جامعة باريس ودورها في النهضة الفكرية بأرباء في العصر الوسيط
ياسر عبد المعبود عبد الله عين شمس الآداب تاريخ ماجستير 2003
ملخص الدراسة:
بعد استعراض أهم معالم التاريخ الحضاري لجامعة باريس فى ضوء الصراع الذى عاشته هذه الأخيرة مع كل من البابوية والكنيسة والملكية والمجتمع ، وذلك منذ نشأتها حتى نهاية حكم الملك الفرنسي شارل الخامس ، ومن خلال التقييم لهذه الجامعة ، فإنه يمكن الخروج بالعديد من الدلالات والنتائج :
- كان من أثر نهضة القرن الثاني عشر وماتولد عنها من غزارة علمية ، أن أصبحت الأديرة والكاتدرائيات عاجزة عن مسايرة هذا التقدم الثقافي الكبير ، مما كان إيذاناً بضرورة نشأة مؤسسة جديدة تكون قادرة على استيعاب هذا الكم الكبير من المعارف واحتضانها وتنظيمها. فالجامعة قد خالفت الأديرة القديمة فى كل شىء تقريباً ، حيث كانت بالمعمور من المدن عكس الأديرة التي نشأت بالخلوات. كذلك امتازت الجامعة بإدارتها الديمقراطية التي تميزت عن إدارة الأديرة الاستبدادية ، حيث كان على الرئيس الأمر وعلى الرهبان الطاعة ، إضافة لما كان لأساتذتها وطلابها ما كان للقساوسة ورجال الكنيسة من امتيازات أهمها الإعفاء من الخدمة العسكرية والإعفاء من الضرائب ، والمحاكمة الداخلية للأعضاء ، وكذلك سلطتها فى منح الدرجات العلمية .
- حصلت الجامعة على الكثير من مزاياها من خلال صراعها الطويل مع الكنيسة والبابوية من ناحية ، ومع سكان المدينة من ناحية أخرى ، وهو الصراع الذي جاء على الدوام فى صالح هذه المؤسسة حيث تدخلت الملكية لمناصرة الجامعة فى كثير من الأحيان ، وذلك إذا ما هددت هذه الأخيرة بترك المدينة التي كانت هي سبباً فيما شاع فيها من رواج وانتعاش اقتصادي ، مما جعل باريس تفوق غيرها من المدن اقتصادياً ، لذا فقد عملت الجامعة جاهدة على استغلال أهميتها هذه الاستغلال الأمثل فى الحصول على الكثير من الامتيازات .
- نظمت الكليات نفسها داخل الجامعة تحت زعامة كلية الآداب ، وقد عملت التشريعات المختلفة على استحداث أساليب تعليمية جديدة فيما يتعلق بالمناهج الدراسية وكذلك نظم منح الدرجات وطريقة الامتحانات ، وهو التنظيم الذي ظهر فى أبهى صورة من خلال النظام الصارم للكليات الداخلية وما تميزت به من أسلوب حياة فريد صار نموذجاً يحتذي ليس للكليات فقط بل للجامعات أيضاً .
- دخلت الجامعة فى صراع طويل مع رهبان الصدقة فى محاولة لكسب المزايا التي كان يحصل عليها هؤلاء الرهبان من البابوية ، نظراً لإحساس الجامعيين بالتميز والتفوق على هؤلاء الرهبان هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى كان الرهبان يعملون جاهدين من أجل الاستئثار بالمزايا التي منحت لهم من البابوية والعمل على استغلال مكانتهم فى المجتمع الاستغلال الأمثل ، وهو الصراع الذي نتج عنه ظهور فكر ثوري مضاد للكنيسة والبابوية المحابية لهؤلاء الرهبان ، كما نتج عن ذلك ظهور كليات علمانية النشأة تقتصر فقط على رجال وطلاب الدين العلمانيين ، والتي أصبحت من أعظم كليات الجامعة وأحسنها تنظيماً مثل السوربون ونافار .
- ظهر أثر التفوق العلمي وتشجيع الفكر الحر فى أحسن صورة بالجامعة من خلال انقسام أساتذة الجامعة إلى فئتين : إما من أنصار الرشدية أو من معارضيها ، وهو الأمر الذى أدى إلى معارك فكرية طاحنة تدخلت فيها البابوية بنفسها من أجل حماية العقيدة والمحافظة عليها ، كما استخدمت أداتها الطيعة محكمة التفتيش فى ردع أى خارج على التعاليم الكنسية ، وإن استمر الفكر الرشدى المخالف رغماً عن ذلك فى نشر تعاليمه مؤمناً بعدم التراجع عما يصدقه العقل حتى لو كان الثمن هو الحياة نفسها .
- منذ بداية حرب المائة عام ، أخذت العلاقات بين الجامعة والبابوية تتوتر باستمرار ، كما ظهر ميل واضح من الجامعة تجاه الملكية الفرنسية . ففي تلك الفترة أخذت الكثير من الكليات الداخلية العلمانية فى الظهور ، كما أن هذه الفترة تتميز ببلوغ الجامعة أرقى درجات الوعي بكيانها ومكانتها فى المجتمع ، فنجدها تتدخل لمناصرة فيليب الجميل ضد البابا بونيفاس الثامن . كذلك بعد الثورة الباريسية عام 1358 ، تدخلت البابوية لإصلاح الهيئة الجامعية من خلال مرسوم أوربا الخامس عام 1366 ، إلا أن الجامعة سرعان ماناصرت شارل الخامس فى الكثير من المواقف على حساب البابوية. كذلك وفى فترة الانشقاق الكنسى الكبير ، ترددت الجامعة فى مناصرة هذا البابا أو ذاك ، إلا أنها فى النهاية نزلت على رأى الملكية فى مناصرة بابا أفينون . كما أنه ظهر فى تلك الفترة الفكر المعادى للبابوية ممثلاً فى الاسمية والفكر الحر ، وذلك على الرغم من قائمة الصلاحية للوظائف الكنسية التي كانت البابوية تنعم بها على خريجي الجامعة .
- ظهر أثر جامعة باريس واضحاً فى مختلف النواحي سواء السياسية ممثلاً فى هيمنتها وقوتها كإحدى القوى الأوربية ، أو فى الناحية الكنسية التي استغلت فيها الجامعة دكتاتوريتها اللاهوتية فى التصدي للبابوية نفسها واعتبار أنها عالمية الطابع الكنسي . كذلك دورها فى المجتمع الذي تعاملت معه الجامعة من واقع أنها مجموعة بشرية ضخمة ذات كيان سياسي واجتماعي وفكري واقتصادي تستطيع من خلاله نشر نفوذها وسيطرتها ، وذلك على أساس علمي سليم فى وقت انتشر فيه المتعلمون فى جميع المحافل سواء الملكية أو البابوية أو الكنسية .
- تعدى أثر جامعة باريس الفكري نطاق المملكة الفرنسية ، فظهر واضحاً فى الجامعات الأوربية الأخرى التي سارت على نفس نظم باريس ، والتي استوفد الملوك والأمراء الكثير من الأساتذة الباريسيين إما للتدريس بهذه الجامعات أو لوضع لوائح ومناهج لها مثلما الحال بجامعتهم الأم . كذلك كانت جامعة باريس متأثرة بما يجرى حولها من نظم وقواعد تعليمية خاصة من أسبانيا المجاورة التي كان يظلها الحكم العربي الإسلامي ، حيث تغلغت الأفكار والفلسفات العربية إلى داخل جامعة باريس ، وكذلك النظم والتقاليد الجامعية وما كان من سفارات متبادلة بين الدولتين جعلت كل منهما تؤثر وتتأثر بالأخرى ، مما يوضح مكانة وأهمية الفكر العربي ونظامه التربوي فى هذا الصرح الباريسي العريق .
- كذلك فقد أتضح من خلال الدراسة أن هناك العديد من المؤرخين قد وقعوا فى شراك الوهم من خلال نظرتهم إلى جامعة باريس على أنها مؤسسة مكتملة بكافة النظم التعليمية ، إلا أن هذا الافتراض يعد خاطئاً فقد قيل أن الجامعة كانت توفر تعليماً دينياً ، واتضح أنها لم تكن توفر ذلك للغالبية العظمى من الطلاب . وقد قيل أن الجامعة لابد وأن تحتضن جميع الكليات ، وإذا بجامعة باريس لا تحتضن كلية القانون المدني . كذلك تميز وتفوق تعليم الكليات الداخلية على تعليم الجامعة نفسها خاصة فى الفترة الأخيرة من القرن الثالث عشر وطوال الرابع عشر . كذلك قيل أن الجامعة تهتم بالدراسة النظرية فقط ، فإذا بنا نجدها لا تهتم إلا بالتعليم المهني التدريبي وأسلوب المناظرات العلمية . وقد قيل أيضاً أن الغرض من دراسة الآداب لم يكن سوى الالتحاق بالكليات العليا الأخرى ، إلا أنه ثبت من خلال المصادر أن معظم طلاب الآداب لم يلتحقوا بكليات أخرى بعد إنهاء دراستهم . ومن هنا يتبين مدى ضرورة تحرى الدقة فى تقصى الحقائق التي سوف تكشف بالضرورة عن أوهام وأخطاء كثيرة وقع فيها المؤرخون ، والتي بدورها سوف تكشف النقاب عن القيمة الحقيقية لتاريخ هذه الجامعة وسط التيارات الثقافية المختلفة .
- إن هناك نوعاً من المعرفة لا يمكن أن يقدم إلا من خلال الاتصال ما بين الأفراد بعضهم البعض ، أو نوعاً من التثقيف الفكري والذي لا يصير متاحاً إلا من خلال تبادل الأفكار ، ونوعاً من الحماسة والتي تصبح ضرباً من المستحيل فى بيئة منعزلة غير متصلة بالآخرين : وكل هذه الأنواع لا تؤدى إلا من خلال الجامعة التي هي مكان وبيئة التفوق سواء للأساتذة أو الطلاب ، كما أنها مهد أرفع أنواع التهذيب والتثقيف الفكري وليس التعليم الأولى أو المعلومات العامة . إن الجامعة مؤسسة لتطوير العلم وليست للمحافظة عليه أو نشره فقط ، فهي مكان يتوحد فيه جميع العلوم والمعارف فى سيمفونية متسقة يسير فيها التعليم جنباً إلى جنب مع البحث . فدراسة تاريخ جامعة مرموقة مثل باريس سوف يفيض من سحر الارتباط بالماضي على المؤسسات الحديثة التي بلا شك سوف تعم عليها الفائدة من الدراسة التاريخية النقدية لنظم التعليم بهذه المؤسسة الجامعية .
- تعد جامعة باريس خير نموذج للديمقراطية ، فرغم أنها هيئة وثيقة الصلة بالكنيسة من ناحية ، وبالدولة من ناحية أخرى ، وذلك مع احتفاظها فى نفس الوقت بالاستقلال عن هاتين السلطتين الروحية والزمنية ، إلا أنها كثيراً ما عاضدت الرأي العام ضد الملك أو الكنيسة بالرغم من أنها كانت تستمد من هؤلاء براءاتها وامتيازاتها . كذلك كان بيدها ميزان القوة والفصل فى الخصومات التي كانت تحدث بين الملك والكنيسة أو بين أحدهما والأمة ، وكثيراً ما ورد ذكرها فى الفصل فى مسائل الزندقة والإلحاد ، حيث خفضت من حدة ما كان يبديه البابوات أو ممثلوهم من آراء متطرفة .
- نظمت الجامعة الحياة العقلية كما نظمت الكنيسة الحياة الدينية وكما نظمت الحكومة الحياة السياسية ، فقد كانت جامعة باريس بوقاً عالياً للرأي العام فى وقت لم يكن الناس فيه يدركون معنى الرأي العام . والواقع أن جامعة باريس كانت صاحبة آراء متعددة ومواقف حاسمة فى تحديد ملامح سياسة المملكة الفرنسية ، وأيضاً فى توجيه دفة الأمور فى البابوية ، بل وأيضاً فى رسم خطوط سياسة غرب أوربا العصور الوسطى . لقد كانت جامعة باريس بحق العنصر الثالث فى الكومنولث الوسيط أو الثالوث العنيد : البابوية والإمبراطورية ثم الجامعة ، كما أنها كانت ذات صفة عالمية ، وذلك لأنها تضم طلاباً وأساتذة من بلدان مختلفة ، مما جعلها أشبه ما تكون بضمير غرب أوربا فى العصر الوسيط .
- كانت الجامعة تمثل مدرسة للروح الحديثة ، إذ كانت تعلم الأفراد كيف يفكرون ويتأملون ، وكيف يبحثون ويستفسرون ، وكيف يحصلون على المتعة والترفيه المعنوي . لقد محت الجامعة ظلمة العصور القديمة للأبد ، وبمعنى أدق يمكن القول أن أعظم ما قدمته للجنس البشرى ، هو أنها وضعت إدارة شئون الإنسان وحكم البلاد فى أيدي الصفوة المتعلمة . فإذا كان الملوك والحكام والطبقة الأرستقراطية غير متعلمين ، فإنهم جميعاً كانوا يقومون بأعمالهم من خلال أفراد جامعيين متعلمين تعليماً رفيع المستوى . كذلك أخذت الروح الجامعية تسير بنوع من التجاوب بين الأساتذة والطلاب حتى جعلت من الجامعة نموذجاً فريداً للحرية الفكرية والتعاون العلمي وسط تيارات العصور الوسطى وأحداثها الصاخبة ، فانبعثت من الجامعة كثير من الأفكار التي دعت إلى هداية الناس ، ورسمت لهم على أسس سليمة صحيحة سبل الخلاص والنجاة ، وغدت تقف على قدم المساواة مع البابوية والإمبراطورية فى توجيه أحداث المجتمع الأوربي . لقد ظلت الجامعة ترقى طيلة العصور الوسطى فى مدارج الزعامة والقيادة ، حتى قدمت للعصور الحديثة أعظم نبراس مازلنا نتلمس بواسطته الضوء فى العلم والتعلم .
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة