معالجة تجربة السود في الولايات المتحدة في القرن العشرين في سلسلة مسرحيات اوجست ويلسون
وسيم عبد الحليم قرني عبد الحليم عين شمس الألسن اللغة الإنجليزية ماجستير 2000
ملخص الدراسة:
في الوقت الذى بدأت أوروبا تستيقظ من غفلتها في طريقها للسيطرة على مقدرات العالم الحديث ، و امتلأ العالم الجديد بالباحثين عن الثروة و المكانة ، كانت القارة السوداء إفريقيا التي احتضنت العديد من الحضارات تغط فى سبات عميق ، لا تدرى ما يحيق بها من أخطار و ما يتهددها من عدوان. و عندما نامت أعين التاريخ عن هذه الأرض البكر ، زحف إليها الشيطان فى هيئة الرجل الأبيض يرتدى مسوح العفة والطهارة ، و هو فى حقيقة الأمر يضمر فى أعماقه شرا لا قبل لأحد به. لقد جاء المستكشفون و المستعمرون الأوروبيون إلى إفريقيا على حين غفلة من أهلها ، و بدأوا أسوأ عملية اختطاف فى التاريخ راح ضحيتها آلاف آلاف من الأفارقة الأبرياء.
لم تكن المعضلة فيمن لقوا حتفهم أثناء الرحلة الشاقة التى خاضوها من العالم القديم إلى الدنيا الجديدة ؛ فهؤلاء قد رحمتهم الأقدار من الذل و المهانة و كفاهم الله العذاب الذى كان فى انتظارهم ، و إنما كانت فى أولئك الذين أتموا الرحلة بسلام. فبمجرد أن وطأت أقدام أولئك الأفارقة الأراضى الأمريكية ، فقدوا أغلى هبة منحهم إياها الله ، ألا و هى حريتهم. ثلاثة قرون مضت بلا حرية يتنسمون عبقها . . . ثلاثة قرون لم يذوقوا فيها للراحة طعما . . . ثلاثة قرون من الفراق و التعذيب ، من الألم وانعدام الأمل ، من القتل بدون سبب واضح و فقدان المرء لإنسانيته. من رحم ذلك الألم ولد الأمل و ظهرت تجربة السود فى الولايات المتحدة. و على الرغم من مرارتها، فهى تجربة تزخر بكل مقومات التجربة الإنسانية بكافة صورها و أشكالها. لقد لجأ أولئك السود إلى تراثهم الإفريقى يتلمسون فيما يمتلأ به من طقوس و شعائر وأساطير و فنون ما يمكنهم من الاحتفاظ بهويتهم حتى لا يجرفها التيارالأوروبى بكل سلبياته و عيوبه.
و عندما جاءت الحرية أخيرا تداعب خيالهم مع إعلان تحرير العبيد الذى صدر عن الرئيس إبراهام لينكولن ، وجد السود ذلك الحلم ناقصا مشوها كأنه جنين لم يكتمل نموه. وجدوا أنهم لن يكونوا أحرارا متساوين مع أقرانهم من البيض ، و إنما عليهم أن يكونوا متساوين مع بعضهم البعض و منفصلين عن مجتمعهم. و نتيجة لتلك الهوة الشاسعة بين السود و المجتمع الأمريكى ، نشأت أزمة الهوية التى جعلتهم لا يدركون هل هم أفارقة أم أمريكيون ، هل هم أحرار أم ما زالوا يرسفون فى أغلال العبودية.
و قبل أن يطوى القرن العشرون صفحاته ، و قبل أن تنفرط حبات العقدين الأخيرين فيه ، ظهر صوت مسرحى أسود يقوده الإصرار و تملؤه الرغبة فى التعبير عن الحياة الهامشية ، أو بالأحرى المهمشة ، التى عاشها بنو جلدته فى بلاد حجبت عنهم نور الحرية. خرج أوجست ويلسون من نفس رحم المعاناة و التفرقة العنصرية التى ظل أقرانه من السود يرزحون تحت أصفادها ، فوجد أن ثقافة السود قد طواها النسيان ، وأن تاريخهم قد خطته أيادى غريبة عنهم فملأته بالأكاذيب والمغالطات. رأى ويلسون أن الحل يكمن فى إعادة صياغة هذا التاريخ و إعادة وصل حلقاته التى تاهت عن بعضها سواء بفعل فاعل من بنى الإنسان أو بفعل القدر أو الزمن. عشر مسرحيات تكون سلسلة تؤرخ لتجربة السود فى القرن العشرين ، هذا ما انتواه ويلسون وبدأ فيه مع مطلع الثمانينات و قارب على الانتهاء منه فى هذه الأيام. لقد أنجز حتى الآن ثمانى مسرحيات تتناول ثمانية عقود من سنوات القرن العشرين: تاكسى! (1979، أعيد كتابتها 1996) ، ومؤخرة ما رينى السوداء (1984) ، و الأسوار (1985) ، ومجيء جوتيرنر ورواحه (1986) ، ودرس البيانو (1987) ، وقطاران يجريان (1990) وسبع قيثارات (1995) ، وكينج هيدلى الثانى (1999).
ولعل هذه الدراسة تتمكن من إلقاء الضوء على هذا العمل الطموح لكاتب يشار إليه بالبنان حالياََ فى أوساط المسرح الأمريكى حيث إنه قد ساهم فى إيقاظ هذا المارد الأمريكى الثقافى من غفلته. لقد بعث ويلسون الحياة فى المسرح الأمريكى وصار القيثارة التى تعزف ألحاناََ يتردد صداها فى كل مكان لتعبر عن قومه من السود وميراث الغضب الذى يكمن فى صدورهم نحو مجتمع أعطاهم وعوداََ كثيرة بالحرية ، ولكنه ماطلهم وراوغهم وخدعهم حتى أدركوا فى النهاية أنه ما ضاع حق وراءه مطالب ، وهبوا ينشدون الاعتراف بهم وبحريتهم حتى نجحوا فى انتزاعها انتزاع الأبطال و قدموا العديد والعديد من الأبطال الذين راحوا ضحية حلم لم يروا تحقيقه ، ولكنهم بثوا الأمل فى نفوس كانت قد أيست من الحياة ، واستسلمت لواقعها الأليم.
تقع هذه الدراسة فى خمسة فصول يتناول الباحث فى أُول اثنين منها النظرة التاريخية لمشكلة السود فى الولايات المتحدة إلى جانب الإطار النظرى لمسرحيات ويلسون وكذلك العوامل والمؤثرات التى صهرت شخصية هذا الكاتب المسرحى ووهبت من خلاله المسرح الأمريكى دماء جديدة تبعث الحيوية فى شرايينه. أما الفصول الثلاثة الأخرى فتعرض لثلاث مسرحيات من أعمال ويلسون بهدف إلقاء الضوء على الكيفية التى عبر بها عن تجربة السود فى القرن العشرين.
تبدأ الدراسة بمقدمة موجزة يعرض فيها الباحث محتويات الرسالة ويقدم فيها لأعمال ويلسون كما يطرح فيها أنه قد أضطر لتغيير ترتيب المسرحيات بطريقة تنتظم معها حلقات هذه السلسلة المسرحية التاريخية. بمعنى أخر فإن الباحث يتناول مسرحية مجيء جو تيرنر ورواحه (1986) قبل مسرحية الأسوار (1985) لأن الأولى تعرض لتجربة السود فى العقد الثانى من القرن العشرين ، بينما تتخذ الثانية من العقدين السادس و السابع مسرحاََ لأحداثها. كذلك يبين الباحث أنه اختار المسرحيات الثلاثة نظراََ لأن أولاها وهى مجيء جو تيرنر ورواحه تعبر عن بداية النضال فى القرن العشرين ، فى وقت كانت فيه ظلال العبودية القائمة لا تزال تخيم على حياة هؤلاء السود الأمريكان. أما المسرحية الثانية موضع الدراسة وهى ""الأسوار"" (1985) فترسم صورة لما حدث أثناء بزوغ حركات المطالبة بالحقوق المدنية للسود والتى اشتد أوارها فى خمسينات هذا القرن وستيناته. وتعالج هذه المسرحية قضية الصراع بين الماضى والحاضر فى وقت بدأت تثمر بذور النضال من أجل الحرية والمساواة الحقيقية وبالنسبة للمسرحية الثالثة ""قطاران يجريان""(1990) فهى تركز على بيان ما وصلت إليه تلك الحركات من نجاح وفشل.
يقدم الفصل الأول و عنوانه ""حلم مؤجل"" دراسة تاريخية موجزة تتناول طبيعة مشكلة السود فى الولايات المتحدة منذ مطلع شمس القرن العشرين وحتى نهاية الستينات ، وهى الفترة التى تغطيها مسرحيات ويلسون ، كذلك يلقى الضوء على ظهور حركات المطالبة بالحقوق المدنية للسود وبزوغ نجمها من خلال طرح إجابات وافية عن بعض الأسئلة مثل:
- ما جوهر مشكلة الزنوج فى الولايات المتحدة ؟
- ماذا عن أهداف حركات المطالبة بالحقوق المدنية للسود؟
- ما طبيعة العلاقة بين الزعماء السود و الفضائل المختلفة التى ينتمون إليها؟
- لماذا تم اختيار عام 1963 من أجل انطلاق شرارة الثورة الشاملة للسود؟
- هل يعتبر السود العقبة الكئود فى طريق تحقيق الحلم الأمريكى؟
أما الفصل الثانى فيتخذ عنواناََ له ""الأرضية التى أقف عليها."" ويهتم هذا الفصل بإلقاء الضوء بشيء من التفصيل على الأطر المسرحية التى تبناها ويلسون فى مسرحياته، ويركز منها على توظيفه للموسيقى و الأغنية بشكل عام، ولموسيقى ""البلوز"" بشكل خاص ، كمصدر للوحى و الإلهام. كذلك يهتم هذا الفصل بدراسة المؤثرات التى اجتمعت لتشكل شخصية ويلسون الأدبية ككاتب مسرحى ذى روح لا ُتقهر. ولعل أهم هذه المؤثرات موسيقى ""البلوز"" الحزينة التى تعد بمثابة المرجع التاريخى للسود ، وكذلك مصدر الإلهام الذى استوحى منه ويلسون مسرحياته. أما حياة هذا الكاتب المسرحى التى أنشبت فيها التفرقة العنصرية مخالبها فهى مصدر تأثير بالغ جعله يفكر فى كتابة تاريخ قومه من خلال سلسلة مسرحيات تتعرض لنير المعاناة والظلم الذى تعرضوا له وهم يرسفون فى أغلال الاضطهاد. أما قرض الشعر فى بداية حياته الأدبية فقد ساهم بقدر كبير فى الإعلاء من شأن لغة ويلسون المسرحية حيث صارت اللغة أداة طيعة فى يده تضفى بريقا أخاذاََ ولمسة ساحرة على سطوره المسرحية.
ولا يغفل الباحث التعرض لأهم الموضوعات التى تتناولها مسرحيات ويلسون ومن بينها نظرته لتاريخ السود وثقافتهم وكذلك اعتراضه الدائم على الخروج العظيم وهو الاسم الذى يطلق على حركات الهجرة المتعددة التى قام بها السود من الجنوب إلى الشمال الأمريكى بحثاََ عن وهم زائف و سراب خادع اسمه الاندماج فى المجتمع الأمريكى. ويشير الباحث ايضاََ إلى الصراع بين المسيحية و التراث الأسطورى الإفريقى القديم ، و كيف أن أبطال ويلسون يرون فى هذا الدين السماوي قيداََ على حياتهم. وأخيراََ يبين الباحث السمات التى يرسمها ويلسون فى شخصياته والأنماط التى يعتمد عليها فى صياغة مسرحياته.
وتبدأ الفصول الثلاثة الأخيرة بمسرحية مجىء جوتيرنر و رواحه (1986) والتى تعد الحلقة الأولى فى سلسلة مسرحيات ويلسون التاريخية ، ويؤكد فيها على أن الرق هو الإرث الذى لا يستطيع السود الفكاك من ذكراه ، فأحداث المسرحية تدور فى عام 1911 أى فى بداية العقد الثانى من هذا القرن ، وهى تركز على تبيان الحقيقة القائلة بأن نكبة السود مصدرها عجزهم عن الاعتزاز بماضيهم و هو يتهم الفريدة والمميزة ، ولا يمكن بأى حال أن يحصلوا على حريتهم المسلوبة منذ أمد بعيد عن طريق بعض الشعائر الدينية الموروثة أو القوة الاقتصادية ، فلن يساعدهم على التغلب على آلامهم وتجاوز محنتهم سوى قوتهم الروحية وشخصيتهم المستقلة بذاتها.
وتقدم هذه المسرحية نقداً اجتماعياً تمت صياغته فى إطار تكسوه الواقعية التى تمتزج بها بعض العناصر الروحانية والصوفية. وفى هذه المسرحية يقدم ويلسون توظيفا خاصا للموسيقى وبعض طقوس الرقص الخاصة بالسود والتى تعد أحد الملامح المميزة لهم. وتركز هذه المسرحية على فكرة الفراق والانفصال التى تحكم حياة السود وتعوقهم عن الوصول إلى الراحة النفسية. كما تلقى الضوء على عدم قبول السود في تلك الفترة أن يتخذوا الدين المسيحى كوسيلة لالتماس العزاء والمواساة لأرواح أولئك الذين وجدوا فيه طوقاََ حول أعناقهم يمنعهم من المطالبة بحريتهم. وقد اختار الباحث لهذه المسرحية عنواناََ فرعياََ هو ""طرد أشباح الذكريات"" لكى يعبر عن رؤيته فى أن هؤلاء الزنوج كانوا فى حاجة إبان ذلك الوقت إلى مواجهة الماضى بكل ما يحمله من ذكريات أليمة بغية التخلص من كل ما من شأنه أن ينغص عليهم حياتهم.
أما الفصل الرابع والذى يتعرض لمسرحية ""الأسوار"" (1985) فقد اتخذ له الباحث عنوان ""وفاة جامع قمامة"" نظراََ للتشابه الذى أشار إليه بعض النقاد بين هذه المسرحية ورائعة أرثر ميللر""وفاة بائع متجول"" (1947). و تعد هذه المسرحية الحلقة الخامسة فى سلسلة مسرحيات ويلسون وتدور أحداثها فى الخمسينات حين كانت حركات المطالبة بالحقوق المدنية للسود فى مهدها ولم تكن قد وصلت إلى مرحلة النضج بعد. وتقدم هذه المسرحية نظرة فاحصة تسبر أغوار قضية الإرث من خلال رسم أوجه الصراع بين الأب و الابن ، ذلك الصراع الذى تدور رحاه بين أشباح الماضى الغابر تخيم عليه ظلال العنصرية البغيضة وبين الآمال العريضة التى ترتسم على محيا مستقبل يبشر بأن المساواة قادمة فى الطريق.
وتركز هذه المسرحية على الأثر العضال الذى تركته العنصرية فى نفس البطل وما يمكن أن يترتب على حالة الإحباط وخيبة الأمل التى يعيش فى ظلها على حياته العائلية. ويتبع ويلسون فى هذه المسرحية إطارا تقليديا معروفا هو المسرحية ذات الحبكة الجيدة الصنع ، ولكنه يقوم بإدخال بعض التعديلات على تلك الأطر القديمة فيما يتعلق برسم سمات الشخصيات. ويستخدم فيها أيضا الأغنية كوسيلة معبرة عن احتياج السود الشديد إلى البحث عن هوية مميزة ، كما يوظف ويلسون الأدوات المسرحية توظيفا خاصا على هيئة صور مجازية لبيان الحالة النفسية لبطل المسرحية.
وبالنسبة لآخر فصول الدراسة ، الفصل الخامس ، فيقدم مسرحية ""قطاران يجريان"" (1990). وقد اختار لها الباحث عنواناََ فرعياََ ""مفترق الطرق"" للدلالة على حالة الحيرة التى انتابت السود الأمريكان فى ستينات هذا القرن حيث تدور أحداث المسرحية. فبعد مائة عام من إعلان لينكولن تحرير العبيد ظل الحال كما هو عليه، وصارت الحرية و المساواة أمراََ بعيد المنال ، مجرد كلمات جوفاء يتشدق بها أولو الأمر لاينفذون منها شيئاََ ذا بال.
تبدو فى هذه المسرحية رغبة ويلسون الجارفة فى أن يقدم صورة حية لقطار المناداة بالحقوق المدنية للسود وقد وصل إلى حالة من الركود والتوقف. وينشد ويلسون من خلال مسرحية ""قطاران يجريان"" (1990) الإجابة عن بعض الأسئلة التى كانت تدور فى أذهان السود فى تلك الفترة مثل:
- ما هو أثر تلك الحركات على حياة السود؟
- هل ينبغى على السود الاستمرار فى تبنى سياسة المقاومة السلبية للحصول على حقوقهم؟
- ما هو الحل القاطع لنكبة السود؟
- ماذا يتوسم السود فى قادتهم وزعمائهم؟
ويعتمد ويلسون فى هذه المسرحية على أسلوب فنى يخلو من الموسيقى كمحور جوهرى تدور حوله الأحداث ، وهذا إن دل فإنما يدل على أن صنع القرار لا يزال بعيدا عن أيدى السود. ويقدم ويلسون هذه الأفكار فى إطار واقعى تمتزج فى أثنائه بعض العناصر الروحانية ومشاعر الحنين إلى أرض الميلاد والأجداد.
وتنتهى الرسالة بخاتمة تعرض لأبرز ما توصلت إليه هذه الدراسة من أن الرؤيا الفنية والدرامية لأوجست ويلسون جديرة بالدراسة و الاهتمام حيث إنها تقدم تياراََ جديداََ من الكتابة المسرحية يستلهم فيه كاتبه روح التراث وعبق الماضى ومشكلات الحاضر فى إعادة صياغة تاريخ قومه الذى امتلأت صفحاته بالأكاذيب. قد يكون ويلسون قد نجح من خلال هذه السلسلة المسرحية فى انتشال قومه من قاع التاريخ ، فما أحوج الأمم الناهضة والنامية إلى من يصحح لها تاريخها الذى لم تكتبه أيدى أبناءها.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة