التنمية المستدامة لعناصر الحركة في المناطق التاريخية حالة الدراسة مدينة الإسكندرية

منال محمد فتحى الشحات درغام عين شمس الهندسة التخطيط والتصميم العمراني دكتوراة 2005

  

   "تعد حركة المواصلات في المدن وعلاقتها المكانيـة بيـئياً وإجتماعيـاً وإقتصـادياً من أهم الموضوعات التي تم بحثها لإعـادة توظيـفها وتحسين خدماتها بالشكل الذي يتوافق مع الشكل الفراغي للطرقات والشوارع التي تتم فيها. كما أن التخطيط لنظم الحركه في الفراغات العمرانية سواء كانت الحركه الآلية أو حركة المشاة يتطلب دراسات متخصصه لتوظيفها بكل مدينة على حدي - خاصة التاريخية منها والتي لها طابع عمراني ونمط خاص للشوارع والمسارات الداخلية والفراغات العمرانية - من أجل تطبيق مبادئ ونظم الإستدامة والمحافظة على هذا الطابع التاريخي في ظل نظم حركة ومواصلات حديثة تواكب متطلبات العصر الحالي وإحتياجات الأفراد.

المشكلة البحثية تتضح في أن هناك حقيقة لايمكن تجاهلها، وهي كون أن المدن التاريخية في عالمنا العربي - والتي لها طابع عمراني له هوية مميزة تحمل العديد من المعاني والرموز الثقافية وبالأخص حالة الدراسة البحثية ""الحي التركي بمدينة الإسكندرية"" - تعاني من تدهور في الحركة والنقل بأحيائها المختلفة، ليس ذلك فقط وإنما تعاني أيضاً من التأثير السلبي لمخططات الحركة سواء القائمة أو المدرجة ضمن الخطة من حيث عدم إمكانية التوافق مع هذا الطابع العمراني الفراغي ونمط الشوارع والطرقات التقليدي الذي ميزها ويجب الحفاظ عليه. بالإضافة إلى ذلك فلقد أنتجت حركة التمدين ومدخلات الثورة الصناعية (آليات الحركة الملوثة للبيئة) إلى محاولات تخطيطية للحركة والمواصلات في هذه الأحياء التاريخية بدون الإعتماد على البعد البيئي. فإن معظم هذه المخططات لاتعبر عن شخصية هذه المدن وأصالتها وإنما هي أمثلة منقولة عن العالم الغربي الحديث بدون استيعاب لأدوات ومعايير التخطيط والتنمية لكي يكون التطبيق ليس فقط محاكاة هذه النماذج التي قد تختلف من حيث المجتمع و الطابع والمكان والظروف المحلية وإنما من خلال فهم لمدخلات وأدوات التنمية. ومن ثم الحصول على حلول واستراتيجيات تحاكي في نجاحها الأمثلة العالمية وتتناسب في مضمونها مع الشكل العمراني التاريخي الذي يرجى الحفاظ علية.

من ثم يهدف البحث ويؤكد الحاجة إلى التوصل إلى فكر ومدخل متكامل للمدينة المستدامة وتخطيط المدروس لشبكات عناصر ونظم الحركه الداخلية لكل نموذج تاريخي طبقاً لمعطيات وظروف وإمكانيات المكان.

الإطــار البحــثي:

وضع النهج والإطار العام للرسالة فى ثلاثة أجزاء رئيسية؛ إطار نظري وإطار تحليلي دراسي. انتهي بالإطار العملي التطبيقي على حالة الدراسة.

الجزء الأول: الإطار النظري

يتضمن هذا الجزء عرض ودراسة النظريات والمفاهيم والأسس العلمية التي بنيت عليها علوم التنمية المستدامة للمدن بشكل عام والتنمية المستدامة للحركة بشكل محدد. بالإضافة لعرض تحليلي لأسس تصميم الشوارع والطرقات في العصور التاريخية المختلفة للمدن العربية والأوروبية، والمقاييس أو المعايير التي أثرت في تكوينها وتصميمها. كما يتم التعرف على عناصر الحركة التي صممت لها والقواعد التي حكمتها حتي وصلت لهذه الصورة التقليدية التاريخية المتميزة.

وتنقسم الدراسة النظرية إلى فصلين: الأول منها يشمل الأبعاد والمفاهيم المختلفة التي أثرت وأظهرت دور التنمية المستدامة لعناصر الحركه بتطبيقها على الأحياء التاريخية بشكل خاص. أما الثاني فتتناول الدراسة التحليلية للطابع العمراني لأنماط الطرق والشوارع في المدن التاريخية وتطورها عبر التاريخ سواء بالمدن العربية أو الأوربية وشكل تطور الحركة بها. كما تتعرض الدراسة للعلاقات المختلفة بين وظيفة الطرقات والشوارع والفراغات العمرانية، وشكل وقالب الفراغات العمرانية التي تحويها. أيضاً أنواع وأشكال الحركة سواء المشاة أو المركبات غير الآلية أولاً ثم تطورها إلى المركبات الآلية وتأثيرها على شكل وخصائص الفراغات العمرانية قبل وبعد الثورة الصناعية.

الجزء الثاني: الإطار التحليلي الدراسي

من خلال دراسة وقراءات مستفيضة للعديد من الأبحاث والمراجع التي تناولت تطبيقات التنمية المستدامة في النماذج الأوروبية، أظهرت معظم هذه الأبحاث أن التطبيقات الألمانية تعد من رواد التخطيط لعناصر الحركة الصديقة للبيئة في ظل تحقيق التنمية المستدامة لمدنها التاريخية. يتعرض هذا الجزء لتحليل وشرح كون هذه الريادة تتمثل في عدة أسباب؛ منها كون المدن الألمانية تعد من أوائل المدن الأوروبية في إنشاء خطوط السكة الحديد والترام في قلب المدن مع نهايات القرن التاسع عشر، بالإضافة لكون التفكير في التخطيط لعناصر الحركة الصديقة للبيئة قد ظهر منذ العقد الثالث من القرن العشرين – وذلك بتطبيقه فقط على مدينتين، وطبقت هذه الأفكار التخطيطية ذات البعد البيئي بشكل أقوي وأشمل بعد الحرب العالمية الثانية في ظل ظروف المدن الألمانية التي تحطمت. وصلت عندها المدن الألمانية إلى تطبيق مخططات أشمل للعديد من المدن التاريخية حتي وصلت إلى  340 مدينة ألمانية في عام 1976 . وبالتعرف على مجموعة من النماذج الألمانية كل منها بفكر تخطيطي مميز وأساليب حلول مختلفة للحركة والمواصلات بالرغم من إتفاق الشكل العمراني وأنماط الفراغات العمرانية ومسارات الحركة في معظم هذه النماذج.

يتناول أولاً هذا الجزء أسباب وأبعاد التنمية المستدامة في المدن الألمانية التاريخية بشكل خاص كنماذج جيدة لأساليب تطبيق وتحقيق مبادئ التخطيط للتنمية المستدامة ، كما يوضح الأسس والإستراتيجيات التي وضعت لإعادة إحياء المدن التاريخية، بعد تدميرها كلياً أو جزيئاً أثناء الحرب العالمية الثانية، والتخطيط للحركة والمواصلات بها وتأثيرها على الطابع العمراني التاريخي.

لذلك تمت دراسة 7 نماذج مختارة من المدن الألمانية ذات الطابع تاريخي تم المحافظة عليه في إطار التخطيط للحركة والمواصلات الصديقة للبيئة من أجل تحقيق المدينة المستدامة. وقد تناولت الدراسة ثلاثة مقاييس من حيث عدد السكان: المدن الكبيرة مثل ميونيخ وكولونيا، والمدن المتوسطة مثل فرانكفورت وبريمن ونيوربرج، والمدن الصغيرة مثل مينستر وفرايبورج. وهذه المدن تختلف أيضاً من حيث الوظيفة فقد تكون صناعية أومدن جامعية أومدن إقتصادية أو مدن سياحية.

وكانت نتيجة مناقشة النتائج وتقييمها بالتحليل المقارن وجد أنه بالرغم من المتغيرات المختلفه بكل مدينة يوجد اتفاق بين معظم المدن محل الدراسة في أساس التخطيط للحركة والمواصلات في قالب الحفاظ علىالمدينة بطابعها التاريخي والبيئي.

الجزء الثالث: حالة الدراسة ""المدينة التركية بالإسكندرية"" - تحليل وتطبيق

وتتكون من ثلاثة فصول:

الفصل الأول منها عرض تاريخي لتطور مدينة الإسكندرية العمراني وطابع وأنماط الطرق ومسارات الحركة المستخدمة في كل حقبة زمنية. شملت الدراسة التاريخية التأكيد على التعريف بموقع منطقة الدراسة زمنياً ومكانياً. وأكدت على كون أن موقع المنطقة - والذي بني على أرض ركام لم يكن موجود مسبقاً بين جزيرة فاروس وشاطئ مدينة الإسكندرية - هو أقدم كتلة عمرانية ظلت ولم تندثر كما حدث في معظم أجزاء المدينة الإغريقية والرومانية للإسكندرية، والتي أصبحت بعدها الأساس العمراني لمدينة الإسكندرية الحالية التي تطورت الكتلة الحديثة للمدينة إنطلاقاً منها.

الفصل الثاني يشمل الدراسة العمرانية، ودراسة الحركة والمواصلات بمنطقة الدراسة للتعرف على الوضع الحالي لخدمة حركة النقل بالمنطقة والمشاكل التي تواجهها مثل تداخلات حركه المشاه مع الحركة الألية. بالإضافة الى التعرف على التغييرات العمرانية الناتجة عن مخططات الحركة على الطابع العمراني. أثبت الدراسة التحليلية أن المخططات المستقبلية المقترحة، أولاً: وضعت قديماً منذ بداية القرن العشرين ولم يتم تطويرها أو إدخال تعديلات عليها كما أنه متأثر بالفكر التحديثي الذي ساد في أوروبا في هذا العصر وأفكار الهاوسمان التخطيطية بعمل عمليات جراحية لتقسيمات الأراصي ومحاور الحركة، ثانياً: قد أثبتت أيضاً فشلها في الحلول المرورية؛ على سبيل المثال, شق شوارع عريضة تصل إلى 25 م حول منطقة مجمع المساجد لإستيعاب الحركة المرورية بينما هذه المحاور بوضعها الحالي ليس عليها حجم مروري حتي المتوسط الذي يتطلب هذا، كما أنها أنتجت بيئة عمرانية غريبة على هذا المجتمع غير ملائمة للظروق المحلية وهذا بالطبع يخالف مبادئ الإستدامة بوضوح.

وقد أكدت الدراسة التحليلية - سواء للوضع الحالي أو بعرض مخططات الحركة والنقل المستقبلية الموضوعة للمنطقة  - أن معظم هذه المخططات لم يتم مراجعته وتعديلة ليتوافق مع كل مرحلة زمنية أو ليحاكي الإتجاهات الحديثة المتطورة في التخطيط للحركة في ظل الإستدامة كما أتضح ذلك في النماذج الدراسية الألمانية بدأً من العقد السادس من القرن العشرين. وبالتالي فإن المناطق التاريخية كما هو في حالة الدراسة البحثية قد تأثر طابعها العمراني وأنماط ومخططات الطرق والشوارع بشكل واضح من حيث فقدان الصفة الذاتية أو الهوية الخاصة بها فلقد أثر التخطيط للحركة الآلية على شكل وخصائص الشوارع فظهرت الشوارع المستقيمة العريضة المستعارة من النماذج الأوروبية والأمريكية. وتسبب هذا إلى تدهور ُمشوش لحضارة عمرانية دامت أمتدت وتطورت على مدي 200 عام وعمليات تدمير وإزالة الكثير من النسيج العمراني التاريخي.

والفصل الثالث اهتم أولا بالتعرف على المعايير والأدوات التي استخدمتها المدن الألمانية طبقاً للعوامل والظروف الخاصة بكل حالة. وهذا الإيضاح اعتمد على عمل مقارنة بين هذه المدن من حيث المؤشرات التخطيطية المستخدمة بكل منها. ومن ثم ثانياً بإستخدام الأسلوب الجيد التنظيمي وطرق التعامل مع معطيات المنطقة التاريخية وخلفياتها التاريخية، تقدم الدراسة محاولة لتطبيق إستراتيجيات وآساليب حلول التخطيط الحركة والمواصلات للتوصل إلى أسس التنمية المستدامة لعناصر وشبكات الحركة والمواصلات التي تتوافق وتحافظ على هذا الطابع العمراني التقليدي من خلال مدخل متكامل خلاق ومتناسب دون محاكاه.

إستخلصت الدراسة إلى التوصل إلى اسلوب وبرنامج بقواعد تنظيمية للتخطيط للحركة والنقل المستدام في المنطقة أو المركز التاريخي، والذي يراعي الطابع العمراني التقليدي المميز لها. كما اقترحت الدراسة إتخاذ هدف أساسى لإدراك إستدامة الحركة في مثل هذه النماذج التاريخية، وهو بأن التخطيط أولا لشبكات مرورية لعناصر الحركة الصديقة للبيئة بكافة أنواعها وبدائلها الصديقة للبيئة المستدامة بالإضافة للتخطيط لحركة النقل العام هما الأدوات الأساسية لإيجاد المدينة المستدامة وليس بإستخدام الهيكل العمراني فقط والأنماط المختلفة للشوارع والطرقات - إما بالتوسعة أو بشق طرق مستقيمة جديدة في القالب العمراني القديم – كأدوات لحلول التخطيط الحركة والنقل والمواصلات.

تنتهي الدراسة بالتوصل لمخطط هيكلي يتضمن اقتراح مجموعة إستراتيجيات وأدوات تخطيطية تعتمد على إمكانيات المكان ومحدداته كنموذج تاريخي وإعتماداً أيضاً على مؤشرات ومعايير التنمية المستدامة لعناصر الحركة ومخططاتها."


انشء في: اثنين 12 نوفمبر 2012 14:10
Category:
مشاركة عبر