"قضايا الوجوب علي اللهِ عند المعتزلة وموقف اهل السنه منها"
عبدالبديع محمد عبدالله محمد سَالِم القاهرة دار العلوم الفلسفة الإسلامية الدكتوراه 2007 430
"اتضح لنا من خلال بحث قضايا الوجوب، أن الموقف الثابت لعلماء أهل السنة من هذه القضايا، هو موقف لا ينازع العقل سلطانه، ولا يعانده، وإنما فقط يحدد له الدائرة التى ينبغى أن يحكم فيها؛ وهى دائرة الإنسان والعالم المشاهد.
أما عالم الغيب؛ فلا مجال للعقل فيه، ولا استقلال له بمعرفة ما قد يحصل للعبد من السعادة أو الشقاوة، إلا بمقدار ما يتلقاه من الشرع بعدما أقر بصدقه ابتداءً.
أما المعتزلة، وإن كان يرجع إليهم الفضل الكبير فى تعميق مفهوم العدالة الإلهية فى النفوس بما أسسوه من قواعد مبنية على أسس منطقية، إلا أن الحِدّة فى تناول بعض الأمور المتعلقة بالذات الإلهية، قد نفّرت منهم السواد الأعظم من المسلمين؛ وبخاصة عندما استعملوا فى حق الله تعالى ألفاظاً تشعر بالاستعلاء كاستعمالهم لألفاظ: ""الوجوب""، و""لا يقدر الله على كذا..""، ""ليس فى مقدور الله كذا..""، ""لو لم يفعل الله كذا لاستحق كذا""… ونحو ذلك.
وكذلك عندما أخضعوا الأفعال الإلهية للموازين البشرية، بما سموه: ""قياس الغائب على الشاهد"". وقد كان من الممكن أن يتلاشوا ثورة علماء السنة عليهم، وأن يجتذبوا إليهم جمهوراً أوسع، لو أنهم استعملوا ألفاظاً أقل حدة، أو اكتفوا بما ورد فى الشرع، ولم يتوسعوا فى ضرب الأمثلة فى الشاهد ونقلها أو جعلها صحيحة فى حق الله تعالى.
وعلى أية حال، فسواءً كانوا مخطئين فى ذلك أم مصيبين، لا يحق لأى أحد أن يخرجهم من حظيرة الإسلام، أو أن يشكك فى إيمانهم، أو ينعتهم بألقاب هم بُرآء منها؛ كقول البعض عنهم: إنهم مجوس الأمة، والمعطلة، وغير ذلك؛ لأن من تأول فأخطأ لا يحكم عليه بالكفر، خاصة إذا كان التأويل فيما لا قاطع فيه، أو فيما ليس معلوماً من الدين بالضرورة، وإلا لأخرجنا من الإسلام عدداً لا يمكن حصره وحكمنا عليه بالكفر أو بالردة. فليس كل خطأ يكون كفراً مهما بدا الخطأ كبيراً، إن كان صاحبه مازال باقياً على شهادة التوحيد.
هذا، ويمكن إجمال أهم النتائج التى انتهى إليها البحث، فيما يلى:
أولاً: أن المعتزلة لم يصدروا فى قولهم بالوجوب العقلى على الله تعالى، إلا عن استقراءٍ كامل لآيات القرآن الكريم، لكن فى ضوء ما عُرف عنهم بالنزعة الإنسانية. ولعل ذلك قد اتضح من خلال بحثهم لقضية الأفعال الإلهية؛ إذ كان ""الإنسان"" هو محور اهتمامهم، فحاولوا تلمس العلاقة التى يمكن أن تربطه بهذه الأفعال، ومدى العناية التى يمكن أن يحاط بها؛ باعتباره كائناً مكرماً ومفضلاً على كثير من المخلوقات الأخرى.
ثانياً: انتهى البحث فى أكثر قضاياه إلى أن كلا الفريقين – المعتزلة وأهل السنة- لم يكن حريصاً على أن يتحرى الحق فى رده على الآخر، بقدر حرصه على التقاط السقطات أو تلمس الزلات التى قد يشعر ظاهرها بالتنافر الشديد بين الفريقين. لكن عند تحقيقها والتثبت من صحتها، يتبين لنا أن مساحة الخلف بينهما ليست كبيرة، وأن إمكانية الجمع بين آراء الفريقين فيها ليست بالمهمة العسيرة.
فالمعتزلة اتهموا من قبل أهل السنة بعدم تنزيه الله تعالى، عندما لجأوا إلى قياس أفعاله –تعالى- على أفعال غيره، مع أن الكثير من علماء أهل السنة لجأ إلى ذلك القياس؛ كالإمام الرازى مثلاً، والإمام الجوينى من قبله.
والمعتزلة اتهموا بالحدِّ من طلاقة القدرة الإلهية، عندما ذهبوا إلى عدم جواز تعذيب الأطفال والبهائم، وعدم جواز التكليف بما لا يطاق، ونحو ذلك، مع أنهم لم يحكموا بذلك إلا بناءً على الأصل الذى قررته جميع الشرائع ونطقت به آيات القرآن الكريم، وهو أصل ""العدل""، الذى لا يختلف عليه أحد من علماء أهل السنة.
وأهل السنة –أيضاً- اتهموا من قبل المعتزلة بأنهم ينكرون حكمة الله تعالى فى أفعاله، ويرفضون ""التعليل""، ويقولون ""بالجبر""..
لكن عند تحقيق ذلك، تبين أنهم أبعد ما يكون عن القول ""بالجبر""، وأن غالب علمائهم لم يلجأوا إلى ""التعليل"" تحرجاً من أن يكونوا بذلك مقيدين لطلاقة القدرة الإلهية. ورغم ذلك وجدنا بعضهم قد لجأ إليه، كالإمام ""الغزالى"" –مثلاً- فى كتابيه:
""المقصد الأسنى"" عند شرحه لمعنى ""الرحمن الرحيم""، و""الإحياء"" عند ذكره لقواعد العقائد.
وأما الادعاء بأنهم ينكرون ""الحكمة""، فهو غير صحيح؛ لكنهم عندما فرقوا بين كون أفعال الله تعالى محكومة بالحكمة وخاضعة للتعليل، وبين كونها مشتملة على الحكمة وليست عبثاً؛ رفضوا الأول وقبلوا الثانى.
فالفريقان –المعتزلة وأهل السنة- متفقان على أن الله تعالى حكيم، وأن أفعاله ليست عبثاً؛ وهذا هو الحد المطلوب للجمع أو التقريب بينهما.
ثالثاً: على الرغم من أن جمهور المسلمين قد ينحاز عاطفياً إلى أهل السنة، دون المعتزلة؛ لأن السواد الأعظم يؤثر السلامة ويميل إلى تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى، دون تأويل أو إعمال العقل فيها.
وعلى الرغم من أن هوة الخلاف الظاهرة تبدو سحيقة بين الفريقين، إلا أنه اتضح لنا من خلال البحث، أن متأخرى أهل السنة لم يثبتوا تماماً على المنهج الذى ورثوه من أسلافهم، وإنما راجعوه بنظرة موضوعية بعيدة عن التعصب المذهبى، وصاغوا أفكارهم صياغة جديدة –ربما استجابة لمنطق المعتزلة وقوة تأثيره- تشعر بأن مساحة الخلف بينهم وبين المعتزلة قد تقلصت تماماً، أو كادت.
وهذا الأمر يظهر بشكل واضح عند كل من الإمام ""الجوينى"" والإمام ""الرازى"" وكل من جاء بعدهما ممن حمل على عاتقه عبء تطوير المنهج الأشعرى.
كما يظهر جلياً عند علماء ""سمرقند"" من الماتريدية؛ الذين جاءوا بعد الإمامين ""أبى منصور الماتريدى"" و""أبى المعين النسفى"".
وذلك كله إن دل على شىء، فإنما يدل على خصوبة وديناميكية الفكر المعتزلى، وتأثيره القوى، ومواكبته لشتى العصور والبيئات وتلبيته لحاجاتها الضرورية.
رابعاً: يؤكد هذا البحث على أن فكر مدرسة المعتزلة –فى مجمله- ليس فكراً دخيلاً على البيئة الإسلامية، بل هو نابع من صميم الإسلام، ومستند إلى تعاليمه، وناطق بلسانه، وحامل لطابعه وسماته. وكثيراً ما كان هذا الفكر حائط الصد القوية والحصن المنيع للإسلام أمام هجمات الملحدين والزنادقة والمشككين من أتباع الديانات والملل الأخرى التى كانت تساكن المسلمين، وتلك التى هبت رياحها من بلاد فارس والهند وغيرهما.
وأننا فى أشد الحاجة إلى إحياء تراث المعتزلة وتخليصه مما علق به من شوائب نرى أنها لا تتفق مع الروح العامة للإسلام؛ لأنه على الرغم من شهرة هذه المدرسة وقوة تأثيرها وعمق منهجها، إلا أن معظم ما كتبه علماؤها لم يصل إلينا منه إلا القليل. أما الكثير الذى نعلمه عنها وصلنا عن طريق خصومهم؛ وهو فى الغالب لم يخل من تجريح وتسفيه، وتتبع للسقطات والأقوال الشاذة لآحاد المعتزلة، وجعل مثل هذه الزلات السمة العامة للمذهب، وليست أقوالاً خاصة بأصحابها فقط، لا يصح القياس عليها.
فإذا كان معلوماً أن العصر الذهبى لازدهار العلوم فى شتى المجالات، بدأ فى دولة الإسلام فى الفترة التى انتشر فيها فكر المعتزلة وساد على المستوى الرسمى –نظراً لمناخ الحرية الذى أتاحه هذا الفكر- أضحت حاجتنا ماسة إلى البحث عنه وإحيائه؛ لا لأنه تراثنا وجزء من حضارتنا فقط، ولكن للانتفاع به فى مواجهة مشككى اليوم، واستدعائه كلما جدّ من مشكلات؛ لأن كثيراً من المشكلات التى عالجها فى السابق، تتكرر بعينها اليوم وإن اختلفت أسماؤها، وليس هناك ما يمنع من الاستفادة بأساليب المعتزلة وحججهم فى التصدى لها."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة