إمكانيات تعظيم معدلات التحوية لتجارة مصر الخارجية

يسرا محمد حسان الجوهري عين شمس التجارة الاقتصاد الماجستير 2006

 

                                                "انتشر نظام النقل بالحاويات كوسيلة لمواجهة الزيادة الكبيرة في تكاليف النقل البحري بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد تكاليف المناولة وارتفاع مستويات الأجور في بلدان العالم المتقدم فكان الاتجاه نحو إحلال رأس المال محل عنصر العمل في عمليات نقل وتداول البضائع في المواني خاصة مع تكدس البضائع وطول فترات انتظار السفن، وكذلك التنميط في عملية النقل والذي اتخذ أولاً شكل البالتات ثم تطور سريعاً إلى صورة أكثر تقدماً هي نظام النقل بالحاويات.

ولقد كان لنظام النقل بالحاويات أثره على تطور السفن وظهور سفن الحاويات المتخصصة ذات الخلايا والتي تجاوزت حمولتها اليوم 8000 حاوية مكافئة. وكذلك تغير وتطور دور المواني البحرية والتي أصبحت صناعة كثيفة رأس المال ومركزاً لخدمات النقل والتجارة والصناعة وحلقة من حلقات النقل المتعدد الوسائط ومركزاً للمعلومات يربط جميع المتعاملين بالميناء مع منظومة النقل الداخلي في شبكة معلومات واحدة وليس مجرد كنقاط لتغيير وسيط النقل.

كما ساهم استخدام الوحدات النمطية خاصة الحاويات والتقدم في فنون عمارة السفن ووسائل الاتصال وثورة نظم المعلومات والطفرة التي حدثت في وسائل وطرق النقل إلى إبراز أهمية النقل المتعدد الوسائط وتعاظم دوره في التجارة الدولية. ولا يعتبر نظام النقل المتعدد الوسائط نظام نقل جديد يضاف إلى الأنظمة أحادية الواسطة التي تنطوي على استخدام وسيط نقل واحد كالنقل البري أو المائي أو الجوي، فالمضاف الجديد ليس هو النقل ذاته وإنما النظام القانوني الذي يحكم ويربط بين تلك الأنظمة الأحادية كلها أو بعضها في عقد واحد هو عقد النقل المتعدد الوسائط وتحت مسئولية شخص واحد هو متعهد النقل المتعدد الوسائط.

ويستند الدور الذي يقوم به النقل المتعدد الوسائط في تحقيق كفاءة نظام النقل وتحديداً في خفض متوسط تكاليف النقل، على دعامتين أساسيتين هما:

o             استخدام الحاويات في النقل: تأتي الحاويات باعتبارها أحد الدعائم الأساسية لتطوير نظام النقل المتعدد الوسائط لما لها من قدرة على التكيف مع مختلف وسائل النقل وما توفره من مزايا في الوقت والتكلفة عند المبادلة بين تلك الوسائل.

o             أن يكون نظام النقل المتعدد الوسائط جزءاً من السلسلة اللوجستية: والتي ينصب دورها على الربط بين عناصر النقل والتوريد المادي والتوزيع المادي بهدف توفير المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج والمنتجات تامة الصنع في المكان المناسب والوقت المحدد وبالكميات المناسبة وبأقل التكاليف الممكنة. ويعتبر نشاط النقل من أهم الأنشطة في السلسلة اللوجستية وتأتي أهميته من كونه الأداة الرئيسية التي يمكن بها تحريك السلع والمواد الخام من أماكن إنتاجها إلى أماكن استخدامها ومن ثم فهو يتواجد في جميع مراحل السلسلة اللوجستية. وثم فإن قرارات اختيار وسيلة النقل والطريق الذي ستسلكه البضائع وتجميع الشحنات وشحنها وتفريغها إلى غير ذلك من نشاطات النقل تؤثر تأثيراً بالغاً على تكلفة المنتج النهائي وعلى قدرته التنافسية في الأسواق العالمية.

وبالتالي فإن عدم وجود تنسيق وتكامل بين وسائل النقل المختلفة والذي يوفره نظام النقل المتعدد الوسائط يؤدي إلى ارتفاع التكاليف اللوجستية ومن ثم عدم كفاءة النظام اللوجستي. وهذا ما تعانيه الدول النامية والتي تصل بها نسبة التكاليف اللوجستية (فقط نشاطي النقل والتخزين) ما بين 50-60% من الناتج القومي الإجمالي.

وقد بلغت الحاويات المتداولة في مواني العالم 303.11 مليون حاوية مكافئة عام 2003، تداولت مواني الدول النامية منها 122.39 مليون حاوية مكافئة بنسبة 40.4% من إجمالي الحاويات المتداولة بالمواني العالمية عام 2003. وقد تداولت مجموعة مواني القمة العشرين 144 مليون حاوية مكافئة عام 2003، ويحتل ميناء هونج كونج المركز الأول في تداول الحاويات عام 2003 حيث تداول  20.4 مليون حاوية مكافئة.

أما بالنسبة لنشاط النقل بالحاويات في مصر، فقد تأخر ظهوره حيث تم تشغيل وإنشاء أول محطة للحاويات في ميناء الإسكندرية في منتصف الثمانينات تلاها محطة حاويات بورسعيد وتم تشغيل محطة حاويات دمياط عام 1990، ثم أنشئت محطة حاويات الدخيلة لتكون جزءاً مكملاً لمحطة حاويات الإسكندرية عام 1996. وقد افتتحت المرحلة الأولى لميناء السخنة أواخر عام 2002، وكذلك المرحلة الأولى لميناء شرق بورسعيد في أكتوبر 2004.

وبالرغم من تأخر ظهور نظام النقل بالحاويات في مصر إلا أنه أخذ في التزايد بمعدلات متضاعفة، فقد زادت حركة تداول الحاويات بالمواني المصرية من 192.2 ألف حاوية مكافئة عام 1988 إلي 2.9 مليون حاوية مكافئة عام 2004، منها 1.13 مليون حاوية مكافئة برسم البلد بنسبة 39%، 1.77 مليون حاوية مكافئة برسم الترانزيت بنسبة 61%.

ويعد ميناء الإسكندرية هو الميناء الرئيسي في تداول حاويات تجارة مصر الخارجية (حاويات الصادر والوارد) فقد تداول الميناء 597.4 ألف حاوية مكافئة في عام 2004 بنسبة 52.9% من إجمالي حاويات تجارة مصر الخارجية. وقد ساهم الميناء في تداول 60% من إجمالي الحاويات الواردة، 46% من إجمالي الحاويات الصادرة عام 2004.

أما مينائي دمياط وبورسعيد فهما من المواني المتخصصة في نشاط تجارة الترانزيت (إعادة الشحن) نظراً لما يتمتعان به من موقع فريد حيث يقعا علي نفس الطريق الملاحي الرئيسي للسفن الكبرى دون انحراف يذكر في خط سيرها. وقد تداول ميناء دمياط 995.6 ألف حاوية مكافئة ترانزيت بنسبة 56% من إجمالي حاويات الترانزيت المتداولة بالمواني المصرية عام 2004، يليه في المرتبة الثانية ميناء بورسعيد بنسبة 42%.

ويتوقع أن تزداد حاويات التجارة الخارجية المتداولة بالمواني المصرية بنسبة 87% خلال الفتـرة (2005- 2020) لتصل إلى 2.087 مليون حاوية مكافئة عام 2020. وتبلغ الطاقة الاستيعابية الفعلية عام 2004 لمحطات الحاويات الثلاث الإسكندرية/ الدخيلة ودمياط وبورسعيد 1.65 مليون حاوية مكافئة بينما قدرت الطاقة الاستيعابية المحتملة لمحطات الحاويات بـ 3.95 مليون حاوية مكافئة متضمنة انتهاء المرحلة الأولى لميناء السخنة وكذلك إضافة بعض أوناش الرصيف والساحة بالمحطات الثلاث الأخرى مع تحويل الأربع أرصفة الخاصة بتداول البضائع العامة بميناء دمياط إلى أرصفة لتداول الحاويات. أي أن زيادة الطاقة الاستيعابية للمواني المصرية لا تتطلب استثمارات جوهرية في البنية الأساسية وهذه الطاقة المحتملة قادرة على استيعاب الزيادة المتوقعة في حركة حاويات التجارة الخارجية.

ولكن بصفة عامة تتضاءل حجم بضائع التجارة الخارجية المحواه حيث بلغت 9.44 مليون طن عام 2004، في حين قُدرت بضائع التجارة الخارجية القابلة للتحوية بـ 48.4 مليون طن عام 2004. أي تصل نسبة بضائع التجارة الخارجية المحواه إلى 19.5% فقط من إجمالي بضائع التجارة الخارجية القابلة للتحوية. وقدرت نسبة تحوية واردات التجارة الخارجية بـ 22.5% من إجمالي واردات التجارة الخارجية القابلة للتحوية بينما نسبة تحوية صادرات التجارة الخارجية بـ 16% من إجمالي صادرات التجارة الخارجية القابلة للتحوية. ويلاحظ تضاؤل نسبة تحوية البضائع مقارنةً بالمعدلات العالمية حيث تصل معدلات التحوية في دول مثل الدنمارك وأيرلندا وألمانيا إلى 85% وتصل إلى 82% في إيطاليا، 74% في أسبانيا وفي المغرب إلى 64%.

تجتمع بمصر عدة عوامل ومعوقات تحول دون تنمية دور النقل بالحاويات في نقل بضائع التجارة الخارجية من جهة، ومن جهة أخرى تجعل متوسط تكلفة استخدام الحاويات مرتفعة على المصدرين والمستوردين وتفقدهم المزايا الحقيقية لنظام النقل بالحاويات والذي جعلت منه أسلوب النقل الأكثر انتشاراً في العالم. ويتبين ذلك من خلال عدة أمور منها:

•             إن الاهتمام بنظام النقل بالحاويات في مصر اقتصر على إنشاء محطات لتداول الحاويات في المواني دون التطوير الكافي في النظم الإدارية والتشغيلية لمحطات الحاويات وإدخال نظم تبادل البيانات إليكترونياً (عدا مواني السحنة وشرق بورسعيد ودمياط) وتغيير أنظمة التخزين وأنظمة الجمارك، وكذلك دون تكامل المواني البحرية مع شبكات النقل الداخلي.

•             سلسلة النقل الداخلي في مصر سلسلة مجزأة لا تقوم على أساس النقل المتعدد الوسائط وإنما تنحصر في النقل أحادي الواسطة حيث يسيطر النقل على الطرق على نسبة 96.6% من إجمالي نقليات البضائع على المستوى القومي عام 2002، ونسبة 100% من الحاويات المنقولة داخل البلاد. وهذا على الرغم من أن:

o             أسطول نقل الحاويات على الطرق غير مجهز من الناحية الفنية لنقل الحاويات مع استخدامها لوسائل عشوائية لتثبيت الحاوية مما يساهم في تلف الحاوية وبالتالي تحمل المشغل تكاليف كبيرة لإعادة إصلاح الحاوية.

o             عدم وجود شركات متخصصة في نقل الحاويات على الطرق تتوافر لديها معدات خاصة بالشحن والتفريغ. كما لا تتوافر لدى العملاء المعدات الخاصة لشحن وتفريغ ومناولة الحاويات نظراً لارتفاع أسعارها، لذلك فإن أغلب التعامل مع الحاويات يتم يدوياً أو بمعدات بسيطة مثل أوناش الشوكة. كما أن أغلب عمليات الشحن والتفريغ تتم والحاوية على سطح الشاحنة.

•             يقتصر دور السكك الحديدية على نقل الحاويات الواردة برسم الترانزيت بين المواني المصرية، ويرجع عدم قدرة السكك الحديدية على نقل الحاويات إلى داخل البلاد إلي عدة عوامل منها:

o             عدم وجود محطات داخلية تعمل كنقاط للتبادل بين الوسائل المختلفة، مجهزة بالمعدات اللازمة لتداول الحاويات بين وسائل النقل الداخلي المختلفة.

o             لا تتوافر لدى السكك الحديدية المعدات الخاصة بتداول الحاويات مما يتسبب أيضاً في ضعف قدرتها على نقل الحاويات داخل البلاد، واقتصارها على دور الناقل فقط لحاويات الترانزيت بين المواني.

•             ينعدم دور النقل النهري في نقل الحاويات، ويمكن إيجاز أهم أسباب انعدام هذا الدور في:

o             عدم استكمال الوصلات الملاحية التي تربط المواني البحرية المختلفة (دمياط وبورسعيد والسويس والسخنة) بشبكة النقل النهري، فميناء الإسكندرية هو الميناء البحري الوحيد المرتبط بشبكة النقل النهري

o             عدم توافر الأساطيل المخصصة لنقل الحاويات، وعدم توافر المواني النهرية المجهزة لاستقبال الحاويات سواء من ناحية الأرصفة أو معدات تداول الحاويات.

o             اقتصار الملاحة على السير نهاراً مما يسبب مضاعفة زمن الرحلة وبالتالي فقدان تنافسية هذه الوسيلة.

•             إن شخص متعهد النقل الدولي الذي أنشأته نصوص اتفاقية الأمم المتحدة للنقل المتعدد الوسائط الصادرة عام 1980 والمسئول عن عملية النقل بأكملها لم يظهر بعد في محيط النقل في مصر.

•             عدم تفعيل دور المواني الجافة وعدم إصدار التوصيف القانوني لها. وتأتي أهمية هذه المواني الجافة في دورها في تخفيف الضغط والتكدس في المواني البحرية وتحقيق المفاهيم الحديثة للمواني البحرية في أنها نقاط عبور سريع للبضائع وذلك عن طريق نقل كافة الإجراءات الإدارية (الجمركية والرقابية والحجر الصحي ...) إلي المواني الجافة، ولا يقتصر دور تلك المواني على التخزين والتخليص الجمركي فقط وإنما يمتد دورها للعمل كمراكز تجميع وتوزيع تقدم خدمات الفرز والتغليف والتجميع والتوزيع للبضائع الصادرة والواردة لعميل واحد أو أكثر وكمحطات تبادلية لنقل الحاويات بين وسائل النقل الداخلي المختلفة.

إن تشجيع النقل بالحاويات من الباب إلي الباب يتطلب توافر محطات لتداول الحاويات (في المواني وداخل البلاد) مجهزة بأعلى مستوى من الكفاءة يخدمها شبكة متكاملة من وسائل النقل الداخلي والمخصصة لنقل الحاويات علاوة على ضرورة وجود وعي لدى كل من المصدرين والمستوردين والناقلين بأهمية النقل بالحاويات. وتتمثل أهم توصيات الدراسة في:

1.            إدخال نظم تبادل البيانات إليكترونياً على مستوى جميع المواني والربط بينها وبين وسائل النقل الداخلي.

2.            الاعتماد على كشف الجمارك للحاويات باستخدام أجهزة الكشف بالأشعة X- Ray وعدم تعريض الحاويات للفتح إلا في حالات الاشتباه فقط، مع ضرورة زيادة عدد أجهزة الكشف بالأشعة X- Ray، ومد فترة عملها.

3.            إنشاء محطات تبادلية بين وسائل النقل الداخلي: حيث يساهم وجود مثل هذه المحطات في تحقيق التكامل بين وسائل النقل والاستفادة من ميزة انخفاض متوسط تكلفة النقل بالسكك الحديدية والنقل النهري في المسافات الطويلة، على أن تترك الرحلة المكملة للنقل على الطرق الذي يتميز بانخفاض متوسط تكلفته في المسافات القصيرة. ولذلك يراعي أن يتم اختيار موقع المحطات التبادلية قريباً من المناطق الصناعية لأنه كلما انخفضت متوسط المسافة بين موقع المحطات وتلك المراكز انخفضت بالتالي متوسط تكلفة النقل.

4.            إنشاء كيانات قوية (مشغلين) لتملك وتشغيل أسطول متخصص لنقل الحاويات، ويمكن تشجيع إنشاء مثل هذه الكيانات عن طريق منح حوافز مثل الإعفاءات الضريبية.

5.            تطوير البنية الأساسية لشبكة النقل النهري وربطها بالمواني البحرية، وإدخال نظم الملاحة الليلية، والإسراع في استكمال المحطة التبادلية بميناء أثر النبي النهري كأساس لتطوير دور المواني النهرية في خدمة النقل بالحاويات، وتوفير الأسطول اللازم لنقل الحاويات نهرياً ويمكن أن يتم ذلك بالمشاركة مع القطاع الخاص.

6.            دعم دور السكك الحديدية في نقل الحاويات داخلياً، ويحتاج تدعم مثل هذا الدور إلى: إدخال نظام النقل المشترك، إنشاء المحطات التبادلية، إدخال نظم المعلومات، دعم دور القطاع الخاص، زيادة أسطول عربات الحاويات، زيادة سرعة مسير قطارات الحاويات، وجدولة مسير القطارات.

7.            دعم دور القطاع الخاص في زيادة نسبة التحوية وذلك من خلال تقديم المشروعات المشتركة بنظام BOT، ومن أمثلة المشروعات التي يمكن أن يساهم بها القطاع الخاص:

o             إنشاء شركات نقل متخصصة تقوم بالتنسيق بين خدمات النقل الداخلي المختلفة وتتحمل مسئولية الرحلة الكاملة حتى وصول الحاويات إلى مقصدها النهائي.

o             إدارة وتشغيل قطارات الحاويات.

o             إدارة وتشغيل المحطات التبادلية.

o             إنشاء وتشغيل المواني الجافة.

o             إدارة وتشغيل المواني النهرية.

8.            تفعيل دور المواني الجافة ""محطات الحاويات الداخلية""، وإصدار التوصيف القانوني الذي يؤهلها للعمل كامتداد للمواني البحرية وليس كمستودعات يقتصر دورها على تخزين البضائع الواردة غير خالصة الرسوم الجمركية."


انشء في: اثنين 16 يوليو 2012 21:07
Category:
مشاركة عبر