استدعاء شخصية صلاح الدين الأيوبي في الشعر العربي المعاصر
عين شمس الآداب اللغة العربية وآدابها الدكتوراه 2005 طارق عبد التواب كامل
"الخاتمة
ارتبط شعرنا المعاصر بشخصياتنا التراثية، وبخاصة شخصية ""صلاح الدين الأيوبي"" التي وجد فيها الشعراء مصدراً حيوياً من مصادر الإلهام ، ثراً بإيحاءاته ورموزه وصوره ، ومحفزاً على التعبير عن القضايا المعاصرة ومبرهناً في الوقت ذاته علي تواصل الحاضر بماضينا تواصلاً يفضي إلى تفاعل القضايا الراهنة مع التراث فتنكشف الحلول ،وتُسَدَّ الثغرات، ويحدث الإقتداء .
وشمل هذا الارتباط معظم الأقطار العربية ، بل إن من الشعراء العرب الذين هاجروا من أوطانهم ، ولاسيما شعراء المهجر الجنوبي ، ظلوا مرتبطين بالتراث، لذا وجدنا عدداً من هؤلاء الشعراء لهم وجود بارز على مسرح البحث في أكثر من جزء ، ومنهم:إلياس قنصل ، وأبو الفضل الوليد ، وجورج صيدح، وإلياس فرحات، مما يدل على أن الوعي بقضايا الداخل العربي مازالت تؤرق هؤلاء الذين فارقوا أوطانهم ومازالت مشاعرهم تعيش في أوطانهم.
وتنازع شخصية ""صلاح الدين"" عن استدعائها في الشعر العربي مرحلتان بارزتان: - المرحلة الأولي: مرحلة التسجيل ، حيث اقتصر الشعراء على وصف العناصر التراثية المتعلقة بشخصية ""صلاح الدين"" ، متناولين صفاته ، وأخلاقه وموقفه النبيل من الأسرى ، وحالوا أن يصوروا عظمته وتخلقه بأخلاق الفارس التي تستوجب الرحمة واللين للضعفاء ، والشجاعة والإقدام في المواطن التي تقتضي بذل الروح في سبيل إعلاء القيم والمثل العليا.
وظل تناولهم في إطار ما ثبت تاريخياً ، وما عرف عن الشخصية من مواقف وآراء ، دون أي محاولة لإضفاء أبعاد معاصرة ، أو تحميل الشخصية برموز تدل على العبء الحاضر والواقع المعيش.
- والمرحلة الثانية: مرحلة التوظيف سعى الشعراء إلي تجريد الشخصية من تاريخيتها لتلائم التعبير عن تجاربهم الخاصة ، وحاولوا استغلال طاقاتها الكامنة، فبعد أن كان الشعراء في المرحلة الأولى يعبرون ""عن الشخصية"" فهم في المرحلة الثانية ""يعبرون بها""، حتى استحالت في بعض إبداعاتهم إلي رمز قادر على الإشعاع المتجدد الذي من شأنه تحريك الركود المخيم علي أمتنا، واستنفار قواها، وبعث هممها.
بل إن من الشعراء في المرحلة الثانية مَنْ ابتكر ملامح جديدة لها أصالتها من الناحية الفنية والتي تنافس الحقائق التاريخية التي تُعَـدُّ روافد أساسية في عملية الاستدعاء.
ولما كانت شخصية ""صلاح الدين"" تعبر عن القومية العربية من كل أقطارها هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تمثل محكاً رئيسياً مع الآخر فنتج عن ذلك مجموعة من الإشكالات وفي بحثها تحددت معالم الشخصية واستجليت القضايا المتعلقة بها .
وهذه الإشكالات هي: الأنا ، والآخر ، وصلاح الدين مخلصاً.فقد نظر الشعراء إلى القضية الأولى: الأنـا، من ثلاث زوايا ، وجاءت كل زاوية لتكمل الرؤية الكلية، فمنهم من رأى مواطن القوة في الأمة ، ذاكراً الانتصارات الخالدة في ""حطين"" ، وهؤلاء الشعراء يحكمون بدافع رؤيتهم إلى الماضي أكثر من ميلهم للحاضر. وعبر الفريق الثاني بسوداوية عن حالة الخمول والعجز والخور الذي ينخر في عظام الأمة ، واصفين مظاهر الفساد سواء علي مستوى الشعوب أو الحكام، ويقف الفريق الثالث موقفاً وسطاً فهو لا ينكر الفساد ولكنه يؤمن بإمكان استئصاله ، ويرى مؤامرات تحاك لمحو الهوية وتعاظم لقوة الأعداء ،ويرى أيضاً في شخصياتنا التراثية عوامل أصيلة في ترسيخ الهوية وروافد تمدنا بالقوة .
وارتبطت رؤية شعرائنا المعاصرين للآخر في أثناء استدعائهم لشخصية ""صلاح الدين"" برد فعله لفعل ""الآخر"" وموقفه من قضايانا، فعند تقديره لرموزنا كان يحتفي به الشعراء احتفاء ينم عن أهمية إقامة علاقات سلمية معه، وحدث هذا عندما مدحَ غليوم إمبراطور ألمانيا ""صلاح الدين"" فوق قبره، فكتب أحمد شوقي مشيداً بموقفه واعتبره من قبل العظمة التي تقدر العظماء.
وحينما اعتدى الآخر فكان طبيعياً أن يكون رد الفعل مساوياً لهذا الاعتداء كرهاً وبغضاً، وانجلى ذلك في موقف الجنرال ""غورو"" الذي وقف علي قبر""صلاح الدين"" شامتاً ، فما كان من الشعراء إلاّ أن أظهروا حقده الدفين.
وانحصر العداء من شعرنا العربي في الغرب، سواء أن كان أوربياً أو أمريكياً. حيث لم تعرف منطقتنا استعماراً قادماً من الشرق عدا فترات الاجتياح المغولي كاستثناء يؤكد قاعدة مفادها أن الاستعمار سمة غربية توارثوها أباً عن جد دون رادع من دين أو باعث من أخلاق.
واستمر موقف الشعراء من الآخر يميل إلي الكره في غالبيته ، لارتباط الغرب الوثيق بالمظالم التي أصابت أمتنا، منذ أن سمحوا لليهود بإقامة وطن قومي في فلسطين، مروراً بإعلان قيام دولة إسرائيل، وحرب العدوان الثلاثي علي مصر ، ثم عدوان سنة 1967م وأخيراً احتلال العراق ، يتخلل كل ذلك المجازر الفلسطينية التي ظلت شاهد عيان علي ظلم الآخر واستبداده ، وتجاوز الآخر كل ذلك وطعن في صحة المقاومة المشروعة التي تساند قضايا عادلة يراد لها الخمود والسكون.
وأظهرت النتائج أمراً هاماً للغاية يفرق بين العداء القائم على رد الفعل وهو مشروع بطبيعته، وبين العداء الناتج على الأحقاد والكره للحضارة وهو مرفوض ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، حدث تفريق حاسم بين الآخر الباني للحضارة والآخر الغازي المعتدي، ووجد أن الآخر منقسم في داخله ، ويجب التعامل مع كل قسم وفق أفكاره، وأهدافه، ومبادئه.
وعن القضية الثالثة التي ارتبطت بصلاح الدين فهي قضية الخلاص أو الإنقاذ؛ فمثلها الشعراء من ثلاثة جوانب: الأول: حيث يستدعى ""صلاح الدين"" لإنقاذ الأمة من براثن الاحتلال ، ورأب الصدع الذي يكاد يقوضها .
والثاني: علق الشعراء آمالهم علي شخصية لها وجودها الحقيقي ، ورأوا فيها ""صلاح الدين"" قد بُعِثَ حياً ، ومن هذه الشخصيات :الملك فيصل بن الحسين ، والملك سعود بن عبدالعزيز ، والرئيس جمال عبدالناصر ، وكانت الشخصية الأخيرة هي الأوفر حظاً في إقامة علاقات بينها وبين ""صلاح الدين"".
ويأتي الاتجاه الثالث: رافضاً وجود شخصية مخلصة كائنة من كانت يعلق عليها مستقبل الأمة ، وأصر على أن استلهام شخصية ""صلاح الدين"" منقذاً من عوامل الانتظار المخادع بدعوى أن في عودته يؤدي إلى الخلاص، وهذا يقتل طاقات اللحظة الحاضرة ، ويخدر عمل المجموع.
وحاول الباحث أن يقيِّم نظرياً الأسس التي ترجح من كفة اتجاه على الآخر، وكانت النتيجة لا تكمن في الخلاص الفردي وإنما في عمل الجماعة ككل ، ليس في شخص بقدر ما هي مبادئ وأفكار تفرزها الأمة وتكون قادرة ومن داخلها على انتقاء من تتمثل فيه تلك المبادئ والأفكار ليتولى القيادة ويصبح رمزاً لمن يمثلهم، وهذا ما أُخِذَ على شعراء عرب معاصرين تبنوا ""صلاح الدين"" في صيغة الفرد دون النظر إلي المبدأ المضمر داخل الشخصية ، والقادر على توجيه المجموع لأهداف تحددت سلفاً.
ويأتي البناء الفني ليدرس الإيقاع واللغة الشعرية والصورة الفنية ، فيؤكد على أن شخصية ""صلاح الدين"" تعد رمزاً فنياً بارزاً ؛ لما تحمله من قيم ومعان إنسانية خالدة ؛ وبما تستسره من إيحاءات ودلالات كاشفة عن نص شعري استطاع أن يوظف التراث ليكون فاعلاً.
ففي دراسة الإيقاع وجد أنه ينقسم إلى نمطين : الإيقاع في الشعر العمودي ، وحاول الشعراء أن يخضعوا الإيقاع : سرعة وبطئاً ، جهارة وهمساً تبع الهدف العام للنص ، فعند ذكر الحرب يعلو الإيقاع ، وذلك بكثرة عدد المقاطع القصيرة التي من وظيفتها تسريع الإيقاع. وكان وراء زيادة المقاطع مجموعة من التقنيات الإيقاعية التي تشمل الزحافات، والعلل، والتدوير ، والتكرار. وعند ذكر سماحة صلاح الدين يهدأ الإيقاع عن طريق زيادة المقاطع المتوسطة تارة وبكثرة حروف المد تارة أخرى.
والنمط الثاني : الشعر الحر، فقد استطاع الشعراء أن يعبروا عن تجاربهم الشعرية من خلال اللجوء إلى التقنيات السابقة التي استخدمها الشعر العمودي ، بالإضافة إلى اعتماد بعض منهم على قافية أو أكثر ؛ ليجعل المتلقي أكثر وعياً بمواضع الوقف ومن ثم يَلَمُّ شتات النغم الذي أخذ يتوارى خلف التجارب الخاصة للشعراء.
لقد عبر الإيقاع في الشعر الصلاحي عن ملامح شخصية صلاح الدين تعبيراً يكشف عن سماتها ، ومسهماً في تحقيق ترابط بين الموسيقى والدلالات الجمالية الأخرى في النص ، مما أعطى له وحدة وانسجاماً.
وفي بحث اللغة الشعرية ، حاول الباحث إبراز سمات كلية للمعجم الشعري تنظر إلى النصوص الشعرية في كل مرحلة من مرحلتيْ الاستدعاء على أنها نص واحد يعالج قضية بعينها ، ومن ثم ظهرت المقارنة بين الشعراء التي أثرت بدورها الرؤية النقدية، وأظهرت خصائص المعجم. فاتسم المعجم في مرحلة التسجيل بالميل إلى المفردات التراثية التي ترددت في شعرنا القديم. وفي مرحلة التوظيف اتخذ مساراً يتوافق مع الاستخدام الرمزي للشخصية ، وظهرت حقول دلالية لم يكن لها وجود في المرحلة الأولى.
وبرزت عند استدعاء شخصية صلاح الدين في الشعر العربي المعاصر عدة ظواهر أسلوبية : التقديم والتأخير ، والعطف والصفة ، ومواضع استخدام الاسم والفعل، أسهمت في استجلاء ملامح شخصية صلاح الدين ، وحددت بعضاً من خصوصية الأسلوب لكل شاعر، وما يشترك فيه مع الشعراء الآخرين..
وتمخض البحث عن عدة نتائج في دراسة الصورة الفنية ، ففي أنواع الصورة البلاغية : التشبيه، والاستعارة، والكناية، حيث لم يقف الشعراء عند العلاقات الخارجية في بعض التشبيهات ، وبعد التداخل العميق في الاستعارة ، وظهرت أهمية الدور الكنائي في تشكيل الصورة ، فالكناية هي رجوع إلى ما ثبت في العقول ، وليس إلى ما يشير إليه اللفظ ، مع عدم وجود قرينة مانعة في إرادة المعنى الأصلي.
وفي الصورة الذهنية التي تؤثر في مخيلتنا، فتنوعت الصور حسب هذا التأثير في الحواس ، وتوصل البحث إلى أن الصورة المؤثرة في الحاسة تختلف اختلافا جذريا عن عمل الحاسة نفسها، فالصورة في الشعر قد تخالف الحاسة العادية للإنسان. وتتحدد قيمتها بمقدار ما يسيطر عليها شعور قوى قادر على أن يعبر عن تأزم الفكر والعاطفة.
ونصل إلى المدخل الأخير وهو دراسة الصورة والرمز، حيث بدا أن الفارق بينهما ليس في نوعية كلا منهما بقدر ما في درجته من التركيب والتجريد، فوحدة الرمز صورة، ويختلف عنها في قدرته على الإيحاء والشمول، فضلا عن أن الرمز والمرموز إليه واحد في نظر الشاع. وتنوعت الرموز التي استخدمها الشعراء أثناء استدعائهم لشخصية صلاح الدين؛ فكان منها رموز جزئية وأخرى كلية ، بالإضافة إلى رموز يسترفدها الشاعر لتتفاعل مع الشخصية التي تحولت بدورها إلى رمز."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة