الولايات المتحدة الأمريكية والصراع العربى الإسرائيلى فى الفترة ( 1963 – 1967)
عواطف برهومة السيد عبد العال, ,عين شمــس ,البنـــات التاريخ الحديث ,الدكتوراه 2007 337
أثبتت الدراسة ، أنه بوصول الديمقراطيين للبيت الأبيض عام 1961 ، تدخل السياسة الأمريكية منعطفاً جديداً ، فى تعاملها مع منطقة الشرق الأوسط ، بوجه عام وقضايا النزاع العربى الإسرائيلى بصفة خاصة .
وأبرزت الدراسة للفترة 1963 – 1967 نمطين متناقضين فى السياسة الخارجية الأمريكية :
النمـط الأول :
وقد تبناه الرئيس كيندى حين تولى مقاليد الحكم فى الولايات المتحدة 1961-1963 وأبدى منذ تسلمه للسلطة ، استعداده لمحاولة الوصول إلى حلول للقضايا العالقة بالصراع العربى الإسرائيلى ، وإيجاد مساحة من التفاهم يلتقى عليها الطرفان ، قاصداً أن يكون بذلك أكثر واقعية من الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه ، وكان بذلك يمثل اتجاهاً جديداً للسياسة الخارجية الأمريكية ، يحاول من خلالها بناء جسراً من الثقة بينه وبين الدول العربية وتغليب لغة الحوار بدلاً من لغة التشدد ، واضعاً فى اعتباره المصالح الأمريكية والقوى الجديدة النامية فى المنطقة العربية خاصةً مصر بوصفها محورًا مهمًا تتأثر به سياسات دول المنطقة ، وتبادل الرسائل مع عبد الناصر والزعماء العرب ، مطالباً إياهم ، بالتعاون معه للوصول إلى حلول عادلة لقضايا النزاع العربى الإسرائيلى .
كان هدف الرئيس كيندى – من سياسة الحوار – توضيح المواقف وتجنب التوتر فى العلاقات الأمريكية العربية ، وصدام المصالح ووقف تصعيد التوتر بين الجانبين العربى والإسرائيلى ، حتى لا تسقط المنطقة فى نزاع مسلح يؤدى لغرق المنطقة فى متاهة من الفوضى وعدم الاستقرار ، مما يفتح البــــاب
على مصراعيه لمزيد من التدخل السوفيتى فى المنطقة ، والذى كانت تخشاه الولايات المتحدة الأمريكية ، وتسعى لتحجيمه وعدم تغلغله فى الشرق الأوسط بحجة مساعدة الراديكاليين العرب ، الأمر الذى سيمثل خطورة كبيرة على خطوط المواصلات الغربية ويهدد – فى الوقت نفسه – مصالح الولايات المتحدة والغرب فى النفط ، كما سيُضعِف حلف شمال الأطلسى .
ومع ذلك لم تخلُ سياسة كيندى من الازدواج والانحياز المحدود لإسرائيل ، ففى الوقت الذى كان يَمُد فيه حبل الوصال مع العرب ، ويسعى للتقرب منهم ، كانت المخابرات الأمريكية تعمل فى الخفاء لإضعاف التيار القومى المتصاعد ، والقضاء على حلم عبد الناصر فى الزعامة العربية ، وطموحه فى الوحدة ، واتضح ذلك فى الدور الذى لعبته فى دعم الانفصاليين السوريين عندما تدخلت إلى جانب المحافظين لإحداث الانفصال بين مصر وسوريا 1961 .
وأحس كيندى بازدياد الخطر خاصة بعد إعلان عبد الناصر تدخله إلى جانب ثورة اليمن 1962 ، وهنا أدرك الرئيس كيندى - بمساعدة اللوبى الصهيونى – إن الوقت أصبح مناسباً لإضعاف قوة عبد الناصر بدفعه إلى المزيد من التورط فى اليمن ومواجهة فلول البدر المُقاومِة والسعوديين الذين كانوا يتلقون كافة أشكال الدعم العسكرى من الولايات المتحدة .
ويتضح من ذلك كله أن كيندى بسياسته الجديدة لم يختلف عن سابقيه من الرؤساء الديموقراطيين ( ترومان ) فى الانحياز لإسرائيل .
النمـط الثانـى :
وقد تبناه الرئيس جونسون 1964 - 1969 والذى بتوليه مقاليد الحكم، صارت الأمور بصورة واضحة المعالم من الانحياز المحدود – فى عصر كيندى – إلى الانحياز التام لإسرائيل ، وتحول سياسة الإحجام إلى سياسة الإعلان .
فور وصول جونسون للحكم ، تحتدم الصراعات بين الشرق والغرب ، وتؤثر على زيادة حدة الحرب الباردة العربية – العربية ، ويدرك الرئيس الأمريكى الجديد أن مصالحه الحقيقية مع إسرائيل ، وإن العرب فى ظل التمزق والخلافات لن يكون لهم أى تأثير فعال على المصالح الأمريكية .
وقد شجع ضعف الجبهة العربية الرئيس جونسون على إظهار تأييده العلنى لإسرائيل ، ودعمه لها ، وحرصه على التودد للصهاينة باختيار أقرب مستشاريه من أكثر المتعصبين لليهود أمثال : ( يوجين روستو – وولت روستو – هيوبرت همفرى ) هذا بالإضافة لطبيعة جونسون وتاريخه السياسى كرجل حزبى يسعى للحصول على أصوات اليهود .
كل ذلك أدى لاطمئنان إسرائيل ونجاح سياستها وأصبح الدعم السياسى والاقتصادى والعسكرى لإسرائيل أمراً حتمياً ومؤكداً وأصبحت الولايات المتحدة الدولة الكبرى الحامية لها .
وعلى الرغم من تظاهر وادعاء الإدارة الأمريكية فى فترتى كيندى وجونسون بمحاولة إبراز موضوعيتها فى تناول الأزمات العالقة بالنزاع العربى الإسرائيلى - مثل : ( قضية اللاجئين – سباق التسلح – تقسيم مياه نهر الأردن ) – إلا أن الولايات المتحدة لم تكن جادة فى طرح مبادراتها بالشكل الذى تحل به هذه الصراعات ، وكل ما تم طرحه من مبادرات أمريكية كان – فى معظمه – مفتقداً للمصداقية وفى صالح إسرائيل على حساب العرب .
فبالنسبة لقضية اللاجئين : لم تكن المبادرة الأمريكية التى حملها مشروع (جوزيف جونسون) 1961 إلى المنطقة سوى تكرار للمبادرات الخمس التى طرحها (أيزنهاور) ، وكانت تنظر لقضية اللاجئين على أنها قضية أشخاص أُجبِروا على الهجرة من ديارهم ، وفى حاجة إلى المعونة ، ولم يُنظَر إليهم لكونهم أصحاب حق فى الوطن الذى يجب تحريره من الاحتلال الإسرائيلى .
لذا لم تحظَ مبادرة كيندى المقترحة بتقدير الجانب العربى ، كما لم تحظَ بموافقة الإسرائيليين الذين اعتبروا مجرد اقتراح الولايات المتحدة بعودة اللاجئين إلى
أراضيهم أشد خطراً على إسرائيل من قنابل عبد الناصر وصواريخه ، واعتبروا هذه العودة تذويب لليهود فى سكان البلاد الأصليين .
وبالنسبة لقضية سباق التسلح : فقد اتسمت سياسة الولايات المتحدة بالازدواجية ، والكيل بمكاييل مختلفة ، فكيندى كان يبعث برسائله للعرب والإسرائيليين لتحذيرهما من سباق التسلح النووى والتقليدى وخطورة هذا السباق على المنطقة ، بينما كانت الولايات المتحدة تقدم دعمها المالى لإسرائيل ، لسداد ثمن السلاح الذى تشتريه من أوربا ، كما مارست ضغوطها على حلفائها الأوربيين ( فرنسا – ألمانيا – بريطانيا ) لتقديم أحدث الأسلحة إلى إسرائيل ، وتحت ستار الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ، زودت الولايات المتحدة هيئة الطاقة النووية الإسرائيلية بمكتبة ضخمة بها آلاف الكتب والدوريات العلمية الخاصة بكل الأنشطة المتعلقة بالذرة وحتى عام 1966حصلت إسرائيل على نحو 50 كج من اليورانيوم المخصب بدرجة 90% ، هذا بالإضافة إلى الاتصالات السرية التى جرت بين بعض الهيئات والشركات الأمريكية ، والمخابرات الإسرائيلية ، على نحو ما فعلته شركة ( نوميك ) التى قامت بتهريب بعض المواد النووية إلى إسرائيل ، وقد شهد عام 1963 نقلةً نوعيةً فى البرنامج النووى الإسرئيلى بحصول إسرائيل على 4 أطنان من المياه الثقيلة ، كما أعلن الرئيس كيندى موافقته – لأول مرة – على تزويد إسرائيل بصورايخ ( هوك ) التى كانت بداية التحول فى السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل من الراعى البديل إلى الراعى الرسمى ، ولم يكن عصر كيندى - القصير- سوى مناورة لكسب الوقت ضماناً لتفوق إسرائيل العسكرى على الدول العربية مجتمعة .
تحولت الولايات المتحدة منذ بداية عصر جونسون إلى أن تكون المصدر الأساسى الأول للحصول على أحدث الأسلحة من دبابات ( باتون ) وطائرات ( سكاى هوك ) وارتفعت المساعدات المادية الأمريكية من 40 مليون دولار عام 1964 ، إلى 71 مليون دولار عام 1965 ، إلى 126.8 مليون دولار عام 1966 ، فى الوقت الذى جمدت فيه المساعدات الاقتصادية التى كانت تنوى الولايات المتحدة تقديمها إلى مصر منذ عام 1964 على الرغم من المعارضة القوية لوزارة الخارجية الأمريكية لمثل هذه السياسة والتى لم يوليها جونسون اى اهتمام .
وأما بالنسبة لتقسيم مياه نهر الأردن : فقد غضت الولايات المتحدة الطَرْف عن إنهاء إسرائيل للمرحلة الأولى من تحويل مياه نهر الأردن ، وأخذت تحذر الطرفين ( العربى والإسرئيلى ) من خطورة دعم اتفاقية (جونستون) ، بينما كانت تقدم لإسرائيل ما يساعدها على تنمية مشروعاتها المائية .
فعشية انعقاد مؤتمر القمة العربى الأول فى يناير عام 1964 قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدة مالية قدرها 150 مليون دولار فى شكل مضخات وأنابيب مياه لدعم مشروع التحويل الإسرائيلى الذى كان يهدف لجر المياه من نهر الأردن إلى النقب ، كما قدمت لإسرائيل مفاعلين نوويين لتحويل مياه البحر المالحة إلى مياه حلوة وصالحة للزراعة ، وأرسلت عدد من الخبراء لبناء المفاعلين فى منطقتين : أحدهما على البحر الميت والآخر فى منطقة تل أبيب ، فى الوقت الذى لم يحرك فيه العرب ساكناً ، واكتفوا باصدار التصريحات الملتهبة واعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية وما ترتب على إعلان قيام هذه المنظمة من ردود أفعال مضادة أدت لظهور حركات فدائية مختلفة ، صعدت التوتر على الحدود السورية الأردنية الإسرائيلية ، مما أشعل الموقف ، وأصبح لا يمكن – فى بعض الأحيان – كبح جماح أصحاب القضية مما أضاف بعداً جديداً ، وهو ما لم تدركه الإدارة الأمريكية ، وظلت متجاهلة له وهو ما أدى إلى ضَعف سياستها فى التعامل مع قضايا الصراع فى المنطقة وهكذا ، لم يكن حصاد العرب من هذه المبادرات سوى إضاعة الوقت وتصعيد الصراع العربى – العربى ، الأمر الذى أدى - فى النهاية- إلى اتخاذ قرارات سياسية خاطئة كانت بمثابة المصيدة لمصر ، وما تبعها من دول المواجهة مع إسرائيل متمثلة فى حرب 1967 .
وخلاصة القول والذى اتضح من خلال هذه الدراسة ، أن السياسة الأمريكية تكيل بمكيالين ، فى معالجتها لقضية الصراع العربى الإسرائيلى ، وستظل هكذا ، لأن العلاقة بينهما أشبه بالزواج الكاثوليكى ، إذ يرونها امتداداً للحضارة الغربية فى الشرق ، وانعكاساً للقيم والمثل الخاصة بالمجتمعات الغربية فى منطقة يرونها تحتاج إلى إعادة بناء من الداخل ، من أجل أن تستمر فى لعب دور مهم يتماشى مع حركة التاريخ .
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة