أثر الفلسفة اليونانية فى الفكر المسيحى المبكر

ماسة أسامة أحمد رؤوف, ,الإسكندرية ,الآداب, الآثار و الدراسات اليونانية و الرومانية ,ماجستير 2007 328

تحاول الباحثة فى هذه الرسالة ان تقدم دراسة تعتمد على التحليل والمقارنة فى البحث فى أثر الفلسفة اليونانية القديمة على الفكر المسيحى المبكر وذلك لعدة أسباب يمكن اجمالها على النحو التالى :

أولاً : اهتمام العلماء والمتخصصين فى الغرب ولاسيما المسيحيين منهم بالبحث فى أثرالفكر اليونانى القديم والفلسفة اليونانية منه بصفة خاصة على الفكر المسيحى 0 فلقد ظهرت دراسات كثيرة فى هذا الموضوع تمثل فى حد ذاتها اتجاهاً قائماً بذاته فى مجال الدراسات الفلسفية على وجه العموم وفى علاقة الفلسفة بالأديان على وجه الخصوص ولذلك فلا غرابة فى محاولة مسايرة هذا الاتجاه والبحث فيه0

 

ثانياًَ : تحاول الباحثة فى هذه الدراسة ان تثبت ما للفلسفة من قيمة وأهمية قصوى فى خدمة الأديان فإذا كان الشائع بين العامة أو المتشددين هو ان الفلسفة تتعارض مع الدين أو انها تكفر بالأديان فإن الأدلة كثيرة ووفيرة فى هذا البحث وغيره مما يثبت ان الفلسفة كانت دائماً ولاتزال تخدم أغراضاً دينية إما بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة0 ولسوف يكون فيلون أكبر دليل على صحة ذلك وهو ما سوف يتضح بالتفصيل فى أحد فصول هذه الرسالة التى ستتناول أثر فيلون على الفكر المسيحى المبكر 0 لم ير فيلون فى ان يستفيد من الثقافة اليونانية بوجه عام ومن الفلسفة اليونانية على وجه الخصوص فى تفسير مسائل دينية على درجة كبيرة من الأهمية 0لقد كان هدف فيلون هو إعلاء شأن التوراه وإظهارها ككتاب مقدس يحتوى على تعاليم وأفكار وقوانين تفوق ماجاء بالفلسفة اليونانية 0 خلاصة القول ان فيلون بإستخدامه الفلسفة اليونانية وطريقة التعقل اليونانية قد نجح فى مهمته إلى حد كبير حيث انه لم يحقق فحسب الغاية الأولى من فلسفته وهى خدمة الدين اليهودى وإعلاء قيمة التوراه بل نجح أيضاً فى ان يكون رائداً فى هذا الاتجاه بين الفلاسفة المسيحيين والمسلمين على السواء الذين وضعوا بدورهم الفلسفة فى خدمة الدين0

 

ثالثاً : رغم ان موضوع هذه الرسالة يبدو من الموضوعات الشائكة بوصفه يتناول العلاقة بين الفلسفة اليونانية والفكر المسيحى المبكر إلا ان الباحثة لم تهدف من وراء هذه الدراسة إلى ان تغلب جانباً من الجانبين على الآخر كما لم تهدف ابداً إلى ان تبين ان الفكر المسيحى المبكر امتداد للفكر الفلسفى الإغريقى القديم - حتى وان كانت بعض الدراسات الأوروبية تؤكد على هذا المعنى الأخير- بل تريد الباحثة ان تظهر ان بالفلسفة اليونانية القديمة جوانب مشرقة ومستنيرة عندما تُقارن بما ورد فى الدين المسيحى أو فى الفكر المسيحى فإنها لن تضيف بطبيعة الحال قيمة إلى هذا الدين أو إلى هذا الفكر بل سيحدث عكس ذلك تماماً وهو انها سوف تظهر هذه الجوانب نفسها فى الفلسفة عالية القيمة طالما ان بها ماتقره الأديان وتحث على التأمل فيه وتحض على إثبات صحته 0 باختصار فإن الهدف من البحث فى أثر الفلسفة اليونانية على الفكر المسيحى المبكر هو إظهار ان بالفلسفة اليونانية أفكاراً وتعاليم نص عليها الدين المسيحى وحاول المفكرون المسيحيون وبصفة خاصة الأوائل ان يثبتوها بالعقل ، فعندما تكون فلسفة قديمة مثل الفلسفة اليونانية قريبة الشبه من أديان سماوية منزلة فمما لاشك فيه ان ذلك يمثل إضافة إلى الفلسفة لا إلى هذه الأديان0

 

رابعاً: تحاول الباحثة فى هذه الدراسة ان تنوه بشدة إلى الدور الذى لعبه الفلاسفة القدماء فى مجتمعاتهم كمصلحين دينيين يقتربون فى مكانتهم من الأنبياء والرسل حيث كانوا مطالبين فى عصورهم بوضع مذاهب أخلاقية تخدم الناس دنيا ودين ، وأكبر دليل على ذلك مما ورد بالرسالة فيثاغورس الذى لم نحاول ان نثبت فقط بالدليل العلمى والموضوعى انه كان قديسا ًونبياً بل قدمنا من النصوص اليونانية القديمة الدليل على جدارته بهذا الوصف الذى أطلقه عليه تلاميذه وأتباعه 0

أما عن المنهج الذى استُخدم فى هذا البحث فهو المنهج التحليلى المقارن الذى اعتمدت فيه الباحثة على ترجمة النصوص إلى العربية وتحليلها قدر المستطاع وكذا مقارنتها بما جاء فى الكتاب المقدس باناجيله المختلفة وفى رسائل القديسين وفى مذاهب المفكرين المسيحيين الأوائل من أمثال أوريجينيس وكلمنت وغيرهم 0

 

وجديرٌ بالذكر انه إذا كان عنوان الرسالة ينص على دراسة أثر الفلسفة اليونانية بطول تاريخها على الفكر المسيحى المبكر فلا يتعين ان يُفهم من ذلك ان البحث سوف يتناول كل فيلسوف من فلاسفة اليونان بصرف النظر عن مذهبه لدراسة تأثيره على الفكر المسيحى لان من بين فلاسفة اليونان من كان له تأثير واضح ومثير على الفكر المسيحى المبكر ومنهم من كان له تأثير طفيف فقط أو بالأحرى تأثير غير مباشر عليه ومنهم بطبيعة الحال من لم يكن له تأثير عليه نهائياً 0

 

ان البحث فى أوجه الشبه بين الفكر المسيحى وفكر كل من هيراقليطوس وفيثاغورس واكسينوفانيس وأناكساجوراس وأفلاطون وأرسطو لن يسفر بطبيعة الحال عن نفس النتائج التى سوف يسفر عنها البحث فى علاقة هذا الفكر المسيحى بالرواقية على سبيل المثال أو علاقته بمذهب فيلون اليهودى السكندرى أو حتى أفلوطين ولذلك فسوف يُلاحظ فى هذه الدراسة ان أثر الفلسفة اليونانية على الفكر المسيحى كان يتصاعد تدريجياً من مرحلة إلى مرحلة ومن فيلسوف إلى آخر فى تاريخ الفلسفة اليونانية0 ولعل هذه الحقيقة هى التى فرضت نفسها على البحث الفلسفى فى الاتجاهات الحديثة المعنية بدراسة الأثر الفلسفى على الفكر المسيحى أو علاقة الفلسفة اليونانية بالمسيحية بحيث نجد ان العلماء والمتخصصين فى الغرب يولون مثلاً اهتماماً كبيراً للغاية بعلاقة الفلسفة الرواقية بالمسيحية ويكادوا يجمعون على ان الرواقية بمبادئها الصارمة الرصينة كانت خير تمهيد للمسيحيين بينما لم يجمعوا على سبيل المثال إلا على مؤثرات غير مباشرة لأرسطو على المسيحيين تكاد لا تتجاوز تأثيره عليهم فى مفهوم الخير الأسمى أو فى مفهوم السعادة0 ومما يؤكد على هذه الحقيقة انه يُلاحظ فى هذه الدراسة أيضاً إنه إذا كان بمذهب هيراقليطوس جوانب معينة قريبة الشبه من الأفكار المسيحية فيما يتعلق باللوجوس والزهد والشجاعة فإنه يُلاحظ ان بمذهب فيلون السكندرى على سبيل المثال جوانب متعددة قريبة الشبه بنظائرها فى الفكر المسيحى فيما يتعلق باللوجوس بوصفه كلمة الله والتأويل الرمزى بوصف فيلون رائداً فى هذا الصدد إلى المفكرين والفلاسفة المسيحيين وعلى الأخص أوريجينيس وكلمنت ، وكذلك فى موضوع التثليث الذى كان فيلون مسيحياً فيه قبل المسيحية ويمثل الجزء الأهم فى العقيدة المسيحية 0 لذلك فان التناسب بين حجم كل فصل وآخر من فصول هذه الدراسة إن بدا غير متحقق فان ذلك إنما يرجع إلى تفاوت حجم تأثير مذهب من المذاهب أو فيلسوف من الفلاسفة على الفكر المسيحى المبكر، بمعنى آخر فان حجم الفصول يتفاوت بتفاوت الأثر الذى تركه مذهب ما أو فيلسوف ما على الفكر المسيحى المبكر 0

 

وأخيراً فان الرسالة تنقسم إلى أربعة فصول هى على النحو التالى :-

 

الفصل الأول : "مؤثرات الفلاسفة اليونان منذ النشأة وحتى أرسطو على الفكر المسيحى"0 وفى هذا الفصل حاولت الباحثة التقريب بين وجهات النظر الواردة لدى فلاسفة اليونان مثل هيراقليطوس وفيثاغورس واكسينوفانيس و أناكساجوراس و وأفلاطون وأرسطو ووجهات النظر المسيحية أو الواردة فى الفكر المسيحى المبكر0

 

الفصل الثانى : " تأثير المدارس الهيللينستية على الفكر المسيحى "0 وفى هذا الفصل حاولت الباحثة دراسة العلاقة بين المذاهب الفلسفية فى العصر الهيللينستى وبين المسيحية، ويُلاحظ فى هذا الفصل ان التركيز على الفلسفة الرواقية بين هذه المدارس قد فرض نفسه على هذا الفصل بطبيعة الحال ، وذلك لأن المدرسة الكلبية إن كان لها تأثير على المسيحية فانه بالقطع طفيف للغاية لايكاد يتجاوز مذهبهم فى الزهد والتقشف ، كذلك الحال بالنسبة للابيقورية فالبحث فى علاقتها بالمسيحية سوف ينتهى إلى ان أوجه الخلاف أكثر بالقطع من أوجه الشبه بينهما ، وأما مدرسة الشكاك فى العصر الهيللينستى فانها لن تمارس أثرا ًعلى الفكر المسيحى المبكر طالما ان روادها وعلى الأخص بيرون و تيمون ينتهيان إلى اننا لانعرف شيئاً وانه لاتوجد حقيقة وهو ما يتعارض مع التعاليم المسيحية0 ولذلك فان الرواقية كانت من بين المدارس الهيللينستية الأكثر تأثيراً فى المسيحية ولعل أكبر دليل على ذلك هو ظهور اتجاه بعينه فى الدراسات الأوروبية يعنى بدراسة العلاقة بين الرواقية والمسيحية 0

 

الفصل الثالث : " إرهاصات الفكر المسيحى عند فيلون السكندرى "0 ويشتمل هذا الفصل على أثر فيلون على المسيحية فيما يتعلق بالتثليث الذى يمثل ركيزة العقيدة المسيحية ، واللوجوس بوصفه كلمة الله الذى يقابل فى المسيحية السيد المسيح عليه السلام كما يشتمل هذا الفصل على أثر فيلون بوصفه رائداً للتأويل الرمزى على الفكر المسيحى المبكر 0

 

الفصل الرابع : " أفلوطين والمسيحية "0و يتعرض هذا الفصل للبحث فى مدى تأثير أفلوطين على القديس بازل Basil ( 330 - 379  م ) و جريجورى Gregory of Nazianus ( 329 - 390 م ) و جريجورى من نيسا Gregory of Nyssa (331 /340 - 395 م ) فضلاً عن مدى تأثير أفلوطين فى مذهب القديس أوغسطين Augustine ( 354 – 430 م )0

وتشتمل الرسالة أيضاً علي مقدمة تتناول فيها الباحثة أسباب اختيار الموضوع والمنهج الواجب اتباعه فى هذه الدراسة وخاتمة تحاول الباحثة ان تجمل فيها نتائج البحث.

فضلاً عن قائمة بالمصطلحات الفلسفية الواردة بالرسالة باللغات اليونانية و الإنجليزية و العربية.


 


انشء في: أحد 1 مارس 2015 14:34
Category:
مشاركة عبر