التطور التاريخي والأساس الفلسفي لحقوق الإنسان

ياسر محمد إسماعيل الهضيبي عين شمس الحقوق القانون الدكتوراة 2007 354

 

         "تعني فكرة حقوق الإنسان أن الإنسان يملك – بصرف النظر عن  جنسيته ، أو جنسه ، أو ديانته ، أو أصله العرقي ، أو القومي ، أو وضعه الإجتماعي ، أو الإقتصادي – حقوقاً لصيقة به حتى قبل أن يكون عضواً في مجتمع معين ، على أنه لا يمكن النظر إلى تلك الحقوق نظرة مجردة فلسفية بل يتعين النظر إليها في إطار حضارة وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان .

وتشكل مسألة تقسيم حقوق الإنسان أهمية كبيرة بالنظر للآثار المترتبة على إعتبارها حق من الحقوق مدنياً ، أو سياسياً ، أو اجتماعياً ، أو اقتصادياً ، أو ثقافياً من حيث مضمون الحق وأساليب الرقابة على تنفيذه وحمايته وضمانه سواء في القانون الدولي أو الداخلي ، ويجدر الإشارة إلى أن الأهمية أصبحت متساوية بين فئات هذه الحقوق التي صارت تتضمن حقوق الأفراد والجماعات والشعوب .

ولقد تتبعنا خلال هذه الدراسة مدى اعتراف الحضارات والشرائع الوضعية القديمة بفكرة حقوق الإنسان فتناولنا حقوق الإنسان في مصر الفرعونية ، وأوضحنا أن فكرة ألوهية الملك لم تعني الحكم المستبد في مصر الفرعونية ، ولكن كانت هناك ضمانات في يد الشعب في مواجهة سلطات الفرعون . كما أوضحنا بعض النواحي التي تؤكد حماية حقوق الإنسان في مصر الفرعونية ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن حقوق الإنسان لم تحترم لدى أمة من أمم العالم القديم مثلما احترمت في مصر الفرعونية .

ثم استعرضنا شريعة بلاد ما بين النهرين ، وانتهينا إلى أنها شريعة أهدرت حقوق الإنسان كقاعدة عامة عرفت بعض الإستثناءات ، بل يذهب البعض إلى أن النظم القانونية والإجتماعية في إمبراطوريات الشرق القديمة لم تعرف مفهوم حقوق الإنسان كما عرفناه في هذه الدراسة ، فهذه الإمبراطوريات لم تعرف سوى الإستبداد المطلق .

أما عن الديمقراطية اليونانية ، فثمة اتجاه في الفكر الأوروبي لا يرى فيما خلفه الإغريق شيئاً يمت إلى الديمقراطية بصلة ، فالديمقراطية– بأي معنى – هي نظام منع الإستبداد بالشعب والإستئثار دونه بالسلطة ، وهذا كله يفترض ابتداءً وجود شعب من الأحرار المتساوين في الحرية ، ولم تكن المساواة في الحرية متوافرة في المجتمع اليوناني حيث ساد النظام العبودي ، وإنما هو تنظيم لجأت إليه القلة من الأحرار لممارسة الاستبداد بالسلطة وتقسيم وظائفها فيما بينهم فهو استبداد الأقلية .

وأفلاطون في جمهوريته المثالية كان يبحث عن طاغية يحكم المدنية بعدل ، وكان يتشدد في التمييز الطبقي ، وكان يقبل نظام الرق – لا على أنه مجرد واقع       إجتماعي – بل على أنه ظاهرة طبيعية ، وكانت قوانينه عن الجريمة قاسية لا ترحم ، وكان أول من وضع دفاعاً مسبباً عن الإضطهاد الديني .

وأرسطو بدوره لم يعترف بالرق كظاهرة تاريخية فحسب وإنما صاغ نظرية كاملة يبرر بها الرق ويدافع عنه ، كما صاغ أيضا حججا وأسانيد عديدة ليقيم منها نظرية فلسفية متكاملة يستمد جوانبها من ميادين البولوجيا والسياسة والأخلاق ، ليجعل من المرأة كائنا ادني يستند في إثبات دونيتها إلى الطبيعة التي يراها لا تفعل شيئا باطلا .

ثم جاء الإسكندر الأكبر وبينما كانت فتوحاته تقلل من شأن الآراء الإغريقية القديمة عن "" المدينة – الدولة "" المحدودة ، كان المفكرون الإغريق يصوغون نظرة أكثر فردية وأكثر شمولا تمثلت – فيما يهمنا – في الفلسفة الابيقورية والفلسفة الرواقية ، أما الفلسفة الابيقورية فقد انتهي بها الأمر إلى القول بالحكم المطلق والتضحية بالحقوق والحريات الأساسية للإنسان ، وأما الفلسفة الرواقية فبدت على استعداد لإعطاء الجمهورية الرومانية الأيدلوجية الإمبريالية التي تنقصها وتنتظرها .

أما القانون الروماني الذي يعتبره البعض أعظم تراث أورثه العالم القديم للعالم الجديد ، والذي يذهب بعض أخر إلى أنه من أعظم عناصر المدنية الحديثة فإن الحقيقة أنه رغم الشكل الفني العظيم الذي صيغت به قواعده ، إلا أنه كان فى بدايته ممثلاً فى قانون الالواح الإثنى عشر قانوناً فظاً في قواعده قاسيا في أحكامه ، ويكفي سيطرة مبدأ الشكلية على إجراءاته حيث كانت اقل هفوة في الصياغة الشكلية تؤدي إلى بطلان التصرف القانوني برمته ، وحيث غاب دور الإرادة عن التعاقد والالتزام والحق أن القانون الروماني كان مرآه انعكست عليها معالم الغلظة والقسوة التي سادت المجتمع الروماني ، وقد حفل هذا القانون من جانبه بالعديد من الأمثلة التي تكشف اللثام عن هذه الطباع فمثلا السارق إذا ضبط إثناء ارتكابه جريمة السرقة فانه يجلد ويسلم إلى المجني عليه كعبد إذا كان ذلك المتهم حرا ، أما إذا كان المتهم عبدا فقد كان عرضة للجلد والموت وكان القانون الروماني يسمح باستخدام التعذيب لانتزاع الاعتراف من احد العبيد وكانت الوسائل المستعملة تتمثل في جميع أنواع الجلد وباقي وسائل التعذيب البشعة التي ورثتها العصور الوسطى عن روما وظلت  تستخدم طيلة قرون عند كل تحقيق خاص ولم يتحرر من هذه المسالب الا بعد تطور وبخاصة تحت تأثير اعتناق مذهب القانون الطبيعى الإغريقي الأصل وتأثره بأحكام الدين المسيحي .

ثم سادت الأنظمة الإقطاعية العصور الوسطي تماما كما سادت دولة المدينة العصور القديمة ، بحيث كانت الإقطاعيات وراثية وشبه مستقلة ، وكان المجتمع في تلك الأوقات يتكون من الأحرار ورقيق الأرض ، وكانت حقوق الأفراد مهدرة تماما ، إذ كان على قن الأرض أن يعمل عند المالك كثيرا من أيام السنة مسخرا من غير أجر ، وكانت الاحتكارات عديدة ولابد للاقنان من قبولها صاغرين ، فكان على قن الأرض الذي لا يملك قط شيئا من الأرض أن يطحن حبوبه ويخبز خبزه ويعصر عنبه في مصنع السيد أو فرنه أو معصرته ، وكان من حق السيد أن يضرب قن الأرض أو يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال دون أن يخشى عقاباً ، وقد بقي حق الليلة الأولي بصورته البغيضة في بافاريا حتى القرن الثامن عشر ، وكانت العقوبات الإقطاعية قاسية قسوة وحشية .

وكان عدم التسامح الديني مسيطرا و نشأت محاكم التفتيش التي قننت استخدام وسائل التعذيب البشعة ، بموافقة كل من الباباوات إنوسان الرابع ، وكليمان الرابع ، والإسكندر الرابع ، ويقرر ول ديورانت أننا ( لابد أن نضع محاكم التحقيق في مستوى حروب هذه الأيام وإضطهاداتها ، ونحكم عليها جميعا بأنها أشنع الوصمات في سجل البشرية كله ، وبأنها تكشف عن وحشية لا نعرف لها نظيرا عند أي وحش من الوحوش ) .

فقد كان موضوع حقوق الإنسان محورا لصراع طويل أريقت فيه دماء الضحايا دفاعا عن الحقوق الأساسية للإنسان وعلي رأسها حق الإنسان في الحياة ولقد نجح نضال الشعوب وتضحياتها في إصدار مجموعة من إعلانات الحقوق منها العهد الأعظم في انجلترا (1215) وملتمس الحقوق (1682) وإعلان التسامح (1687) وإعلان الحقوق (1776) وإعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا (1789) وهذه كلها تعبر عن إرهاصات لحقوق الإنسان بمفهومها التقليدى الذى استقر بصدور الإعلان العالمى لحقوق          الإنسان 1948 .

ولقد قامت اغلب دول العالم بتضمين دساتيرها بعض المواد التي تكرس وتحمي حقوق الإنسان ، بل لقد توالى تطور حقوق الإنسان في مرحلة الجهود الدولية السابقة على إنشاء منظمة الأمم المتحدة و بدء ظهور التنظيم الدولي لحقوق الإنسان .

كما أن فكرة حقوق الإنسان منذ فجر التاريخ وعبر عصوره المختلفة قد شغلت عقول الفلاسفة والمفكرين وقد لعبت المذاهب الفلسفية – على تفاوت بينها – ادوار بارزة من حيث التأكيد على جوهر حقوق الإنسان ووجوب حمايتها إلا أن الفلاسفة اختلفوا فيما بينهم حول الأساس الفلسفي الذي يمكن أن يمثل مظلة لحماية حقوق الإنسان  وكان أهم اتجاهان هما نظرية القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية كأساس تقليدي لحقوق الإنسان .

والاتجاه الأخر الذي ينتقد نظرية القانون الطبيعي كمرجعية لتلك الحقوق ، أو ما يسمى بالأساس الوضعي لحقوق الإنسان .

وكان من أنصار نظرية القانون الطبيعي جروسيوس + بوفندورف + هوبز + جون لوك + ثم روسو ، فجروسيوس الذي جاء مبشر بالفردية القانونية والتي قام على أساسها مبدأ سلطان الإرادة فيما بعد ، فقد اهتم جروسيوس بإضفاء أساس للقانون الطبيعي مستقل عن كل عقيدة دينية مقررا ان الطبيعة الإنسانية العاملة هى بذاتها التي تقدم أساس هذا القانون .

أما بوفندورف فيري أن أي مجتمع لابد أن يقوم على عناصر أربعة هي : السيادة ، ونوع الحكومة ، وقوة الدولة ، وعدد السكان ، ويصف هذه العناصر بأنها خلقية لأية حياة اجتماعية مناديا بوجود حقوق طبيعية للأفراد .

أما توماس هوبز الذي سلم تسليما كاملا بأخلاق السوق وأخلاق المصلحة الذاتية اللتين نشأتا في عصره ، ولقد استخدمهما ليبين حاجة الملاك إلى إنشاء وإطاعة حكومة تحافظ على النظام من خلال سلطة مطلقة ، وبهذه السلطة المطلقة أهدر هوبز حقوق الفرد وحرياته الأساسية ووضع أساس النظم الشمولية والمعاصرة له والتالية له .

أما جون لوك فكان يشعر أن الناس في استطاعتهم أن يصيغوا قوانينهم الأخلاقية والسياسية بأنفسهم ، فقد كانت وعود لوك بالحقوق والحريات العامة إنما كانت دفاعا عن حرية طبقته السياسية فحسب ، ولكن يحسب له انه اول من نادى بوجود حقوق فردية للانسان فى حالة الفطرة وان تعاقد الافراد على انشار كيان سياسى لم يترتب عليه تنازلهم عن هذه الحقوق التى تلتزم السلطة العامة بحمايتها وضمان احترامها .

أما جان جاك رسو فقد أدت صياغته لنظرية العقد الإجتماعي لا إلى الدفاع عن حريات الأفراد بل إلى تبرير الاستبداد بالحرية على الأقل في بعض جوانبها غير     انه نادى بوجود حقوق فردية على السلطة العامة مراعاتها بالقدر الذى يضمن حريات الافراد .

أما أنصار نظرية الأساس الوضعي لحقوق الإنسان فيرى هيوم أن التجربة هي المصدر الأساسي لكل القواعد والنظم ، فمصدر القانون هو التجربة فاستقراء الواقع يعكس مشاعر وأحاسيس تفرض نمطا معينا من الوسائل والأهداف ، ويتمثل مصدر القانون عنده في التجربة الإجتماعية ، فهي تؤدي بالإنسان إلى الوصول إلى مجموعة من المباديء والقواعد التي يحافظ عليها .

من هنا نجد أن هيوم قد قام بهدم اكبر قاعدتين قام عليهما الفكر الفلسفي على مدار تاريخه هما نظرية المعرفة وقاعدة فطرية الأفكار الإنسانية وبالتالى انكر وجود قانون طبيعى عقلى يمكن ان يكون مصدرا لحقوق طبيعية .

ويري بنتام أن المصدر الأول للقانون هو إرادة الحاكم ، وسبب وجود القانون وأساسه هو تحقيق المنفعة وهذا راجع لأن الطبيعة قد وضعت الإنسان بين محورين هما : اللذة والألم .

فقد هاجم بنتام كافة الأفكار المثالية ، وفصل بينها وبين فكرة القانون فصلاً تاماً واستعاض عن كل هذه الأفكار بفكرة المنفعة ولا محل لديه لفكرة قانون طبيعى عقلى يفرض حقوق طبيعية للافراد وما الحقوق التى تعطى للفرد الا خلق تشريعى وضعى مصدره الوحيد هو القانون الوضعى .

أما هيجل فيعد أول من استخدم اصطلاح فلسفة القانون ، ولكن من تصفح فلسفته نجد أنه لم يحاول تحديد الأسس الجوهرية لإطار فلسفة القانون ، وإنما عالج بعض مشاكلها الأساسية في إطار مشروعه الفلسفي ، وخلط بين فلسفة القانون والفلسفة العامة ومن استقراء انعكاسات فلسفة هيجل نجد أن هيجل أسس فلسفة سياسية وقانونية ترفع من مقام الدولة والقانون على الأفراد ، وتجعل الفرد مجردا من كل شيء ، ولهذا واستنادا على فلسفة هيجل قامت الايدولوجية الفاشية والايدولوجية النازية والماركسية .

ويعتبر كارل ماركس نبي الشيوعية العلمية ، وقد بلور في منتصف القرن التاسع عشر ما عرف بمذهب الشيوعية الماركسية ، وبنى آراءه على فكرة رئيسية مؤداها أن مجري التطور التاريخي يتكيف بصورة حتمية بفعل القوة الإقتصادية أكثر مما يتكيف بآراء الناس فيما يجب أن يحدث .

والواقع أن النظام الاشتراكي كما رسمه ماركس به العديد من المغالطات كما أنه لا يخلو من بعض الجوانب الايجابية التي تخدم مجموعة كبيرة من الأفراد .

ثم تعرضنا لنظرية الحقوق الفردية كما نادى بها فقهاء القانون العام كأساس لحقوق الإنسان ، ومن اشهرهم الفقيه اسمان الذي برر الحقوق الفردية بالشواهد المستمدة من دراسة التطور التاريخي للمجتمعات السياسية ، وأول حقوق الفرد لدى اسمان مكنته في إنماء خصائصه الذاتية ، وأفضل الوسائل لضمان هذا الإنماء ، هو السماح للفرد بأن يتولى ذلك بنفسه وعلى مسئوليته طالما أنه لا اعتداء منه على حقوق الغير ، كما يرى ان القانون من وضع الدولة ولكنها تلزم به وتتقيد بحدوده لأن القانون يجب ان يكون ملزما للدولة وللأفراد على السواء .

ومن فقهاء هذه النظرية أيضا العميد دوجي الذي يرى ان القانون ليس قواعد يرسمها مثل أعلى كما يرسمها أنصار القانون الطبيعي ، وليس تعبيرا عن مشيئة . بل يجد جوهره في الواقع الإجتماعي ، وهذا ما حاد بالبعض إلى اعتبار مذهب دوجي مذهبا وضعياً ، وأطلق عليه ما يسمى بالوضعية الإجتماعية غير ان دوجي ينكر الاعتراف بفكرة شخصية الدولة ويقول انها محض خيال .

والعميد هوريو هو من أنصار هذه النظرية حيث أبان عن شرعية فكرة الحرية الفردية من زاوية الفلسفة القانونية بوسيلتين الأولى : مستمدة من موضوعية مباديء العدالة والتقدم والثانية : من ان مسئولية الفرد عن تصرفاته تقتضي حريته في إتيانها ، ويفسر هوريو السلطة بالقول انها العنصر الذاتي الثاني من عناصر تشييد كيان الجماعة أما العنصر الأول فهو الحرية .

ثم تناولنا الأساس الدينى لحقوق الإنسان حيث استعرضنا حقوق الإنسان في الفكر الديني اليهودي ووجدنا أن الشريعة اليهودية برغم دعوتها إلى العدل والرحمة – كديانة – إلا أن اليهود انحرفوا كثيرا عن هذه المباديء وتجاهلوها في معاملاتهم واتجهوا نحو العنصرية والاستعلاء ، وإستعرضنا حقوق الإنسان في الفكر الديني المسيحي وقررنا أنه بالرغم من أن الديانة المسيحية يرجع إليها الفضل في نشر الفلسفة الأخلاقية نجد أن المسيحية أقامت نظام الحكم على فكرة الحق الإلهي المقدس ، وفي ظل تلك الفلسفة تعلوا السلطة فوق الحرية ، ويستند الاستبداد إلى أساس متين كما أن القانون الكنسي لم يعترف بحرية الرأي ، وساد مبدأ عدم التسامح الديني ، وأنشئت محاكم التفتيش لمواجهة الرأي وبذلك ابتعد القانون الكنسي عن المساواة والحرية .

ثم بحثنا فى الأساس الديني لحقوق الإنسان في الفكر الإسلامي فوجدنا أن فكرة حقوق الإنسان لها طابع الضرورة المؤسس على العقيدة وهو طابع يرتكز على معني الإنسانية ولقد حوت الشريعة الإسلامية نظرية متكاملة لحقوق الإنسان قبل ظهور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بثلاثة عشر قرنا من الزمان فقد جاء موقف الإسلام متوازنا فهو لم يغلب مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة كما فعلت الفلسفات الحرة والليبرالية ، ولم يغلب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد كما فعلت الفلسفات الاشتراكية بل وازن بين المصلحتين .

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام ضرورة التنوية على أن المباديء التي حرصت الشريعة الإسلامية على احترامها  تتطور بذاتها في التطبيق العملي لكي تواجه وتشمل كل التطورات التي تسفر عنها متطلبات الحضارة في مراحلها المختلفة ، لأن الشريعة الإسلامية شرعت للناس كافة وفي كل مكان وزمان وهي الشريعة الخاتمة .

ثم تناولنا طبيعة حقوق الإنسان ، وفي إطار معرفة هذه الطبيعة ومدى إلزامية قواعدها خصوصا عند القول بوجود قواعد آمرة مصدرها العرف فيجب ان نتفق على القدر المشترك فعلا بين الأنظمة الثقافية الكبرى في العالم ، وعلى الأخص في ضوء اعتراف المواثيق الكبرى بدرجة واضحة من الأولوية بحق الأمم في تقرير مصيرها ، وخصوصا حقوق الكيانات غير الفردية لذلك يجب إيضاح حقوق الإنسان بين عالمية المفهوم والخصوصية الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية ، و قررنا أنه يجب ان يتعين النظر إلى حقوق الإنسان في إطار حضارة وثقافة المجتمع ، الذي يصعب القول بأن العرف الغربي هو العرف العالمي وبان ما هو غربي من قيم يجب ان يكون عالميا . فعالمية حقوق الإنسان لا تعني فقط انها قيمة عالمية ، ولكن يجب ان يكون انتشار هذه القيمة أو القيم المشتركة ناتجا عن قبول جماعي وليس عن طريق فرض قيمة أوربية معينة

ثم تناولنا في نهاية البحث الضمانات القانونية لحماية حقوق الإنسان ، ليقيني أن الاعتراف بتلك الحقوق لن يحقق لها الاحترام والفاعلية المطلوبة ، ما لم تكن هناك ضمانات قانونية تعمل على حمايتها من العبث والانتقاص ، وقد رأيت من الحكمة البحث أولا عن أساس حماية حقوق الإنسان في النظريات الفلسفية المختلفة ثم تناولت بعد ذلك المنهج التطبيقي لضمانات حقوق الإنسان سواء على المستوي الداخلي ، أو في ظل التنظيم الدولي مع إشارتي إلى ضمانات حقوق الإنسان في الإسلام .

وأرى أخيراً .....

إن الخطاب بإحترام حقوق الإنسان موجه في المقام الأول للدول باعتبارها صاحبة السلطة ،ومحتكرة القوة في مواجهة الفرد،ولأن التجارب أثبتت أن الحكومات هي المتهمة بإساءة استخدام السلطة وانتهاك حقوق الأفراد وحرياتهم فإن الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية توجه خطابها دائما إلى الحكومات لاحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وعدم الاعتداء عليها ، بل وتدعوها إلى معاقبة المعتدي عليها من أفراد السلطة .

غير أن سيادة احترام حقوق الإنسان في المجتمع لا تتوقف على الدولة فقط ، وإنما تحتاج مجهودات مشتركة بين الأفراد والحكومة – فليس الفرد متلقيا للحقوق فقط وإنما هو مخاطب أيضا بواجبات إزاء حقوق الآخرين وحرياتهم ..."


انشء في: اثنين 12 نوفمبر 2012 14:20
Category:
مشاركة عبر