القصيدة السياسية في شعر محمد محمود الزُّبَيْرِي
فارس توفيق محمد البِيل القاهرة دار العلوم الدراسات الأدبية ماجستير 2009
لم ينل شعر اليمن وشعراؤه قديماً وحديثاً من الرواج والاهتمام الكثير، على الرغم من كثرته وجودته، وظل غائباً عن المشهد العربي إلا من قليل ظهور، ساعدت عليه ظروف قد لا تكون مقصودة في أفضل حالاتها، وبعضها جرأة واقتحام من خارج اليمن. وذلك عائد لجملة من الاعتبارات قد يكون منها الجغرافيا والعادات، كما يتحمل أدباء اليمن وكتابها جزءاً من ذلك ؛ جراء انطوائهم حول ذواتهم حتى في محيطهم اليمني، فثارت تساؤلات عديدة عن شعر اليمن، واستفهم كثير عن شعرائه. من هنا بدت أهمية تسليط الضوء على الأدب في اليمن، والشعر بخاصة وتقديمه بأسلوب منهجي لأبناء اليمن والآخرين، فبذلت في ذلك جهود كثيرة خصوصاً من الجيل السابق وجيل اليوم، وإن كانت هذه الجهود ما تزال دون المرجو في الكشف عن واقع الأدب في اليمن والتعريف به .
ولما كان للشعر من حضور مهم، ودور فعال في مراحل مختلفة من العصر الحديث في اليمن، حيث واكب إيقاع الحياة فيها، واقترب من تلمس همومها، وتفاعل مع أحداثها المختلفة ، مما احتيج إلى سبر أغواره ، والتوقف عند دلائله ومغازيه، لبيان قيمته وفاعليته .
من ذلك كان الشعر السياسي المعاصر في اليمن أحد أهم الأنواع تقبلاً وتداولاً وانتشاراً، بل تأثيراً وقدرة، كما في عهد المملكة المتوكلية ؛ لخوضه في مسائل حساسة ومشتركة ، وتناوله واقع الناس وظروف البلاد، ما ينأى بعض عن الحديث العام فيه ولو بالهمس، في وقت كانت الإمامة في اليمن تكمل ألف عام من حكمها له ، بما لها وما عليها، حتى كانت في مرحلتها الأخيرة قد مكّنت للخرافة في أذهان الناس كإحدى وسائل الحكم ، وأدارت ظهرها لحركة التطور والنهوض من حولها .
وكان الشاعر محمد محمود الزُّبَيرِي رائد هذا الفن في تلك المرحلة ، والمتصدي لتلك الألفية بشعره لتقويضها كما أراد، وتمزيق النُسج من عليها ، فكان شعره ملهم نضال، وصدى آلام ومنشور ثورة .
أهمية الدراسة :
تأتي أهمية هذه الدراسة ، من كونها محاولة في التنقيب عن الشعر السياسي في اليمن والكشف عنه وأدواره ، و تناوله بطريقة علمية ، لحضوره الواضح في وجدانات الناس ، وغيابه البين في الدرس النقدي والأدبي. وكان شعر الزبيري ـ وقد طغت عليه السياسة ـ الأكثر حضوراً وفاعلية في مجاله ، من بداية الأربعينيات من القرن المنصرم وحتى الثورة اليمنية سنة 1962م ، وإن تعرضت له الكثير من الكتابات والأبحاث؛ فإنها تكاد تبتعد عن المنهجية ولا تخلو من التسجيل العاطفي، وتوارد الخواطر، والتناول السطحي، شابها التضخيم المبالغ للشاعر في جانب، أو التشكيك بأدواره وشعره في جانب آخر، باستثناء دراسات جادة، أفردته بذلك ، وحاولت رصد شعره بعامة ، والوقوف عند مراحل حياته بالتوازي مع شعره ، أهمها ـ بحسب تسلسلها الزمني ـ :
1ـ الزبيري شاعر اليمن : لعبد الستار الحلوجي. صدرت عن مطبعة الكيلاني في القاهرة ، سنة 1968م.
2ـ الزبيري شاعر الوطنية : لعمر الجاوي . صدرت في عدن، سنة 1972م.
3ـ الزبيري أديب اليمن الثائر : للدكتورعبد الرحمن محمد العمراني ، وهي دراسة أكاديمية تؤرخ لحياته بتفصيلاتها المختلفة وأدبه. صدرت طبعتها الأولى عن مركز الدراسات والبحوث اليمني ، سنة 1979م .
4ـ الزبيري ضميراليمن الثقافي والوطني : للدكتور عبد العزيز المقالح. أصلها مجموعة مقالات مختلفة عن الزبيري وشعره . صدرت عن دار العودة ، بيروت، سنة 1983م .
5ـ المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري : لعبد الرحمن طيب بعكر الحضرمي . تناولت مراحل حياته المختلفة و نضاله الأدبي والعملي. صدرت طبعتها الأولى عن دار البشير، صنعاء، منتصف الثمانينيات.
6ـ الزبيري شاعراً ومناضلاً : لمجموعة من الكتاب اليمنيين . وهي مقالات وكتابات متنوعة عن الزبيري وحياته وفكره وأدبه . صدرت عن دار العودة ، بيروت ، سنة 1986م.
7ـ شعرالزبيري بين النقد الأدبي و أوهام التكريم: للدكتور رياض القرشي، وهي دراسة نقدية مختصرة لشعر الزبيري وحركة النقد حوله. صدرت طبعتها الأولى عن دار الطباعة الحديثة، القاهرة ، سنة1990م.
8ـ من أول قصيدة وإلى آخر طلقة، دراسة في شعر الزبيري: لعبد الله البردوني . صدرت طبعتها الأولى عن دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، سنة 1993م.
ومن الرسائل العلمية المخطوطة:
1ـ شعر محمد محمود الزبيري دراسة نقدية : أمين محمد محمد أبوبكر . رسالة ما جستير ، قسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن ، كلية دار العلوم ، جامعة القاهرة ، 1993م .
2ـ البناء الفني في شعر محمد محمود الزبيري : عدنان يوسف الشعيبي . رسالة ماجستير، قسم الدراسات الأدبية واللغوية، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 2003م.
وبرغم أهمية تلك الدراسات جميعها وغيرها، ومرور زمن طويل على وفاة الزبيري سنة 1965م ، فإنها اهتمت بشعر الزبيري ونثره بعامة ومواقفه المتعددة ، من منطلقات مختلفة، ولم يفرد الشعر السياسي أو القصيدة السياسية للزبيري ـ تقريباًـ بدراسة موضوعية ومنهجية مستقلة ، وهو ما سعت إليه هذه الدراسة باعتبار أن الجانب السياسي في شعر الزبيري وهو الغالب؛ هو صورة واضحة لحياته ونضاله، كما يعد وثيقة تؤرخ لنضال الأحرار اليمنيين وحركاتهم المختلفة، وكفاحهم الطويل، وهو سجل حافل بوسائل حكم الإمامة وطرائقه، ظلت تردده الألسن، وما تزال، كمعبر عن حال الناس وتطلعاتهم، وبذلك فهو صفحات مهمة من تاريخ اليمن المعاصر في حقبة من حقبه الأكثر عتمة وعزلة ، تقدم للأجيال المتلاحقة كحق من حقوقها بغرض المعرفة والدراية . كما تسعى هذه الدراسة للمساهمة في فتح الباب لدراسة الشعر السياسي اليمني وهو كثير ومتعدد.
خطة الدراسة ومنهجيتها:
تقوم الدراسة على جانبين؛ موضوعي: به تحليل قصائد الشاعر السياسية والوقوف على مقاصدها والكشف عن دلالاتها اعتماداً على واقعها وأحداثه المختلفة التي تفاعلت معها، ومناسباتها ومدى فاعليتها في ذلك . وفني: تعامل معها من حيث الشكل والأسلوب وإمكاناتها الفنية، ومقدرة كل ذلك في التأثير وتحقيق أغراضها ومرادها.
وبذلك انتظمت الدراسة في مقدمة، وتمهيد ، وثلاثة أبواب تشمل سبعة فصول، وخاتمة، على النحو التالي:
التمهيد: وفيه عرض للحياة السياسية لليمن في الفترة التي عاشها الزبيري وتفاعل معها شعره ، كمفتتح للدراسة يضيء مراحلها اللاحقة، ويضع القارئ في صورة الواقع والبيئة التي نما فيها شعر الزبيري وتجربته .
البـاب الأول: حياة الشاعر، وقد انتظم في فصلين ؛ الأول "" الزبيري الإنسان "" ، وفيه أولاً عرض لحياة الشاعر العامة بدءاً من النشأة والدراسة مروراً بهجرته الأولى والثانية وانتهاءً بعودته للوطن عقب الثورة والوفاة. وفيه ثانياً فكر الشاعر وفلسفته فيما له علاقة بمضمونه الشعري، وفي ختامه رصد لإنتاج الشاعر النثري في الأدب والفكر والسياسة .
والفصل الثاني وعنوانه "" الزبيري الشاعر"" وبه تقسيم لمراحله الشعرية، إلى ثلاث مراحل بعد تدقيق وتتبع لشعره وتطوراته وانتقالاته المختلفة والمؤثرات فيه ، من البداية مروراً بالطفولة الأدبية وانتهاء باليقين الثوري، و فيه ثانياً مفهوم الشعر عند الزبيري ورؤيته لطبيعة الشعر ، و ثالثاً وظيفة الشعر عنده، وأدواره التي أرادها له . وخُتم الفصل بعرض لإنتاجه الشعري .
البـاب الثاني: الرؤية في القصيدة السياسية، وفي فصله الأول توطئة لمفهوم القصيدة السياسية عامة ،وعلاقة الشعر بالسياسة، وفيه ثانياً سمات الرؤية في القصيدة، وقد حُددت حسب تطورها وخصائصها؛ بسمتين هما المهادنة و التمرد وما شملته السمة الثانية من مواجهة للحكام واستنهاض وحشد للشعب.
الفصل الثاني، مجالات الرؤية التي خاضت فيها قصيدة الشاعر السياسية بدءاً بالمجال الوطني وهو على شقين رؤيتها للحاكم واقعياً بأفعاله القائمة، ورؤيتها الافتراضية لما ينبغي أن يكون عليه ويقوم به، ورؤيتها للمحكوم وتصوير واقعه وأوضاعه، ورؤيتها لما يستوجب عليه من أدوار. وثانياً المجال القومي وتحليل رؤية القصيدة لهموم الأمة العربية ووحدتها، ورصد مواقف القصيدة ورؤاها في عدد من قضايا وأحداث الدول العربية في ذلك الوقت. وثالثاً المجال الإسلامي بدءاً بتتبع رؤى القصيدة ومواقفها تجاه الأمة الإسلامية عموماً، وتالياً ذكر بعض دول العالم الإسلامي وأحداثها المتفرقة.
رابعاً في ذات الفصل المجال الإنساني واهتمام القصيدة العالمي، وتجاوزها لحدود القطرية والقومية والأممية من منطلق الدعوة إلى حرية الإنسان وكرامته وأمنه.
البـاب الثالث: وفيه دراسة البنية الفنية في القصيدة السياسية، في ثلاثة فصول؛ الأول لغتها الشعرية، وفيه بيان اللغة الشعرية ودورها، ومعجم القصيدة وتحليل ألفاظها وقد نُثرت في حقول مختلفة أعدت بناء على رصدٍ وإحصاءٍ لنسبة الشيوع وحاجة الاستعمال، وضرورات التعبير. كما رُصدت ظواهر معجمية في القصيدة السياسية تمثلت في توظيف النص الموروث بمصادره الثلاثة الديني والتاريخي والأدبي وتوظيف الأعلام والشخصيات التراثية بذات المصادر.
وفيه ثانياً عرض للتراكيب الشعرية في القصيدة ومنها الظواهر الأسلوبية والوسائل الإيحائية عند الشاعر بدءاً بالتكرار وانتهاء بالنداء.
وفي الفصل الثاني الصورة الشعرية، بيان أهمية الصورة الشعرية بعامة، وعرض لوسائل تشكيلها في القصيدة من تشبيه واستعارة وكناية، وثانياً تتبع أهم خصائص الصورة في القصيدة كتراسل الحواس ومزج المتناقضات واستعمال الألوان، وختم برصد عيوبٍ وقعت فيها القصيدة.
الفصل الثالث ، الموسيقى الشعرية في القصيدة،وفيه بيان أهمية الموسيقى في الشعر بعامة ، واستعراض الموسيقى الخارجية في القصيدة السياسية وإحصاء أوزانها المختلفة وأهم البحور التي استعملتها،وتتبع القافية، وقد غلبت بنمطها الموحد في حين لم تخلُ القصيدة من قافية متعددة ، وفي النوعين من القافية تم إحصاء حروفهما والوقوف عند خصائصها ودلالات استعمالها ، كما لم تُغفل عيوب القافية التي وقعت فيها القصيدة.
وثانياً الموسيقى الداخلية للقصيدة ، وعرض مصادرها المختلفة كالتصريع والتدوير والتقسيم والتدويم والتجنيس ورد العجز على الصدر لدى القصيدة والتدليل على كل ذلك بأمثلة من وحي القصيدة وبيان لإيحاءاتها وحاجة استعمالها وكشف لدلالاتها المتخلفة .
الخاتــــمة: بينت أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة مع بعض التوصيات من واقع البحث وطبيعة الدراسة.
على أن البحث قد لاقى مشكلات أهمها عدم اشتمال دواوينه الشعرية المطبوعة،والموسومة بالأعمال الكاملة، على شعره كاملاً، في حين ما يزال جزء من شعره غير منشور، وهو سياسي بالدرجة الأولى سوى إشارات هنا وهناك تؤكد ولا تكاد تبين، مما ترتب على ذلك جهد مضاعف في البحث والتجميع والدراسة والتحليل، وتمكن الباحث، بعد كثير من الجهد والوقت، من جمع (65) خمسة وستين بيتاً شعرياً للشاعر الزبيري، يعيد الباحث نشرها هنا للمرة الأولى لتنضم إلى تراثه الشعري، مساهمة في الجهود التي بذلت وتبذل للكشف عن أعمال الشاعر التي لم تظهر وإعادة نشرها. وتكمن المشكلة الأخرى في قلة المصادر التاريخية والسياسية اليمنية التي تناولت تلك الفترة، وضعف منهجيتها ،واتخاذها نمطية معينة تكاد تكون أشبه بالسير الذاتية، ولا تعتمد في كثير منها الرصد الواقعي والموضوعي الشامل للأحداث ومجرياتها، فضاعف ذلك من مهمة البحث عن تفسير أو بيان لكثير من الأحداث والوقائع التي ورد ذكرها في قصائد الشاعر، أو أشارت إليها، في مصادر عديدة محلية وعربية وغيرها ، وذلك لضرورة التحليل الموضوعي لقصائد الشاعر ما أمكن، والكشف عن تناولاتها على هدىً ويقين.
ختاماً ؛ يتقدم الباحث بجزيل الشكر والامتنان لكل من أعان وأسهم في إنجاز مهمة هذا البحث .
ويأمل الباحث أن يكون قد وفق في هذا العمل ، واقترب من تحقيق أهداف الدراسة، وما سعى إليه ، وتوخاه من هذا الجهد .
فما كان من صواب فمن الله ،وما كان من خطأ فمن عندي."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة