اتجاهات النقد الأدبي في ليبيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين
سالم امحمد سالم العواسي عين شمس الآداب اللغة العربية وآدابها الدكتوراه 2009
"اقترن ميلاد الأدب بمختلف أجناسه في أي زمان ومكان بالنقد والتقييم، ابتداء بالحالة الأولى التي تلازم المنتج لحظة إنشائه لعمله الأدبي، وانتهاء بالآراء الشفوية والمكتوبة التي تصدر عن المهتمين باللغة الأدبية الراقية بكل مسمياتها.
وقد سجلت لنا كتب تاريخ الأدب كثيراً من الأسماء والأماكن التي كانت منتدى للرواد من الشعراء والرواة والنقاد والحكام الذين كان لهم الصوت المسموع وكلمة الفصل في تفضيل نتاج هذا الشاعر عن ذاك.
وما أصحاب الحوليات إلا نموذج حي للمهتمين بالنتاج الأدبي في سبيل أن تخرج أعمالهم في أبهى حلة شكلاً ومضموناً.
وفي العصر الإسلامي أخذ النقد ينهج النهج الواقعي المرتبط بقيم الحياة التى جاء بها الدين الإسلامي الجديد، فمقياس النتاج الأدبي الراقي ما كان مطابقاً لتعاليم الشريعة الإسلامية، وليس معنى ذلك تقديمهم للمضمون على حساب الشكل.
وهكذا أخذت معالم النقد تظهر جلية ولاسيما بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية، ودخول الثقافات غير العربية، فامتزجت الأفكار وتباينت الآراء، وبدت ملامح المذاهب في الأدب واللغة والبلاغة بالظهور، وتبعت ذلك حركة النقد؛ لأنه ليس بمعزل عن كل هذه التغيرات، بل هو نتيجة لكل هذه العوامل مجتمعة.
ولعل المطلع على مسيرة الحركة الأدبية في مختلف الأزمنة يدرك أن النقاد كانوا مجبورين على السير فى خطى المبدعين، حتى وإن جاءت آراؤهم خلافاً لما يراه أولئك المنتجون، لكن تلك النظرات سواء أكانت سلبية أم إيجابية فإنها تبقى تدور فى إطار ما يصوغه الشعراء والكتاب، فعندما ظهرت الكلاسيكية مثلاً بوصفها مذهباً أدبياً، سار النقاد فى خط متواز لها، وهذا ينطبق على كل المدارس الفكرية الأخرى.
وتأسيساً على ما تقدم فإن ظهور حركة نقدية فى ليبيا مؤشر على نضوج ثقافى عام، وإدراك لمتطلبات المسار الأدبي بأشكاله المختلفة، الذى أصبح ظاهراً للعيان في تعدد اتجاهاته وبروز أعلامه ورواده، إذ ليست هنالك حركة نقدية ليبية منفصلة عن الإطار العربي العام، ولا العربي بمعزل عن الحركة الأدبية والنقدية العالمية.
ولعل سائلاً يقول: لماذا اختار الباحث النصف الثاني من القرن العشرين فترة محددة لدراسته ؟
والإجابة على هذا السؤال مرتبطة بأمور كثيرة منها الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فليبيا كانت ترزح تحت الاحتلال الإيطالي الذي أدى إلى عدم الاستقرار، وأقصد بالاستقرار الفكري والتعليمي، فكانت فترة الخمسينيات والستينيات بداية حقيقية للتطور الملحوظ في مجال النشر والطباعة وبروز نشاط أدبي ونقدي فى الصحف والمجلات ووسائل الإعلام في ذلك الوقت.
أسباب اختيار الموضوع:
1 – رغبة الباحث فى عمل يسهم في بيان الدور الحقيقي للنقاد الليبيين في مجال الدراسات الأدبية.
2 – إلقاء الضوء على ملامح التجديد في الخطاب النقدي في ليبيا.
3 – لم أجد – على حد علمي – من اهتم برصد حركة النقاد الليبيين، وما قدموه لأجل الرفع من مستوى النشاط الأدبي.
4 – بيان الاتجاهات النقدية للكتّاب الليبيين في فترة زمانية يمكن أن يصطلح على تسميتها: ( مرحلة النهضة الأدبية فى ليبيا ).
5 – وجود كثير من الكتابات النقدية في الصحف والمخطوطات التي لم تتح لها فرصة الظهور، وتأتي هذه الدراسة بمنزلة المرشد من خلال التعريف بأصحابها ومناهجهم النقدية.
هدف الدارسة:
دراسة النصوص النقدية للكتاب الليبيين الذين أولو اهتماماً بالأجناس الأدبية من قصيدة وقصة ومسرحية، وهي بالتالي محاولة لتحليل تلك الآراء ووجهات النظر، وبيان أثرها الإيجابي في رقي الحركة الأدبية في ليبيا، بالإضافة إلى استكشاف الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تعمل على تحديد المسار والمنهج للمهتمين بالنصوص الأدبية.
منهج البحث:
طبيعة الموضوع هي التي توجه الباحث لاختيار المنهج المناسب، ولذلك كان منهج هذه الدراسة وصفياً تحليلياً من خلال الاهتمام بالآراء النقدية للكتاب الليبيين في مجال الشعر والقصة والرواية والمسرحية، متلمساً الباحث الآلية التي استخدمها الناقد في دراسته لهذه الأجناس للوصول إلي نتائج كانت محط اهتمام الباحث في هذه الرسالة.
وقد جاءت هذه الدراسة في مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة:
المقدمة: وقد تناول الباحث فيها معالم الموضوع الرئيسية، وأسباب اختياري له، وأهدافه، والمنهج المختار في هذه الرسالة، وهي العناصر المتعارف على بيانها في المقدمة في مناهج البحث العلمي.
التمهيد: وقد تضمن عرضاً موجزاً لحركة النقد الأدبي في ليبيا خلال القرن العشرين، وذلك من خلال تتبع هذا النشاط الفكري في العهد العثماني في أوائل القرن، ثم فى فترة الاحتلال الإيطالي، وأخيراً المرحلة التي بدأت مع استقلال ليبيا إلي نهاية فترة الدراسة."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة