المدرسه العثمانيه منذ عهد الفاتح وحتي وفاه القانوني

احمد عبد الله ابراهيم نجم, ( 855 - 974هـ ) (1451– 1566م) ,عين شمس, الآداب ,اللغات الشرقية ,الدكتوراه 2005

يعد البحث عن المدرسة العثمانية ودورها في الحياة العلمية والفكرية أمراً صعباً إلى حد بعيد؛ إذ أن تلك المؤسسة الهامة كانت تتداخل مع عدة عوامل ومؤسسات أخرى, لتشكل المنظومة الحضارية للدولة العثمانية, ودراسة مثل تلك المؤسسة الهامة يساعد إلى حد بعيد في فهم التاريخ العثماني بشكل عام, والتاريخ الحضاري لتلك الدولة بشكل خاص.

كانت للمدرسة العثمانية كمؤسسة حضارية طابع خاص, إذ أن المدرسة قد أعدت لتخرج أجيالاً تحمل الفكر الإسلامي في داخلها, وتسير على مفاهيمه ونظرياته, وتؤدى دورها في المجتمع العثماني. لذا يمكن القول أن المدرسة العثمانية قد لعبت دوراً بارزاً في تشكيل عقل ووعى الأمة العثمانية, وصاغت الكتب التي كانت تدرس فيها توجه الدولة الدينيّ والفكريّ معاً.

وقد قُسم البحث موضوع الدراسة إلى قسمين أساسيين:

الأول: بيان المدرسة وتوضيحها كمؤسسة تعليمية في الدولة؛ وذلك عن طريق تقديم المعلومات الخاصة بسير العملية التعليمية بها, ودرجات المدارس, ورواتب المدرسين, وأسماء الكتب التي كانت تدرس في تلك المدارس, والتسهيلات الخاصة بالطلاب, إلى غير ذلك من معلومات وتفصيلات.

الثاني: محاولة رسم صورة واعية لما أسهمت به المدرسة في شتى مجالات الحياة: العلمية, والفكرية, والإدارية, والعدلية في الدولة العثمانية؛ وذلك عن طريق ربط المدرسة كمؤسسة اجتماعية بتلك المجالات, واعتبار المدرسة أحد المكونات الأساسية لتلك المجالات.

ولتقديم تلك الدراسة بشكل منهجي فقد قَسمتُ الرسالة إلي مقدمة ومدخل وثلاثة أبواب وخاتمة. عَرضتُ في المقدمة التي كانت تحت عنوان " التطور السياسي للدولة العثمانية حتى نهاية عهد السلطان القانوني" مراحل تطور الدولة السياسي منذ نشأة الإمارة العثمانية في عام 699هـ/1299م علي يد عثمان بك, وتحولها إلي دولة عظمي في عهد الفاتح857 هـ/1453م, ثم وصول الدولة إلي أقصي اتساع لها في نهاية عهد السلطان القانوني في عام 974هـ/1566م.

أما المدخل الذي جاء تحت عنوان "نشأة المدرسة في العالم الإسلامي وتطورها" فقد تَناولتُ فيه تعريف المدرسة,ونشأتها,وتطورها,وأهميتها في العالم الإسلامي حتى قيام الدولة العثمانية.

أما الباب الأول والذي جاء تحت عنوان "المدرسة العثمانية منذ نشأة الدولة وحتى نهاية عهد الفاتح( 699 - 886هـ ) (1299 – 1481م)" فقد انقسم إلي فصلين الأول بعنوان "المدرسة في الدولة العثمانية حتى عهد الفاتح ( 699 - 857هـ ) (1299 – 1453م)" وتناولت فيه أهم ملامح الحياة التعليمية والعلمية في الدولة في فترة النشأة, والعوامل التي مهدت لظهور المدرسة في الدولة العثمانية, وأهم المدارس التي أنُشئت حتى عهد الفاتح, والدور التي لعبته تلك المدارس في الدولة العثمانية. أما الفصل الثاني فكان بعنوان" المدرسة العثمانية في عهد السلطان محمد الفاتح( 857 - 886هـ ) ( 1453 - 1481م )" وتناولت فيه اهتمام الفاتح بالعلم والتعليم, ودرجات المدارس في عهد الفاتح, وانقسامها إلي ثلاث مراحل هي: المرحلة الأولية أو التأهيلية( مكاتب الصبيان)؛ و المرحلة الوسطى, وتشمل المدارس بدرجاتها المتنوعة, بداية من مدارس حاشية التجريد, وانتهاءً بمدارس الداخل الخمسينية؛ وأخيراً المرحلة العليا, وتشمل الحديث عن مدارس الصحن الثمانية, ومدرسي تلك المدارس ومكانتهم ورواتب العاملين فيها, وأهم الكتب الدراسية فيها, ونظام الدراسة في المدارس العثمانية, ثم تناولت وظائف خريجي المدرسة في عهد الفاتح, ومنها التدريس والقضاء, وأهم العلماء في عهد الفاتح. ثم كان الباب الثاني تحت عنوان" المدرسة العثمانية من وفاة السلطان الفاتح وحتى نهاية عصر السلطان القانوني(886 ـ974هـ)(1481ـ1566م)" واشتمل هذا الباب أيضاً علي فصلين الأول بعنوان "المدرسة العثمانية في عهد السلطان بايزيد الثاني والسلطان سليم الأول ( 886 – 918هـ ) (1481– 1512م)" وتناول الحديث عن أهم المدارس التي أنشئت في عهدهما, ودخول الولايات العربية تحت إدارة الدولة العثمانية, وعلاقة مدرسي المدارس العثمانية بالقضاء في الولايات العربية, وأهم العلماء في عصر كل منها. أما الفصل الثاني وكان بعنوان "المدرسة العثمانية في عهد السلطان القانوني ( 927 – 974هـ ) (1520 – 1566هـ )" فقد تحدثت فيه عن المدارس السليمانية التي أنشأها السلطان القانوني, وارتباط القضاء بالتدريس في عهده, وألقاب الطبقة العلمية, وترتيب المدارس في عهده, وبدايات تأخر المدرسة وأسباب ذلك التأخر في عهده. أما الباب الثالث والأخير فقد جاء تحت عنوان "الدور الحضاري للمدرسة العثمانية" واشتمل هذا الباب علي أربعة فصول تناولت في الفصل الأول الذي كان عنوانه "دور المدرسة العثمانية في الحياة الفكرية والعلمية" الحديث عن المدرسة والحياة الفكرية العثمانية, ودور المدرسة في التربية, وعلاقاتها بالمؤسسات التعليمية الأخرى وخاصة التكايا. وعن الحياة العلمية عند العثمانيين, وتمسك العثمانيين بالعلوم التقليدية القديمة, وتخلف المدرسة العثمانية عن مواكبة العلوم الجديدة في أوروبا.ثم تناولت في الفصل الثاني الذي كان عنوانه "دور المدرسة في الحياة العدلية والإدارية" ارتباط المدرسة بالحياة العدلية في الدولة, وتولي المدرسين لمنصب القضاء, وتأثير القضاء على المدرسة, ودور المدرسة في إعداد موظفي الدولة, ومكانة خريجي المدرسة في الجهاز الإداري للدولة, ودور المؤسسات الأخرى في الجهاز الإداري للدولة. ثم تناولت في الفصل الثالث الذي كان عنوانه" التأثير المتبادل بين المدرسة العثمانية والمدارس الإسلامية الأخرى" دور العلماء المسلمين في نشأة المدرسة العثمانية, ومكانة اللغة العربية في المدرسة العثمانية, و تأثر المدرسة العثمانية بالمدارس الإسلامية الأخرى كالأزهر والمدرسة النظامية. ثم تناولت في الفصل الثالث الذي كان عنوانه" دور الأوقاف في إنشاء المدارس العثمانية " تعريف الوقف, وعناصر ومكانة الأوقاف في الدولة العثمانية, وارتباط المدرسة بالأوقاف في العالم الإسلامي, ودور الأوقاف في إنشاء المدرسة العثمانية, وشروط وقفيات المدارس العثمانية,والتي كان من أهمها الاهتمام بالنواحي التربوية, وتدريس العلوم النقلية والعقلية, ومجانية التعليم, وكفاءة المدرس وأهليته. ثم جاءت الخاتمة والتي ذُكرت فيها بعض النتائج التي توصلت إليها الدراسة لعل من أهمها: ـ

• أن المدرسة العثمانية كانت إحدى صور التقدم الحضاري الذي حظيت به الدولة منذ نشأتها, حيث أظهرت تلك المؤسسة بجلاء, مدى الاهتمام الذي أعطاه القائمون على أمر الحكم في الدولة للبعد الحضاري لدولتهم, وسعيهم لتأسيس ركائز حضارية, تكمل تلك الصورة المشرقة للدولة العثمانية, كدولة مجاهدة تسعى إلى نشر الإسلام دينياّ وفكرياً في آن معاً.

• كانت المدرسة العثمانية أحد الركائز التي ساهمت في تأسيس الدولة العثمانية حضارياً, حيث نجحت في مد الدولة منذ فترة النشأة وحتى السلطان القانوني, بما تحتاجه من علماء وقضاة وموظفين كان لهم أكبر الأثر في تسيير أمور الدولة.

• كانت المدرسة العثمانية هي المؤسسة التعليمية الأكثر تفرداً وتميزاً في الدولة في تلك الفترة, رغم وجود عدد من المؤسسات التعليمية الأخرى كالتكايا والأندرون .

• ارتبطت الحياة العلمية والعدلية والإدارية في الدولة العثمانية ارتباطاً وثيقاً بالمدرسة, بحيث لم يكن يسمح لغير خريجي المدرسة بتولي الوظائف العلمية والعدلية في الدولة. كما كان الترقي في المناصب العلمية والعدلية, يتوقف علي مقدار ما حصله خريج المدرسة, وما قطعه من مراحل دراسية، كما كان لخريجي المدرسة نصيبا معقولا في تولي الوظائف الإدارية.

• كانت المدرسة العثمانية مدرسة محلية, ولم يكن لها صبغة عالمية في أنحاء العالم الإسلامي, كما كان عليه الحال بالنسبة للأزهر والمدرسة النظامية؛ إذ أن المصادر لم تذكر شيئا عن قدوم الطلاب المسلمين إلي تلك المدارس للدارسة والتحصيل.

• تميزت المدرسة العثمانية عما سبقها من المدارس الإسلامية في أن تلك المدارس السابقة كانت تكتسب قيمتها وتميزها من كفاءة المدرسين العاملين بها، أما المدارس العثمانية فكانت تتبع نظاماً تعليمياً واضحاً يمثل المدرس أحد مكوناته, وأصبح المدرس يكتسب تميزه وكفاءته, من المدرسة التي يدرس بها ودرجاتها بين المدارس, وليس كما كان عليه الحال في المدارس التي سبقت المدارس العثمانية.


 


انشء في: ثلاثاء 10 فبراير 2015 16:18
Category:
مشاركة عبر