكارها ، بعد سد ما بها من خلل و قصور . وعلى الله قصد السبيل . سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت . أستغفرك وأتوب إليك."


انشء في: جمعة 24 فبراير 2012 16:47
Category:
مشاركة عبر