"العلم والتعليم في المغرب العربي ""من الفتح الي نهايه دوله الموحدين
عادل يحيي عبد المنعم عين شمس البنات التاريخ الدكتوراه 2002
" تتناول هذه الدراسة العديد من الجوانب المرتبطة بالتعليم فى بلاد المغرب العربى، منذ الفتح وحتى نهاية دولة الموحدين سنة ""668هـ/ 1269م""، ومن المرجح تاريخياً أن نقطة البداية فى ممارسة العملية التعليمية على أرض المغرب كانت هى الأحداث المرتبطة بفترة الفتح وما صاحبها من وجود بعض المعلمين فى جيوش الفتح، وهو الأمر الذى تؤكده المصادر التاريخية من خلال ما تركه كل من عقبة بن نافع وحسان بن النعمان، وموسى بن نصير من معلمين وقراء وفقهاء فى بعض جهات المغرب العربى؛ وهو أمر له أصوله التاريخية التى أرساها الرسول e من خلال حرصه على إرسال بعض المعلمين إلى القبائل بقصد تعليمهم القرآن الكريم والشريعة الإسلامية وقواعد الإسلام0
وهو ما يعنى أن البداية كانت دينية محضة، دون أن يلغى ذلك أن يكون هناك أهداف أخرى للتعليم بين المسلمين فى بلاد المغرب، أو بين المغاربة كما يحلو لبعض كتاب أهل المغرب المحدثين أن يسميهم0
وقد حرصت على تناول هذه الأهداف تناولاً موجزاً آملاً ألا يكون مخلاً، وجاء ذلك انطلاقاً من كونها أهدافاً عامة ترتبط بالمجتمعات الإسلامية فى عصرها الوسيط، غير أنى أردت أن يكون الحديث عنها مدعماً بأمثلة واقعية حدثت على أرض المغرب، دون أن نغفل تعدد الأهداف واختلافها بتعدد الدول وتطور فكرها السياسى والأيديولوجى، وهو ما ظهر واضحاً فى عصر المرابطين والموحدين0
وقد كان ذلك دافعاً إلى تناول موقف الدولة من نشر العلم والتعليم على امتداد عصور المغرب التاريخية، ورغم أن هناك ما يبرز موقف النظام السياسى من التعليم من خلال إرسال المعلمين من المشرق إلى المغرب لتعليم أبنائه كما فعل الخليفة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، ومن خلال بناء المؤسسات التعليمية المتمثلة فى المساجد، واستجلاب المعلمين من الأندلس على النحو الذى شهده العصر الموحدى خاصة؛ إلا أن هذا لا يعنى تدخل الدولة المطلق فى التعليم، كما أن التعليم– كما سبق القول فى متن الدراسة – لم يكن مقيداً بقوانين تمارسها الدولة، كما كان من الممكن ممارسة الدور التعليمى لكل من يجد فى نفسه القدرة العلمية والتعليمية، دون تدخل من الدولة0
بيد أن الأمر لم يترك سدى، فقد كان هناك مراحل تعليمية تعبر عن طبيعة التسلسل التعليمى للفرد، وهو أمر تعارف عليه أبناء المجتمع دون أن يكون هناك خطوط فاصلة بين مرحلة وأخرى، وقد تم تناول ذلك فى الفصل الثانى، فضلاً عن استعراض بعض الجوانب المرتبطة بالمراحل التعليمية مثل : تعليم الخاصة، وتعليم النساء0
وفى الفصل الثالث : كان الحديث عن المؤسسات التعليمية ونشأتها على أرض المغرب، ثم تزويدها بالكتب والمكتبات، وذلك إدراكاً لأهمية الكتب والمصنفات الدراسية فى تحقيق الممارسة الفعلية فى عمليةالتعلم0
وقد ظهر ذلك بشكل أكثر وضوحاً عند الحديث عن العلوم وارتباطها بالتعليم، ومهما كانت وجاهة الآراء القائلة بأن جهود بعض أهل المغرب قد اقتصرت على تقديم المختصرات والشروح والمتون، إلا أن هذا لا يلغى مساهمتهم فى تشييد صرح الحضارة العربية الإسلامية وتطور حركة العلوم النقلية والعقلية، وذلك فى إطار عصر النهوض الحضارى التى شهدتها المجتمعات الإسلامية شرقاً وغرباً حتى نهاية القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، وهى الفترة التى يعقبها طور التدهور والانحطاط طبقاً لما قال به الأستاذ0 زنيبر فى حديثه عن التواكب الثقافى بين المشرق والمغرب؛ ذلك التواكب الذى يبدو واضحاً فى نظرة كل منهما إلى العلوم وتدريسها، وإعطاء أولوية لعلوم الدين، تليها علوم اللغة، ثم تأتى العلوم الأخرى فى المرتبة الثالثة، غير أن أهم النتائج التى يمكن استخلاصها من دراسة العلوم وارتباطها بالتعليم هو ذلك الجدب الواضح لأهل المغرب فى مجال العلوم الطبيعية، وهو ما اعترف به نفر من علماء المغرب المحدثين، حسبما سبق إيضاحه فى متن الدراسة0
وفى الفصل الخامس تم تناول دور الإباضية وإسهاماتهم فى الحركة العلمية والتعليمية، وقد تبين من خلال هذا الفصل أنه كان للإباضية دورهم فى الفقه والتفسير والحديث وعلوم الكلام والمناظرات، فضلاً عن مؤسساتهم التعليمية ونظامهم التربوى المعتمد على العزابة، كما تم بيان بعض سلبيات نظامهم التعليمى، وكان من الضرورى تناول الدور التعليمى للإباضية انطلاقاً من خصوصية بلاد المغرب، وتفردها فى وجود مناطق متعددة ما زال بعضها معقلاً للمذهب الإباضى حتى الآن0
وانطلاقاً من هذه الخصوصية أيضاً، فقد تم تناول دور الصوفية فى مجال العلم والتعليم، وهو دور ليس من السهل إغفاله، وخاصة فيما يتعلق بدورهم فى نشر وتثبيت العقيدة الأشعرية فى بلاد المغرب، فضلاً عن إسهام بعضهم فى مجالات عديدة من العلوم، يضاف إلى ذلك خصوصية نظامهم التعليى الذى يعبر عن حقيقة الوجود الصوفى على أرض المغرب، وهى خصوصية لا يشوبها – فى رأيى – شئ سوى إغراق مصادر التصوف فى التأويل والاعتماد على المعنى الباطنى طبقاً لما سبق إيضاحه عند الحديث عن إسهاماتهم فى مجال التفسير، وهو ما دفعنى إلى تناول دورهم التعليمى دون التوغل فيما يختص بالتصوف ذاته، أو التوغل فى الحديث عن أعلامه0
وإذا كان لابد من نتائج يمكن صياغتها فى نقاط موجزة، فإنه يمكن القول أن أبناء المغرب العربى قد ظهر إسهامهم واضحاً فى مجال التأليف والمصنفات الدراسية منذ القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى، وذلك عندما نمت لديهم ملكة اللغة العربية، وأصبحوا على قدم المساواة – بعض الشئ – فى هذا الشأن مع أبناء المشرق العربى، وإن كان هذا لا يلغى دور كثير من المغاربة فى فترة ما قبل القرن الخامس الهجرى فيما يتعلق بكتاباتهم ومصنفاتهم؛ غير أن بعضاً منها، أى من هذه الكتابات، لا يزال مخطوطاً فى مكتبات المغرب، وبعضها لم يصل إلى الباحثين والعلماء بعد0
ومن أهم نتائج هذه الدراسة هو أنها تعطى للقارئ الكريم صورة مضيئة عن جوانب متعددة من النظام التعليمى فى بلاد المغرب، دونما إغفال للإشارة إلى بعض السلبيات، وفى ذلك ما يعبر عن دعوة إلى التمسك بالإيجابيات والتخلى عن السلبيات0
ولعل من أهم الجوانب المضيئة التى يمكن إدراكها من خلال هذه الدراسة هو تقدير المجتمع للعلم والعلماء، وتشجيع النظام الحاكم على نهضة العلوم والمعارف، وإفساح المجال لوجود دور شعبى فى بناء المؤسسات التعليمية بما يساهم فى حل كثير من المشكلات المرتبطة بالتعليم، هذا فضلاً عن الصورة المثلى التى تقدم من خلال ما ينبغى أن تكون عليه العلاقة بين المعلم والطالب، وضرورة أن يلتزم المعلمون بالآداب التى ورد ذكرها فى كتب التعليم، يُضاف إلى ذلك ما يمكن استخلاصه من نظامى التعليم الإباضى والصوفى، خاصة فيما يتعلق بخصائص التعليم الإباضى التى تبرز بعض إيجابياته0
وفوق كل ذلك، فقد ظهر على أرض المغرب بعض من أعلام الفكر التربوى، وكان كتاب ابن سحنون الموسوم بـ ""آداب المعلمين"" من أوائل الكتب التى كُتبت عن التربية والتعليم، إن لم يكن أولها، ثم كان القابسى فى رسالته المفصلة عن المعلمين، والمغراوى فى كتابه ""جامع جوامع الاختصار""، ناهيك عن أقدم نص فى التعليم ببلاد المغرب الإسلامى عامة، وهو لعبد الملك بن حبيب المتوفى سنة ""238هـ/ 852م"" من خلال رسالته إلى معلم ولده، والتى جاءت ضمن كتاب المغراوى السابق الذكر0
كما أن بعضاً من كتابات أهل المغرب تشتمل على كثير من جوانب الفكر التربوى؛ كما هو الحال فى كتاب ""المدخل"" لابن الحاج، وكتاب السياسة لأبى بكر الحضرمى، فضلاً عن بعض الآراء التربوية والتعليمية لدى نفر من أعلام الإباضية، وكذلك الفكر الصوفى الذى يقدم صورة مثلى لما ينبغى أن يكون عليه الطالب فى معاملته لشيخه، حتى قيل أن من لم يكن له أستاذ، فإمامه الشيطان0
وينبغى التنويه فى نهاية هذه الخاتمة أن الحضارة الإسلامية بالمغرب تزخر بالكثير من الجوانب التى يمكن تسليط الضوء عليها، ويمكن لنفر من الباحثين وطلاب العلم أن تنصب جهودهم حول دراستها، ولعل من أهم هذه الجوانب دراسة العلوم فى بلاد المغرب فيما بين التأصيل والتطور، وقد يكون من المفيد دراسة علم بعينه فى بلاد المغرب، كما فعلت د0 هند شلبى فى دراستها عن القراءات بإفريقية فى رسالتها للدكتوراه، وهى دعوة نادى بها د0 حسين مؤنس – رحمه الله – وسبق بيانها فى مقدمة الدراسة0
ولعل فى هذا ما يفتح الباب حول جوانب جديدة يمكن أن يطرقها البحث التاريخى، آملاً أن يعود ذلك بما يحقق النفع لمجتمعنا وأمتنا، فى سبيل الوصول إلى نهضة حقيقية، تتخذ من الماضى نبراساً نحو مستقبل أفضل، وهو جل أهداف الدراسات التاريخية0"
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة