الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقـانون الوضعي في مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين

سحر أحمد المنياوي القاهرة دار العلوم الشريعة الإسلامية دكتوراه 2009

                                                "لقد مرّ الفقه الإسلامي منذ نشأته بعدة أطوار مختلفة- شأنه في ذلك شأن باقي الشرائع- من طور النشأة إلى أطوار النضج والكمال ثم أطوار التقليد، وأثّرت فيه عوامل متعددة، وتنوعت مصادره خلال تلك المراحل. ولقد كثرت –حديثًا- المؤلفات التي عنيت بدراسة تاريخ الفقه ومراحل تطوره المختلفة، وتنوعت مناهجها، واختلفت موضوعاتها حسب أهداف مؤلفيها، وما يرونه ملائمًا لموضوعات تاريخ الفقه.

فمنهم من يُفَصِّل في بيان معنى الاجتهاد والتقليد ومراتب المجتهدين والمقلدين، وأطوار الاجتهاد، وأسباب ظهور المذاهب الفقهية أو اندراسها، أو يتوسع في ذكر تراجم الأعلام من مجتهدين ومقلدين في كل عصر ومؤلفاتهم، وتلاميذهم، ومنهم مَن يختصر ذلك. ومن المؤلفين من يستفيض في سرد أحوال المسلمين السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليبيّن أثرَها على تطور الفقه أو جموده، ومنهم مَن يقارن بين الشرائع التي ظهرت قبل الإسلام، ويبين ما أَقرَّه الإسلام منها وما نَسخه ليصل إلى تفرد الشريعة الإسلامية وكمالها، ومن المؤرخين من يقتصر على بيان أهم ملامح ومميزات كل عصر تيسيرًا للدارسين والطلبة إذا كان الغرض من مؤلَّفه تعليميًّا، وكل ذلك وغيره من الموضوعات يدخل في مادة تاريخ التشريع. ولقد اختلف المؤرخون في تفسيراتهم لبعض الظواهر التي عرضت للفقه الإسلامي في تاريخه، كاختلافهم في تفسير أسباب انتشار فقه الرأي في العراق والأثر في المدينة، ولماذا رفض بعض الفقهاء اعتبار القياس من مصادر الأدلة الشرعية، وأسباب انتشار مذاهب فقهية           معينة في أقطار بعينها دون غيرها، وغير ذلك من ظواهر وعوامل أثرت في مراحل تطور الفقه.

كذلك اختلف المؤرخون في تقسيماتهم لعدد الأدوار التي تطور خلالها الفقه الإسلامي، والفترة الزمنية التي استغرقها كل دور، فمنهم من جعلها ثلاثة أطوار فقط: ( )

طور النشأة في العهد النبوي، ثم طور النضج أو الاجتهاد وأئمته في المذاهب ويمتد إلى ما بعد المائة الثالثة، ثم طور التقليد (ويسميه البعض طور الجمود أو الشيخوخة) ويمتد حتى الآن في رأي البعض، وحتى القرن الثالث عشر الهجري في رأي البعض الآخر.

وأغلب المؤرخين جعلوا أدوار الفقه أربعة، وبينهم خلاف بسيط في مدة كل دور( )، فذكروا أن:

الدور الأول هو عصر التشريع في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم -  ثم عهد الصحابة حتى نهاية القرن الأول الهجري هو الدور الثاني، ومنهم من يصل بهذا الدور إلى سقوط الدولة الأموية عام 132 هـ؛ لأن الدولة الأموية كانت عربية في جميع عناصرها، فهي بذلك استمرار لسيادة العرب زمن الخلفاء الراشدين، كما أن التشريع لم يختلف كثيرًا في هذين العصرين، ونهاية هذا الدور هي بداية ظهور الأئمة المجتهدين والمذاهب الفقهية، والدور الثالث هو عصر الدولة العباسية حتى سقوطها في بغداد عام 656 هـ؛ لأنه عصر الاجتهاد بأشكاله المختلفة، المستقل والمقيَّد داخل المذاهب الفقهية، ويأتي الدور الرابع من منتصف القرن السابع حتى الآن ويسمونه عصر التقليد المحض.

ومنهم مَن يقسم عهد الدولة العباسية إلى قسمين( ) : فيجعل الدور الثالث حتى منتصف القرن الرابع، وهو قسم ظهور الأئمة المجتهدين ونضوج الفقه وتدوينه، ويصل بعضهم بهذا الدور حتى نهاية القرن الرابع، والدور الرابع هو دور التقليد، ويمتد حتى الآن . والذين اهتموا بالتأريخ للمذاهب الفقهية قسموها إلى( ):

الاجتهاد في عصر النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم الاجتهاد في عصر الصحابة، ثم الاجتهاد في عصر التابعين، ثم الاجتهاد في عصر تابعي التابعين والأئمة المجتهدين.

ومن المؤرخين من وصل بتقسيم أدوار الفقه إلى ستة( ) أدوار أو إلى سبعة، تبعًا لحال المسلمين السياسية والاجتماعية: فالدور الأول هو التشريع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كرأي أغلب مَن أَرَّخَ للفقه؛ لأنه الأصل الذي يستند إليه كل فقيه، وخالف البعض وحدّد الدور الأول بعد وفاته صلى الله عليه وسلم( )؛ لأن تاريخ الفقه يبدأ في رأيه  بعد اكتمال أسس التشريع بالوحي، وهذا الرأي له وجاهته لولا ما ثبت من وجود اجتهاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقتصر التشريع على الوحي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن التأريخ للتشريع يبدأ من بدايته وليس بعد اكتمال أسسه، والدور الثاني هو التشريع في عهد الخلفاء الراشدين، وهناك مَن يقسمه إلى قسمين هو الآخر، والدور الثالث هو التشريع في عهد صغار الصحابة حتى نهاية القرن الأول الهجري، والأَوْلى في رأيي ضم الدور الثالث إلى الثاني؛ لأنه عصر الصحابة، كما أن تفرُّق الصحابة في الأمصار، والذي أدى إلى هذا التقسيم، لم ينتج عنه خلاف واضح في المنهج الفقهي إلا في مرحلة لاحقة تدخل في القرن الثاني، وليس في هذه المرحلة التي يتشابه فيها منهج الفقه مع سابقه. والدور الرابع ينتهي بنهاية القرن الثالث الهجري، والدور الخامس يمتد حتى سقوط بغداد، وهو عهد تحقيق المسائل الفقهية، ونشطت فيه حركة الترجيح والتخريج في المذاهب الفقهية. والدور السادس هو التشريع في عهد التقليد المحض من منتصف القرن السابع للآن، وهناك مَن يُقسِّم هذا الدور إلى قسمين( ): الأول هو دور الانحطاط الفقهي ويصل به حتى ظهور مجلة الأحكام العدلية (سنة 1286 هـ )، والثاني من وقت ظهور المجلة إلى الآن، ويعتبرونه دور اليقظة الفقهية.

والواقع أنه لا توجد فواصل زمنية محددة لهذه المراحل، لأن الفقه لم ينتقل من دور لآخر دفعة واحدة، فالظواهر الفقهية متداخلة في أكثر من عصر، فلا تبدأ من دور معين وتنتهي بنهايته، بل تبدأ قبل هذا الدور وتنتهي بعده، بل قد تستمر في عدة أدوار، ولكنها تظهر بوضوح في دور ما، فتصبح من مميزاته، كما يوجد في بعض الأحيان تشابه بين الأدوار في السمات العامة، والتقسيمات ترجع في الغالب إلى رؤية المؤرِّخ وهدف الدراسة، ولمَن يتوجه بمؤلفه؛ فهل يؤرخ للفقه كعلم من علوم الحضارة الإسلامية ضمن باقي العلوم، أو هو يؤرخ لتاريخ الاجتهاد في التفكير الفقهي وتطوره، أو يدرس ظواهر فقهية أثرت على تطور الفقه ومسيرته كالتعصب المذهبي ليصل إلى أسباب جمود الفقه أو انحسار مجالات تطبيقه والسبيل للعودة به إلى مراحل النضج والتطور، أو غير ذلك من أهداف التأريخ العلمي.

وسأعرض في السطور التالية بإيجاز مراحل تطور الفقه الإسلامي -التي رأيتُ أنه ينقسم إليها- خلال تاريخه، مع ذكر بعض الظواهر التي أثَّرت في مسار الفقه التاريخي دون التوغل في سرد الاختلافات بين المؤرخين، ودون التعرض لأعلام الفكر الفقهي، وأشهر المفتين لبُعد ذلك عن الموضوع الذي ندرسه إلا الأئمة أصحاب المذاهب؛ لأن مذاهبهم أثرت على مجرى الفقه الإسلامي وتطوره، حتى نصل للعصر الحالي لنفهم الأسباب التي أدت إلى ابتعاده عن التأثير في واقعنا الحالي وهل ترجع هذه الأسباب للفقه وجموده كما يقال، أو ترجع لأسباب أخرى.

الدور الأول : التشريع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:

وهو الأصل الذي يستند إليه كل فقيه، فقد كمُل التشريع في هذا الدور بأصوله العامة وقواعده الكلية، وما لا بد منه من الأحكام التفصيلية، ولهذا يدرس منفصلاً عن الأدوار اللاحقة التي انحصر أثرها في التفريع على الأسس التي وُضِعت في هذا الدور. وتشمل مصادر هذا الدور: تشريع الكتاب ( القرآن الكريم )، والسنة النبوية، وما ورد من الاجتهاد

أولاً : الكتاب :

هو القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلَّغه رسول الله، ونُقل الينا بالتواتر. وقد كتب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في صحف متفرقة، وجمع هذه الصحف الخليفة الأول أبو بكر الصديق في مصحف واحد، وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان نُسخت عدة نُسخ من هذا المصحف، وأرسلت للأمصار الإسلامية لتكون الأصل الذي يقرأ منه المسلمون ويتعلمون تلاوته ( ).

ثانيًا : السنة :

هي البيان الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن من قول أو فعل أو تقرير. فالسنة شارحة للقرآن تبيِّن مجمله، وتُقيِّد مطلقه، وتؤول مشكَله. واختلف الفقهاء فيما إذا كانت السنة قد جاءت بأحكام زائدة عما في القرآن إما بوحي، وإما باجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والسنة لم تُدوَّن في عهد التشريع، بل حفظها الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن لهم بكتابتها حتى لا تختلط بالقرآن الكريم، وقد وُجدت بعض الصحف المدونة الخاصة ببعض الصحابة، لكن هذا لم يكن اتجاهاً عاماًّ. أما السنة العملية المبيِّنة لما أجمله القرآن من العبادات فقد تواتر العملُ بها من جميع المسلمين حتى وصلت إلينا. واختلف العلماء فيما وصلنا من السنة من غير تواتر، فقالوا إن أحاديث الآحاد إذا أسندت من طريق ثقات أفادت ودلَّت على الحكم الشرعي في المسائل العملية دون العقائد التي لا بد أن ترتكز على أدلة قطعية، أما السنة التي وصلت من طريق ضعيف فاختلفوا في صحة الاحتجاج بها في الفقه( ) .

وبنصوص القرآن والسنة التي تضمنت الكليات فقط دون الأحكام التفصيلية التي تركت للاجتهاد يكون القانون الشرعي الإسلامي الذي ارتكز على ثلاثة أسس: رفع الحرج فشرعت لذلك الرُّخَص، وتقليل التكاليف لرفع المشقة عن المكلفين، والتدرج في التشريع حتى يألفه المكلّف فيغيّر عاداته التي درج عليها ( ).

ثالثًا : الاجتهاد ( ).

هو بذل الفقيه وسعه في استنباط الحكم الشرعي العملي من نصوص الكتاب والسنة، وهو نوعان: أخذ الحكم من ظواهر النصوص إذا كان محل الحكم تتناوله هذه النصوص، وهذا فقه الكتاب والسنة، وأخذ الحكم من معقول النص إذا اتحدت العلة بين المنصوص على حكمه وغير المنصوص عليه، وهذا هو القياس.

واجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في حدود ضيقة؛ لأن الوحي كان ينزل من السماء فإذا أخطأ فيما يقرر من أحكام ينبهه الله تعالى بموضع الخطأ في قوله. واجتهد الصحابة كذلك، وكانوا يعرضون اجتهادهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيُقرِّهم إذا أصابوا ويبين لهم الصواب إذا أخطأوا، واجتهاد الصحابة ومن بعدهم ليس تشريعاً بل هو تفريع وتطبيق، ولذلك اعتبر البعض أن مصادر التشريع في هذا الدور هي الكتاب والسنة فقط، ولم يذكروا الاجتهاد في هذه المرحلة التي وضعت فيها أسس التشريع."

 

 

 


انشء في: أربعاء 1 فبراير 2012 19:59
Category:
مشاركة عبر