القضايا الإنسانية فى شعر أحمد شاملو

عزب شفيق أحد سعيد عين شمس الآداب ا للغات الشرقيــــة دكتوراه 2006

"ملخص الرسالة

 

        يتناول هذا البحث موضوع "" القضايا الإنسانية فى شعر شاملو"" ويتعرض البحث لهذه القضايا عند شاملو بوصفه أديب إنسان يحيا بين أبناء جلدته من البشر يتبادل معهم التأثير والتأثر  ويعيش قضاياهم وهمومهم وما يعتريهم من مشاكل فهو لا يعيش فى فراغ زمانى أو مكانى ، كما أنه لم يسقط على مجتمعه من السماء وإنما نشأ فيهم ذاق ما ذاقوه من مشاكل ومتاعب حياتيه ، ومن هنا فإن احمد شاملو ـ كأديب ـ آمن بأن وطنه يمر بمرحلة في تاريخه تحتاج إلى طاقة محركة بناءة تنهض أولاً : بعبء التزام فلسفة اجتماعية جديدة قوامها النهوض بالملايين الكادحة من أبناء شعبه، وضرورة رفع مستويات حياتهم، وتحقيق العدالة التي تهدف إلى إرساء قواعد المجتمع الاشتراكي الجديد.

 

     وأحمد شاملو الملقب ( أ . بامداد) ولد في 21 من شهر آذار عام 1304 هـ . ش. الموافق يوم الأحد 12 / 12 / 1925 في منزل رقم 134 شارع صفي عليشاه بتهران، وتوفى في يوم الأحد الثاني من مرداد عام 1379 هـ . ش الموافق 22 / 7 / 2000م عن عمر يناهز خمسة وسبعين عاماً قضى منها أربعين عاماً في ساحة الأدب الإيراني المعاصر كان له فيها جهد دءوب ومستمر كباحث مهتم دائماً بالأعمال والدارسات الإيرانية الثقافية والاجتماعية.

 

        لم يستطع شاملو أن يكمل دراسته نظراً لتنقل أسرته المستمر بين مدن إيران المختلفة، حيث كان والده يعمل ضابطاً بالجيش الإيراني، وبالإضافة لعدم تمكنه من مواصلة الدراسة، حرم من أن يكون صداقات دائمة ومخلصة مع أقرانه لافتقاره للإقامة المستقرة، فقضى طفولة صعبة تركت آثارها على شخصيته، ومن ثم فليس من المستغرب أن يبدو على شاملو القلق والقسوة والسلوك العصبي، متأثراً في ذلك بما مر به من ظروف حياتية قاسية، وبالرغم من ذلك كان صلداً ذا عزيمة وقوة لا تنضبان، استقاهما من إيمان كبير بحتمية الكفاح الإنساني، والتحلي بروح حماسية، إذ لم يخامره الإحساس بالضعف والوهن، ولم يتخلف خطوة واحدة عن تحقيق أهدافه الإنسانية، ولم يفتر إيمانه قط بانتصار الحقيقة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والحريات الضرورية المتعلقة بمكانة الإنسان المعاصر. وهذا ما يتضح من خلال دراسة أعماله وآثاره التي خلفها، وكذلك من واقع حياته المتمردة على طولها وامتدادها.

 

      ولم يكن أحمد شاملو شاعراً فقط بل كان كاتباً ومترجماً ومحققاً له العديد من الآثار كالرواية والقصة والمسرحية والعديد من الأعمال المترجمة لأدباء عالميين أمثال ""هايلو"" و""لوركا"" و""أ . كالدول"" بالإضافة إلى أنه تولى رئاسة العديد من المجلات الأدبية وشارك في العديد من المطبوعات منها على سبيل المثال : ""سخن نو"" و ""روزنه"" و ""آتشبار"" و ""آشنا"" و ""خوشه"" ومن مقالاته مجموعة مقالات بعنوان : من الصالون إلى الحارة ""از مهتابى به كوچه"" ، ومنظر من وسط حلبة المصارعة ""انگ از وسط كود"" ، وقد صدر له خمس عشرة مجموعة شعرية منها : الحديد والإحساس ""آهن ها و احساس"" ، والطقس الجديد ""هواى تازه"" ، وحديقة المرآة ""باغ آينه"" ، ومن الطقس والمرايا ""از هوا وآينه ها"" ، وعايدة الشحرة والخنجر والذكرى ""آيدا درخت وخنجر وخاطره"" ، والتفتح في الضباب "" شكفتن در مه"" ، وإبراهيم في النار ""ابراهيم در آتش"" ، وطائر القنقوس في المطر ""قنقوس در باران"" ، وأغانى الغربة القصيرة ""ترانه هاى كوچك غربت"" ، ومدائح بدون صلة ""مدايح بي صله"" ، واللحظات والديمومة ""لحظه ها وهميشه"" ، والتقرير ""قطع نامه"" ، وعايدة في المرآة ""أيدا در آينه"" ، كما صدر له كتاب ضخم باسم ""كتاب كوچه"" أي كتاب الحارة عبارة عن قاموس في مصطلحات العامية الفارسية.

 

            وتنقسم هذه الدراسة إلى ستة فصول مسبوقة بمقدمة وتمهيد ومذيلة بخاتمة تحمل أهم النتائج التى تم التوصل إليها. أما المقدمة فقد تناولت فيها عرضا عاما للموضوع ، وتطرفت له من حيث الأهمية إذا يعد أحمد شاملو من العلامات البارزة فى الحياة الثقافية الإيرانية خلال القرن المنصرم ، كما تناولت بالعرض فى المقدمة أيضا الهدف من وراء هذه الدراسة، والمنهج الذى اتبعته وهو المنهج التحليلى النقدى ، وأيضا جهود سابقين فى هذا النوع من الدراسات.

 

            وتضمن التمهيد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية فى عصر الشاعر ، وتناولت فيها الاوضاع السياسية فى إيران منذ ميلاد شاعرنا والأحداث العالمية المرتبطة بإيران وتأثيرها عليها ، مما كان له فى النهاية عظيم التداعيات على الشاعر وعلى تشكيل هويته الفكرية والثقافية.كما ذكرت فى التمهيد الظروف الاجتماعية وطبقات المجتمع الإيرانى قبل الثورة ، ثم الطبقة البرجوازية التى أعقب تذلك وبدأت تنحسر فى النصف الثانى من القرن العشرين وظهور ما يعرف بالبرجوازية الوسطى . كما أوردت فى التمهيد الحالة الثقافية لعصر الشاعر لتكون نافذة لنا على تكوينه الفكرى وتشكيل شخصيته الأدبية.

 

             أما الفضل الأول فقد ضمنته حياة الشاعر والعوامل المؤثرة فيها، واشتملت حياة الشاعر على العديد من النقاط منها نشأته ومولده وطفولته وأيضا تعليمه ودراسته التى تلقاها . ثم انتقلت إلى الحديث عن مرحلة الشباب والانخراط فى العمل السياسى والتى أسهمت بدورها فى تكوين بناءه الفكرى والثقافى حيث انضم إلى حزب ""توده"" الشيوعى الذى أعجبته فكرة ""الدول المثالية"" التى تتفق وميول ""شاملو"" ثم تناولت بعد ذلك حياته الأسرية وفيها عرضت لما كان يعترى حياته الأسرية من اضطرابات ومشاكل مع زوجاته والتى أثرت بدورها على أعماله الابداعية ثم عرضت لحياته الزوجية الهادئة مع زوجته ومعشوقته ""آيدا"" والتى هيأت له المناخ الملائم الذى ساعده على الإبداع ونظم أفكاره حتى أنه خصها بثلاث مجموعات شعرية من انتاجه الشعرى. كما أننى تطرقت بالحديث عن أسفاره وهجرته التى قام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وختمت الفصل بالحديث عن مرضه ووفاته.

أما الفصل الثانى والذى يحمل عنوان "" شاملو: نشاطه العلمي والأدبي "" فقد تناولت فيه أنشطة شاملو المتنوعة، حيث نشاطه فى مجال السينما الذي لم يقتصر على كتابة السيناريو للأفلام فقط بل امتد إلى كتابة مجموعة من الأفلام الوثائقية للتلفزيون ، وكذلك نشاطه فى مجال النقد حيث قام بكتابة العديد من المقالات النقدية فى الموضوعات الشعرية والصحفية،كما تناولت أيضاً نشاط شاملو فى مجال كتابة المقدمات لأعمال أدباء آخرين والتى تعد من الأنشطة المهمة التى تكشف عن مدى ذائقته الأدبية ، كما تعرضت للقصص الأطفال التى كتبها شاملو حيث كان له نشاط بارز فى مجال أدب الأطفال ، ولم يقتصر نشاطه فى هذا المضمار على إعادة كتابة القصص القديمة والفلكلور الإيرانى بل امتد إلى الترجمة والاقتباس من الأدب العالمي ، كما تعرضت لما تم تلحينه وغناءه من أشعاره على أيدى كبار الموسيقيين الإيرانيين  ثم نشاطه فى مجال الفلكلور والأدب الشعبى حيث قام بتأليف كتاب ضخم "" كتاب كوجه"" دون فيه الأدب الشفاهى أو الثقافة الشعبية من أجل حفظ الموروث الثقافى الإيرانى ، ثم عرضت للترجمات التى قام بها من الأدب العالمى من شعر وقصة ورواية ومسرحيات ، كما تناولت فى هذا الفصل إنتاجه الأدبي حيث كتب فى مختلف الأجناس الأدبية من شعر وقصة ومسرحية.

 

والفصل الثالث من هذا البحث يتضمن القضايا الإنسانية الاجتماعية والتى شغلت دائماً بال شاعرنا إذ أنه حاول معالجة هذه القضايا التى يراها عائقاً فى عملية التغيير والبناء ، وكانت قضية الفقر من أهم القضايا التى شغلته وحازت على اهتمامه  وتفكيره فلقد أولى شاملو هذه القضية أو المشكلة اهتماماً زائداً وغاص فى أبعادها الإنسانية والاجتماعية حتى القرار، محاولاً أن يرسم الطريق أو المعالم للخلاص منها وإبعاد شبحها المخيف والمدمر الذى يفتك بكل الجهود الخيرة داخل الذات الإنسانية. كما يفتك بكل تطلعاتها النبيلة والمشرقة نحو حياة أفضل.، كما تناولت فى هذا الفصل قضية ""الجهل والتخلف"" حيث عانى الإنسان الإيرانى من الجهل والتخلف قروناً طويلة من الزمن، خبت فيها أنوار المعرفة والتطلع والاستشراف، حتى كان العصر الحديث الذى تفتحت فيه العقول والبصائر وبدأ ذلك الثبات الذى خيم بستائره على الأراضى الإيرانية ينحسر شيئاً فشيئاً تحت ضربات الوعى الإنسانى الذى أخذت أشعته تلامس الواقع الإيرانى وتعمر إنسانه الذى بدأ يزيح هذا الكابوس عن عاتقه تدريجياً حتى وضع قدمه على بداية الطريق الموصلة إلى النهوض. وإلى طرح ذلك الداء الذى ران على القلوب والعقول طويلاً. وقد تحمل شاملو وجيله كل التبعات والمسئوليات التى بإمكانها أن تقضى علي كل الأسباب التى تقف فى سبيل تحرير الإنسان ، ورغم اليأس الذى كان يعتريه فى بعض الأحيان إلا أنه كان يستشري فيه الشعور بالأمل والتطلع لعالم أفضل وذلك من خلال القصائد التى نسجها مصوراً فيها لنا مجتمع جديد برئ من العيوب والأمراض الاجتماعية.

 

أما الفصل الرابع المعنون بـ "" القضايا الإنسانية السياسية"" تناولت فى سطوره الانعكاسات السياسية على شاملو من واقع قصائده الشعرية ومثلت هذه الانعكاسات السياسية عنده قضايا سياسية يدعو إليها فى أشعاره ومنها قضية الثورة والتمرد والرفض ، وفيها عرضت لمفهوم التمرد ، ثم أعقبته برأى شاملو فى التمرد ودعوته إليه ، كما تطرقت بالحديث عن بدايات التمرد عن شاملو وأيدت ما ذهبت إليه من كلام ببعض أشعاره . كما أننى لم أغفل عن ذكر تحوله من الشعر الرومانسى فى بداياته الشعرية إلى الثورة والتمرد . ومن القضايا التى كان يدعو إليها فى أشعاره أيضاً وتناولتها الدراسة فى هذا الفصل قضية الحث على الثورة والنضال ضد الاستبداد والظلم .وتضامنه مع رفاق الكفاح والنضال ، كما إنه كان يشيد بالرواد منهم وتمجيدهم ، ومن القضايا التى تناولها بالذكر فى أشعاره التضامن العالمى مع كل المناضلين فى العالم ، وكانت عدته فى هذا التضامن هو قلمه الذى سطر به مؤازرته لكل إنسان مناضل على هذه البسيطة مهما كانت هويته. وعرضت أيضاً لموقفه من قضية الموت فى ساحة النضال إذ كان شاملو يتمرد على الموت بوصفه مصيراً للبشرية ،ولا يخاف منه.

وتناولت فى هذا الفصل أيضاً الإخفاق وخيبة الأمل التى انتابته من جراء عدم وصول رسالته التاريخية إلى الناس والتى حملها على عاتقه إلى وصدمته فى تخاذلهم وعدم اهتمامهم وتواصلهم معه ، كما تطرقت إلى قضية الحرية والدعوة إليه بوصفه حق مكتسب لكل بنى البشر على مختلف الأصعدة.

 

أما الفصل الخامس والذى جاء بعنوان "" السخرية فى شعر شاملو "" فقد ابتدأته بتعريف للسخرية ، وأشرت إلى أن السخرية لم تكن عملاً أدبياً مستقلاً  ـ بالمفهوم الاصطلاحي الحالي ـ  فى الأدب الفارسى الكلاسيكى ؛ وإنما كان الظهور الحقيقى للسخرية فى القرنين السادس والسابع الهجريين إذ ظهرت أول ما ظهرت فى الأدب الصوفى . وبعد ذلك تناولت السخرية عند شاملو وبينت فيها أن السخرية لا تعنى الاحتقار والتعالى على الآخرين وإنما كانت السخرية عنده التمرد على المصير المحتوم وعدم الاستسلام للأوضاع القائمة . كما أننى تناولت بالدراسة مجالات السخرية فى شعر شاملو وتعددها ، فكان منها السخرية من الأوضاع الأدبية التقليدية والسخرية من الأوضاع الاجتماعية والسخرية من الأوضاع السياسية والسخرية من الذات . وعلى كل فقد سخر شاملو من كل المواقف التقليدية ، والعادات المبتذلة ، والتسلط والتحكم والقهر المحلى والدولى ومن كل ما هو من شأنه أن يؤدى إلى شقاء الإنسان والحط من شأنه والذى كان يحوز على كل اهتماماته ورعايته.

 

أما الفصل السادس فجاء تحت عنوان ""رأي فى إنسانية شاملو "" عرضت فيه لأهم السمات الموضوعية المميزة لشعر شاملو .وفى النهاية أرجو أن أكون قد وفقت فيما عرضت والله الموفق وعليه قصد السبيل."


انشء في: أربعاء 4 فبراير 2015 17:45
Category:
مشاركة عبر