التأثيرات النفطية على المتغيرات الاجتماعية في ليبيا
أسمهان ميلود معاطي أسمهان ميلود معاطي الإسكندرية الآداب التاريخ الدكتوراه 2007
1955 – 1969
"لقد تزامن التغيير الاقتصادي في ليبيا مع ظاهرة تحول المجتمع من حالة المجتمع التقليدي إلى مجتمع تنتشر فيه سبل الحداثة في مظاهرها المادية وغير المادية. فالتجربة الليبية لها من الخصــوصــية الذاتية ما يميزها عن غيرها من التجارب الأخرى، فقد اعتمدت على الموارد المالية الضخمة في سياسة حرق المراحل لإحداث التغيير في فترة زمنية وجيزة مستندة على الآخر بدلاً من مقومات البيئة الليبية، مما كان له أبلغ الأثر في تشكيل الهوية الليبية المعاصــرة.
وقد تمكنت هذه الدراسة من خلال فرز حيثيات المجتمع الليبي من الوصــول إلى النتائج التالية:
• كان الاقتصــاد الليبي قبل النفط اقتصــاد كفاف، ولذلك كان يتمتع بدرجة عالية من الاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بالمواد الغذائية الرئيسة فبسبب انخفاض مستوى الدخل القومي كان الطلب على السلع والخدمات منخفضاً؛ مما خلق نوعاً من التوازن بين الإنتاج الوطني والاستهلاك. إن هذا النوع من التوازن بين العرض والطلب لم يكن نتيجة لكفاءة الإنتاج، ولكنه كان يمثل خلاصــة التوازن بين عناصــر التخلف الاقتصادي والفقر المادي.
• إن الحلقة المفزعة بين الفقر والجهل جعل الدولة الليبية تعمل جاهدة بغية الخروج من الضائقة الاقتصادية، فاتجهت إلى مواردها الطبيعية الدفينة بناء على المعلومات الجيولوجية الإيطالية، والتي تؤكد وجود نفط بكميات قليلة غير تجارية، وإن كانت هذه المعلومات من حسن حظ البلاد سياسياً واقتصادياً، ذلك إن ظهور النفط في فترة مبكرة في ليبيا بعد الحرب مباشرة سوف يؤدى إلى زيادة التكالب الدولي حول البلاد، وتقسيمها إلى مناطق نفوذ، والقضاء على فكرة الدولة الناشئة.
• تباينت التشريعات الليبية الاقتصادية بين قانون للمعادن إلى تشريع للنفط؛ بغية تجنب الحرب الدائرة على بترول الشرق الأوسط. وعندما استقرت الأمور قامت بإصــدار تشريع نفطي حمل بين طياته مزايا للشركات النفطية كالإعانة التعويضية، ومحاسبة الحكومة في حصــتها من الأرباح، على أساس الأسعار الفعلية السائدة في السوق، واسترجاع المصــروفات الرأسمالية التي تم إنفاقها. وكان ذلك وضعاً طبيعياً لإعطاء الشركات شحنة معنوية، وإغراءات مادية للتنقيب عن النفط في دولة مفتقدة للقاعدة التحتية للهيكلة الاقتصادية.
• إن زيادة مصــروفات الشركات النفطية العاملة في البلاد أدى إلى ارتفاع الإنفاق العام الذي جاء بسبب ارتفاع الإيرادات الحكومية من الضرائب الجمركية وغيرها نتيجة للنشاط الاقتصادي الذي بدأ مع دخول شركات النفط ميدان التنقيب؛ مما أدى إلى ارتفاع هائل في الطلب على السلع والخدمات المحلية والأجنبية، وكان البداية في إخلال التوازن بين قطاعات الاقتصــاد المختلفة وبين النمو في المدن والقرى، كما أنه شكّل البداية في الازدهار الذي تكّون فوق قاعدة اقتصادية و اجتماعية متخلفة.
• الزراعة التي كانت تعد الدعامة الأساسية للاقتصــاد الوطني بما توفره من اكتفاء ذاتى، وسوق عمل لمعظم القوى العاملة بدأت تفقد أهميتها عند اكتشاف النفط التجاري، حيث إن العمال تركوا مزارعهم للعمل في حقول النفط، وتدني مستوى الإنتاج الزراعي، وأصبحت الزراعة بوضعها المتخلف غير قادرة على توفير الإنتاج اللازم للاستهلاك المحلي في المدن، فكان من الطبيعي أن يعوض الفاقد بالاعتماد على الاستيراد الخارجي، فازدادت بذلك نسبة السلع الزراعية المستوردة، وأصــبح ينظر إلى الاستيراد كونه بديلاً أسهل من تنمية الزراعة المحلية.
• إن التطورات النقدية، وازدياد الطلب على السلع المصــنعة، وتوفير المادة الخام المحركة لدواليب الصــناعة والطاقة من نفط وغاز كان من المفترض أن تؤدي إلى تنمية صــناعية، خاصــة وأن الحكومة اعتمدت تخطيطاً اقتصادياً لدعم البرنامج الصناعي من منح للقروض الصــناعية إلى إصــدار للقوانين، كقانون تنمية الصــناعات الوطنية 1956م، وقانون استثمار الأموال الأجنبية، إلا أن الصــناعة لم تؤد دورها بفاعلية في الاقتصــاد الوطني بسبب ضعف مستوى المهارة والكفاءة الإنتاجية للعمال، وانعدام الخبرة في الهياكل الإدارية، والمنافسة الأجنبية، وحجم السوق المحلية كون إن السوق الليبية صــغيرة جداً بسبب محدودية الكثافة، وانتشارها في رقعة جغرافية واسعة تفتقد وسائل الموصــلات.
• إن نشاط شركات البترول منذ بداية التنقيب عن النفط قلب معادلة الطلب والعرض في السوق الليبية حيث إن مستوى الطلب على السلع والخدمات قد أرتفع، مما سبب بدوره ارتفاعاً في مستوى الأسعار الذي تطور بعد ذلك إلى تيار تضخمي مركب من مزيج بين ارتفاع الطلب، وزيادة التكلفة من جانب العرض. وحيث إن الاقتصــاد الليبي آنذاك لم تكن له قدرة إنتاجية تستجيب لمتطلبات السوق فبدأت عملية إعادة التوازن بالاستيراد الخارجي، مما جعل قطاع التجارة في ليبيا جزءًا مكملاً لاقتصاديات الدول المصــدرة إليه، وقل ارتباطه بقطاعات الزراعة والصــناعة، واختلت تبعاً لذلك موازين الاستيراد و التصــدير.
• وفر النفط دخلاً متزايداً مكّن من بناء عملية تراكم داخلية لرأس المال، مما أسهم في ازدهار القطاع التجاري الوطني وخاصــة في المدن الرئيسة، ولكنه ساعد في نفس الوقت على تشتت العناصــر الليبية، وجعلها تميل إلى الكسب السريع الذي يعتمد على ظروف قصــيرة المدى ، ولا يتطلب منها اكتساب خبرات عديدة أو استثمارات اقتصــادية منسجمة مع حاجة البلاد للتنمية. كل هذا جعل أثار البترول على قطاع التجارة سطحية تتمثل في التوسع النقدي وارتفاع الأسعار والأرباح؛ بسبب ارتفاع الدخل دون التأثير في تنمية الخبرات الوطنية والخدمات، والتسهيلات اللازمة للتجارة الحديثة التي تعتمد على أسس علمية وعملية.
• إن قطاع النفط الذي يساهم بأكثر من نصــف الناتج القومى من جهة، ويساهم بأكثر من 99% من الصــادرات الليبية من جهة أخرى لم يستطع سوى امتصــاص 5 % من حجم العمالة الوطنية في وظائف هامشية، وأنيطت الوظائف الأساسية بالخبراء الأجانب بسبب توافر الخبرة الفنية، ومما زاد الطين بلة أنه بعد استقرار أمور الحفر وبناء الأنابيب والموانئ والمحطات، أصــبح العدد العامل في قطاع البترول يتناقص بالتدريج من 5% إلى 3% سنة 1968م.
• إن الأيدي العاملة الوطنية غير المدربة لا يمكن أن تواجه الطلب المتزايد على المهن االفنية، مما أدى إلى اعتماد العملية التنموية في ليبيا على العناصــر الوافدة بداية من الأنشطة الاستشارية إلى وضع المخططات بتفصيلاتها وتنفيذها، وبقت البلاد رهن العمالة الوافدة في القطاعات الإنتاجية.
• افتقدت عملية التنمية للإدارة الفعّالة، فقد أثبتت التجربة الليبية أن عنصــر الإدارة مسألة جوهرية في تحديد إنتاجية المشروعات المختلفة، والتي تشمل الإدارة الجيدة التخطيط السليم والواقعي, وتقسيم العمل, والإنضباطية والشخص الكفء, والاستغلال الأمثل للوقت والمجهود؛ مما يؤدي حتماً إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية في استغلال الموارد المتوافرة, وتخفيض التكاليف. إن خلق كوادر إدارية كونها قوة قادرة على إدارة وتنفيذ المشروعات, والبرامج التنموية المختلفة يساعد على الإسراع في تحويل المجتمع المتخلف والراكد إلى مجتمع متقدم ديناميكى يعمل على زيادة إنتاجية عناصــر الإنتاج, وبالتالي زيادة مساهمتها في العملية التنموية.
• ترك التحسن الاقتصادي للدولة الليبية بصــمات واضحة على البنية الديموغرافية، فالاتجاه العام للسكان أصــبح من النوع المرتفع السريع، فقد توفر للبنية السكانية كل ما تتطلبه تلك المرحلة السريعة من النمو السكاني من معدلات مواليد, ومعدلات خصــوبة, ومعدلات زواج مرتفعة يقابلها معدلات وفيات تميل إلى الانخفاض.
• تغير النظام الاجتماعي الليبي بعد اكتشاف النفط، فالمؤثرات الاقتصادية أدت إلى تغيير النسيج الطبقي ببروز طبقة متوسطة ترتبط مصــالحها بالاحتكارات النفطية. وقد طالبت هذه الطبقة بأكبر قدر من المشاركة السياسية والعوائد الاقتصادية, وحاولت طرحت أيدلوجيتها المنادية بالتغيير الاجتماعي والعدالة من خلال تنظيمات حاولت تحدى إطار الشرعية القائم.
• أدت الوفرة النفطية إلى تغيير في أنساق القيم الخاصــة بالدخل بزيادة أعداد الكسالى وغير الراغبين في العمل الإنتاجي والإبداعي, واقتصــر الطموح على تولي وظائف إدارية في الأجهزة الحكومية, واستلام رواتب شهرية روتينية, وعملت الدولة على تغذية هذا الاتجاه بالإغراق في دور المحسنة, وعدم فتح آفاق العمل الإنتاجي والإبداعي أمام الأفراد مما جعل الشخصــية الليبية شخصــية اتكالية بعيد عن دائرة العمل الإنمائي.
• شكّل المال معياراً أساسياً في تحديد مكانة الفرد الاجتماعية, مما أدى إلى تفكك العلاقة بين الأفراد في مجال الأعمال التطوعية والجماعية، والتي كانت منتشرة على نطاق واسع بين الريف وأهل البادية, وأصــبح التفكير محصــوراً في الدخل المادي مقابل المجهود العضلى.
• هيّأ ظهور النفط المجال للتخلص من العصــبية القبلية والولاءات الإقطاعية التي أصــابت كيان الدولة الناشئة بالتفتت والتمزق, وبدأت عملية الصــهر والدمج للولاءات الاجتماعية في بوتقة الدولة.
• ارتفاع مستوى الدخول النفطية جعلت الليبيين يقبلون على شراء السلع الاستهلاكية المعروضة في الأسواق دون أدنى تفكير في التنمية المستقبلية, وجعل منها تنمية ذات قدرة إنتاجية، فالانغماس في دوامة الاستهلاك أدى إلى تبدد الأموال القابلة للاستثمار, وبناء قاعدة إنتاجية, وعزل المواطن الليبي عن وسطه الإنتاجي, وتشويه مفاهيمه الاقتصادية والاستهلاكية.
• تعرضت ليبيا في ظل التحديث الاقتصادي لهجرة جماعية من المناطق الريفية إلى المناطق المدنية، وقد اختلف حجم هذه الهجرة من منطقة إلى أخرى وفقا لتوافر مقومات الحياة المادية، فهناك مناطق شكلت بؤرة الاجتذاب السكاني وأخرى كانت مركز الطرد السكاني, وقد اتخذت هذه الهجرة طابعاً فردياً وجماعياً تبعاً للظروف الشخصــية للفئة المهاجرة.
• من حوافز النزوح إلى المدن الحياة المملة التي تسود الأرياف بالمقارنة مع الحياة الحضرية الجذابة، قوتا الدفع والجذب اللتان تعملان في آن واحد وذلك في ظل ظروف قد يكون العائد الكلي للاستثمار الزراعي فيها ضئيلاً, كما أن الزراعة تمر بمرحلة تحول في تركيب الموارد وأساليب الإنتاج الزراعي، والتي تهدف إلى انتشار الأساليب الحديثة الموفرة للعمل وإحلالها محل الأدوات البدائية. وبذلك فإن إحلال الميكنة الزراعية سوف يزيد في نسبة الاستغناء عن الأيدي العاملة الزراعية, مما يسهم في تفاقم البطالة في المناطق الريفية.
• إن نتائج نمط الهجرة في ليبيا من حيث أثاره على التحديث قد اتخذ سمتين: السمة الأولى: إن الهجرة الوافدة أثرت على بناء الاقتصــاد التقليدي, وتنامى القوى العاملة في المدن. أما السمة الثانية فهي أن المناطق الجاذبة للمهاجرين عجزت في كثير من الأحوال عن استيعاب الأعداد الهائلة من الوافدين. وقد أدى هذا إلى إثارة المشكلات السكانية, ومشكلات العمل, وإضافة ضغوط على أجهزة الخدمات التي أصبحت تعمل فوق طاقتها.
• تجسدت الأبعاد الاجتماعية للهجرة الريفية في التغبير الذي طرأ على تركيب الأسرة ودورها، حيث إن التركيز على الأسرة النووية بدأ رغم استمرارية العلاقات الأسرية, كما اختل دور الأسرة كونها وحدة إنتاجية، حيث إن الأب أصــبح مصــدر الدخل الرئيس في حين أن بقية الأسرة أصبحت عاطلة عن العمل.
• إن نمو المدن الليبية من حيث المساحة وعدد السكان – بفعل الهجرة الريفية – أدى إلى ظهور مخططات مدنية اتصــفت بالعشوائية, وقصــور المعايير التخطيطية كضيق الشوارع وصغرالقطع, وانعدام المرافق, وإرباك حركة المرور, وازدحام مناطق المركز.
• أصر المهاجرون على التجمع القبلي عن طريق تجاوز الملكية والسكن في المدن؛ للملمة الشتات داخل أزقة الشوارع، فبرزت تبعاً لذلك أحزمة الفقر التي طوقت مدن طرابلس وبنغازي وشكلت تشويهاً على معالم المدينتين، وقد نقل هؤلاء المهاجرون معهم أنماط حياتهم الريفية مما أسهم في ترييف المدن الليبية.
• إن تدخل الدولة الليبية لإيقاف النزوح السكاني بواسطة أدوات ووسائل شتى من خلال توفير المال الزراعي المحسن, وإدخال الميكنة الزراعية, أو تنمية القرى والأرياف بواسطة قناة الاستيطان الزراعي من شأنه أن يعمل على إعادة البناء السكاني, والهجرة العكسية، وبعبارة أخرى الهجرة من المناطق المدنية إلى المناطق الريفية."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة