"الصيرفة والجهبذة في العراق ( 101 ـ 350 هـ / 719 ـ 961 م )"
ماهر عبد الغني أحمد دعوب القاهـرة دكتوراه 2006
"يهدف موضوع الصيرفة والجهبذة إلى دراسة وتتبع النشاط المالي في العراق وأثره في الخلافة ، ومؤسسات الدولة وحياة المجتمع . فقد بينت لنا الدراسة أن المجتمع الإسلامي عرف النشاط الصيرفي منذ عصور الإسلام الأولى ، وما كان يقوم به ابن عباس وابن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ من خدمات صيرفية له دلالة على وجود هذا النوع من الأداء المالي . غير أن هذه الخطوات ما لبثت أن لحقتها خطوات أخرى طورت من شأن الصيرفة وجعلت منها عملاً مالياً منظماً .
بدءاً من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي ، أصبح للصيرفة شأن ومكانة مرموقة لدى السلطة وفي الوسط الاجتماعي ، حيث أخذوا في تقديم القروض للدولة ولمن يحتاجها من الوزراء وأفراد الحاشية وتجار الجملة وغيرهم ، نظير أجر يتفق عليه مقدماً ، كما قاموا بقبول الودائع وحفظها واستثمارها ، مقابل هامش ربح معلوم ، الأمر الذي جعلهم يتميزون بالثراء ووفرة النقود نتيجة لضخامة الأموال التي يستثمرونها .
لم يكتف الصيارفة بهذا الأداء المالي ، بل وظفوا أموالهم في التجارة الدولية وعبر المسافات البعيدة ، وذلك بالإسهام في إنشاء الشركات التجارية المتعددة ، أو الإسهام في توسيع دائرة نشاط المضاربة ، الأمر الذي شجع على انتشار الأساليب الصيرفية والوسائل الائتمانية على امتداد البلدان التي تعاملوا معها .
وبجانب هذا الدور المالي والاستثماري تميز الصيارفة بدور فني في التعامل مع العملات الذي يعتمد على الخبرة الواسعة في معرفة النقود المتداولة وطرق تقييمها والإلمام بأوزانها ، وتمييز جيدها من رديئها ، والتعرف على أسعار صرفها والعوامل المؤثرة فيه ، وكشف التزييف والتزوير الذي قد يحدث عليها أحياناً ، الأمر الذي جعل من الصيارفة ركيزة مهمة في السوق ومرجعية فنية لها خصوصيتها ، فعمليات التبادل والبيع والشراء ، مرهون بكلمة الصيرفي الفصْـل في النقد المتداول .
لقد مارس النشاط المالي عدد من الطوائف والأجناس ، مارسه العرب المسلمون والمسيحيون ، ومارسه اليهود والمجوس وغيرهم ، مما يعطي انطباعاً على أن الحضارة الإسلامية تميزت بشموليتها وغناها وعطائها ، ولعل الذي ساعدهم في أداء مهامهم هو تكوينهم شبكة متينة من العلاقات الاجتماعية الواسعة مع نظرائهم في بعض مدن العالم الإسلامي التي من خلالها يتابعون أخبار سعر الصرف وما قد يطرأ عليه من تغير .
لم تترك السلطة مجال السوق مفتوحاً أمام الصيارفة ، فكلفت المحتسب بممارسة الرقابة والكشف عن عمليات الغش والتدليس في الوزن والعيار أو التزوير في النقود وغيرها ، وله كافة الصلاحية في إنزال العقوبات التعزيرية على من يكتشف بالتحايل والتلاعب في الأسعار والأوزان وغيرها .
إن ما قام به الصيارفة من نشاط مالي متميز خلق منهم فئة امتازت بالثراء ووفرة المال مما جعلهم عرضة للمحن والنكبات سواء من السلطة عن طريق المصادرات التي كان يقوم بها بعض الخلفاء والوزراء والأمراء ، أو من اللصوص الذين كانوا يتعقبونهم بغية سرقتهم والسطو على ممتلكاتهم وأموالهم .
ويأتي دور الجهابذة ليعزز موقف الصيارفة المالي ولا غرو ؛ فهم الضليعون بأمور النقد والعد والحساب والمبادلات وغيرها من الأمور الفنية . وهم الخبراء في دواوين السلطة وما كان يتطلبه عملهم من دراية وعلم بفن الإدارة والتنظيم والجمع والحساب وغيرها ، لذلك استطاعوا الجمع في عملهم بين الأداء الإداري والعمل المحاسبي وتضلعوا في ذلك حتى أضحوا جهابذة في تخصصهم .
قام الجهابذة بأداء إداري ومالي ورقابي متميز في العراق فقد كان لهم دور بارز في معظم دواوين السلطة ، ويظهر أثرهم في إعداد الختمات الشهرية وتحرير البراءات وترتيب سجلات الدخولات والنفقات وغيرها من الأمور التي لا يحسن القيام بها إلا هم نتيجة لما يتمتعون به من خبرة ودربة ومران . وبجانب الأداء الإداري قام الجهابذة بدور مالي فقدموا القروض للسلطة ولبعض المتنفذين في المجتمع فأسهموا بذلك في تنشيط الحركة المالية وتفعيلها ، فاستفادت منهم الخلافة في أزماتها المالية واستفاد منهم التجار والعامة .
كما كان للجهابذة دور مالي آخر يتمثل في قبولهم الودائع باعتبارهم المكان الآمن نسبياً لحفظ الأموال وتأمينها واستثمارها وإبعادها من خطر المصادرة ، فوضعوا لذلك نظاماً إدارياً محكماً يصعب حتى على الدولة أحياناً التعرف على مودعيهم .
ازدادت أهمية الجهابذة لدى السلطة بدءاً من بداية القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، وذلك حينما قاموا بتأسيس الصندوق المالي الذي يقوم على إقراض الدولة بالمال متى ما احتاجته ، وتقديم المشورة الفنية لها لإقالتها من عثرتها وأزماتها المتكررة مقابل ضمان جباية خراج بعض المقاطعات ، ولم يكن الجهابذة ينجحون في أدائهم المالي إلا بوقوف وتضامن جهابذة بعض الأقاليم الإسلامية معهم ومدهم بالمال اللازم عند احتياجهم له .
استمر الصندوق المالي في عمله ما يقرب من ستة عشر سنة ، ولم تستطع الدولة التعرض له بسوء خشية الخوف من الإمساك عن الدعم المالي لها .
وبجانب ذلك ، كان للجهابذة دور بارز مع الصيارفة في تأسيس وإنشاء الشركات التجارية المتنوعة ، وفي إشاعة التعامل بالوثائق المالية فوقعوا على الصكوك داخل المدن ، وحرروا السفاتج للمعاملات البعيدة ، وتعاملوا بالحولات . وترك عملهم آثاراً اقتصادية وفكرية وحضارية .
غير أن هذا الأداء المالي المتميز ما لبث أن تضعضع واضمحل بداية من الثلث الثاني من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي بسبب ظروف سياسية طارئة ، وتغير في الاتجاه الاقتصادي . ولعل النتيجة التي حققها أنه قد سد من حاجات المجتمع الذي نشأ فيه ."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة