دور جامعة الدول العربية فى ابرز قضايا العرب السياسية من حرب تشرين 1973 حتى مشروع اصلاح الجامعة 2003
وفيق صالح ناصر, ,جامعة ,دمشق, كلية الاداب والعلوم الانسانية ,قسم التاريخ ,ماجستير 2007
المقدمة
1- حول اختيار موضوع البحث وأهميته:
تعد منظمة جامعة الدول العربية، إحدى أقدم المنظمات الدولية ( ) الإقليمية، على الصعيد العالمي؛ إذ إن تشكلها إثر التوقيع على ميثاقها في 22 آذار 1945، قد سبق تشكل منظمة الأمم المتحدة بثلاثة شهور ( ). ومن اللافت أنها في الوقت الذي تمسكت فيه بالمضمون الإنساني الحضاري للقومية العربية الذي قامت على أساسه، فإنها دعت إلى التعاون الدولي، لحفظ الأمن والسلام العالميين، حيث جاء في ميثاقها أن من مهام مجلسها "تقرير وسائل التعاون مع الهيئات الدولية التي قد تنشأ في المستقبل، لكفالة الأمن والسلام" ( ). ويبدو أن المؤسسين لها كانوا على اطلاع على المحادثات الدولية الجارية لتشكيل منظمة الأمم المتحدة والتي أصبح ميثاقها ساري المفعول، منذ تشرين الأول 1945، واعترفت بالجامعة العربية، كمنظمة إقليمية، بموجب قرار جمعيتها العامة رقم 447 في الدورة الخامسة لعام 1949.
ويمكن تعريف جامعة الدول العربية، بأنها هيئة عربية ضمت بداية، الدول العربية الموقعة على ميثاقها، ثم أخذت تتسع شيئًا فشيئًا، لتشمل اليوم ثلاثًا وعشرين دولة، أي كل دول الوطن العربي، التي تمتد على أرض واحدة، في آسيا وإفريقيا، متصلة برًّا وبحرًا، تسكنها أمة عربية ذات تاريخ حضاري إعماري واحد، وتتكلم اللغة العربية الواحدة، ويجمعها الواقع المشترك والآمال والطموحات المشتركة.
وإن جامعة الدول العربية؛ إذ تتوجه لتوحيد الوطن العربي، فإن أهميتها تنطلق أولًا من أهمية وطنها هذا، بشرًا وأرضًا وتاريخًا وموقعًا وثروات متنوعة، أهمها النفط العربي، وما يمثله من دور حياتي أساس في معظم دول الغرب والشرق المتقدمة. وتنطلق ثانية من أنها، وكما يشير ميثاقها، قد جاءت "استجابة لرغبة الرأي العام العربي في جميع الأقطار العربية" ( ) بتحقيق الوحدة العربية، وتنطلق أهمية الجامعة ثالثًا، من أهمية هذه الوحدة، بمضمونها العروبي، الإنساني، الحضاري الذي تتبناه، والذي لا بد أن ينعكس في مستقبل العرب، عطاء نهضويًّا، إنسانيًّا، إعماريًّا على كل صعيد عربي وعالمي، كما انعكس في تاريخهم القديم والوسيط، وفق ما بينته الأبحاث العلمية التاريخية الموضوعية، حتى في الغرب نفسه.
لقد شكلت الوحدة العربية، منذ يقظة الوعي القومي العربي، في أواخر القرن التاسع عشر، الهاجس النهضوي الأكبر لكثير من العرب، في تطلعهم إلى إقامة الدولة العربية القوية الواحدة، من خلال تكوين تنظيم للعمل العربي المشترك، يتوجه إلى إزالة الحواجز والحدود المصطنعة التي كانت قد أقيمت بفعل عوامل كثيرة لا مجال لذكرها هنا، وأهمها ضعف الداخل العربي وتخلفه، وتآمر الخارج الاستعماري، وجهوده من أجل ترسيخ عوامل هذا الضعف والتخلف، وبخاصة ما تعلق منها بمعطيات انحداره وصراعاته البيئية التي أضعفت مقاومته، وسهلت السيطرة على مقدراته وثرواته النفطية وغير النفطية.
وكان من الطبيعي، أن يأتي التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية، في 22 آذار 1945 معبرًا عن تطلعات الجماهير العربية، نحو الوحدة العربية الشاملة، وكرد فعل رافض للتجزئة والاتجاهات القطرية الضيقة، وكبعض من مظاهر الطموح العربي إلى إنجاز المشروع القومي النهضوي العربي الذي من شأنه، تحقيق الوحدة السياسية للأمة العربية التي تمتلك من عناصر الوحدة في واقعها الاجتماعي والثقافي العريق ما لا تمتلكه أية أمة أخرى، من وحدة اللغة والتاريخ،إلى وحدة الواقع والمصالح والآمال.
وكان من الطبيعي أيضًا، أن يستبشر النهضويون العرب خيرًا، حين قيام جامعة الدول العربي في عام 1945، على أنها تجسد، ولو نسبيًّا، هذه الوحدة العربية، أو أنها خطوة فعلية باتجاه إنجازها، وعلى أمل أن تكون مستقبلًا، المنظمة العربية القادرة على إنجاز هذا المشروع النهضوي القومي العربي، في خلق الدولة العربية الحديثة، القوية، الحضارية، الواحدة، وفي التصدي لحل جميع القضايا العربية العالقة، كقضايا التحرير، وبخاصة قضية فلسطين، وقضايا التحرر والتنمية والتحديث وضمان الأمن القومي العربي. لكن ما أنجزته وهو هام نسبيًّا من دون شك، كما سنرى، كان قليلًا جدًّا بالنسبة لهذه الآمال العربية، التحررية، النهضوية.
وقد وضح ذلك بدرجة أكبر، في المرحلة التاريخية الممتدة ما بعد حرب تشرين 1973، حتى مشروع إصلاح الجامعة في عام 2003، التي كانت ملأى بالمتغيرات العالمية والعربية، إن في فترة استمرار الحرب الباردة، وصراع المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وقطبيهما السوفييتي والأمريكي، التي شهدت حرب تشرين التحريرية 1973 واتفاقية كامب ديفيد 1976، وحرب الخليج الأولى، بين العراق وإيران (1980-1988) وإن في فترة انهيار المعسكر الأول وزعامته، لصالح سيطرة القطب الواحد الأمريكي في "نظامه العالمي الجديد" الذي برز مع حرب الخليج الثانية 1990-1991 وبعدها، والذي وضحت ازدواجية معاييره، في زعمه أكثر فأكثر، لممارسات إرهاب الدولة لدى "إسرائيل" ولخرقها قرارات الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، ولتقصدها تفشيل المحاولات المستمرة لتسوية الصراع العربي – الصهيوني، رغم التنازلات العربية التي شهدتها اتفاقية كامب ديفيد المذكورة، ثم اتفاقيتا أوسلو 1993، ووادي عربة 1994.
وكان أن شهدت هذه الفترة حدث 11 أيلول المروع، وما تلاه من تداعيات هامة، تمحورت حول الحشد العالمي ضد الإرهاب الذي اول ما شكت منه سورية، وأول من حاربته، وليكون بروز إرهاب الدولة للولايات المتحدة الأمريكية نفسها، في المناطق الضعيفة أن العالم في محاولاتها في ترهيب صمود سورية وإيران، وملاحقة المقاومة الوطنية المشروعة في لبنان وفلسطين.
كانت مواقف الجامعة من كل ما ذكر من أحداث، وما سنذكره لاحقًا، ملأى بكل الدلائل التي تؤكد عجزها عن مواكبة هذه المتغيرات، والقيام بالدور الفاعل والمنتظر منها، في تصدي للمؤمرات المحاكة ضد الأمة العربية، في جميع دولها الموزعة فيها. من هنا كان سؤال الذي ما زال يردد: لماذا عجزت جامعة الدول العربية؟ ومن هنا أتى فضولنا المعرفي ؟؟؟ مكامن عجزها وحقيقة مواقفها، وبرزت بالتالي، رغبتنا بالقيام بذلك من خلال دراستنا هذه، حول دورها في أبرز قضايا العرب السياسية في تاريخهم المعاصر، في المرحلة الحساسة المذكورة من جهة، وحول مشاريع إصلاحها حتى عام 2003 من جهة أخرى.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة