تحليل الخطاب في رسائل اخوان الصفا دراسه نصيه
وائل محمد فاروق يوسف عين شمس الآداب اللغة العربية ماجستير 2005
"نص رسائل إخوان الصفا نص فريد لموسوعيته الرائدة ولتنوعه المعرفي والجمالي الزاخر، وأيضا – وهذا هو الأهم – للغموض الذي اكتنفه منذ لحظة إنشائه الأولى إلى يومنا هذا . هذا الغموض المتعمد من جانب مؤلف – أو مؤلفي – النص هو ما حاول الباحث قراءة دوره في تشكيل خطاب النص حيث افترض الباحث أن المؤلف – أو المؤلفين – عندما تعمدوا إخفاء أنفسهم جعلوا من الغموض مكونا رئيسا من مكونات خطاب النص.
وقد مضت خطوات الدراسة على النحو التالي:
الفصل الأول: إشكالية المنهج
يعرض الباحث من خلال استقراء مقولات فلاسفة العلم والنظرية الأدبية المعاصرة لخطورة تحول المنهج إلى قالب جاهز للظاهرة المدروسة أو إلى منظور قسري للوعي الدارس وهو ما دعا الباحث إلى أن يقترح ما يأتي:
أولاً : اختزال المنهج – كمنظور للوعي وكقالب للنص – إلى إجراءاته التي تنتظمها وتوجهها الخبرة النقدية والتي نمثل لها هنا بالخبرة الجمالية لدى المبدع، فالخبرة الجملية لدى المبدع تشده وتربطه بكل الأنظمة والخطابات الجمالية التي ينتمي إليها، كما تمثل في ذات الوقت منطلقا لإبداع خطابه الجمالي الخاص الذي تمثل فيه ذات المبدع أحد مبادئ هذا الخطاب التكوينية.
ولعل هذا الربط بين الإجراء المنهجي والخبرة المعرفية والذات المبدعة جدير بأن يوسع القالب النظري- الذي لا مفر منه – بما يسمح بالانفتاح على الذات القارئة في تشابكها مع لحظها المعرفية ويحقق طموح راهنية المنهج للظاهرة الجمالية التي يتوجه إليها ، بدلا من القالب الأسمنتي سابق التجهيز الذي يصب فيه النص.
ثانياً: على المستوى التقني سيعمل "" التناص"" المنهجي بوصفه اقتطاع وتمثيل وتحويل كمبدأ تجميعي للمقولات المنهجية التي يتم توظيفها في الاشتباك مع النص وكمظهر للروح المنهجي الحي الذي يحفظ المسافة الحيوية بين القارئ والنص.
ولعل هذا الطموح النقدي يبرر ما وسمت به الدراسة من أنها ""دراسة نصية"" حيث يتيح هذا العنوان توظيف إجراءات ومقولات النظريات النقدية التي تنطلق من النص وتصب فيه كالأسلوبية والبنائية وعلم النص ونظرية الأنواع الأدبية وحتى التفكيكية والنظرية الشفاهية التي وجدت أنها شديدة الارتباط بموضوع الدراسة .
الفصل الثاني : معطيات الواقع التاريخي لنص الرسائل
عرض الباحث في هذا الفصل للتقصي التاريخي الذي قام به عدد كبير من الباحثين في فترات زمنية مختلفة لمعطيات واقع نص الرسائل فيما يتعلق بهوية المؤلفين ومكانهم وزمانهم ومذهبهم السياسي والديني ورصد الباحث ما انتهى إليه الباحثون من الافتقار إلى أي دليل قاطع يحسم أيا من قضايا النص الخلافية كما رصد العجز عن الانطلاق فى دراسة النص من أي يقين تاريخي يشد النص إلى واقع محدد، ليظل الغموض العلامة الكبرى التي تشكل خطاب النص.
إلا أن الباحث لم يخرج من هذا العرض خالي الوفاض فآراء ونظريات الباحثين في مجموعها وفي إطار عدم القدرة على الحسم المطلق ببطلان هذه النظريات أو صحتها ، تجعل من نص الرسائل النص الذي "" ينسب إليه كل شيء ولا ينتسب هو إلى شيء "" .فقد لاحظت أن نظريات كل الباحثين تصدق على النص إذا كنا نبحث عن فرقة أو مذهب داخل النص ولكنها تنهار جميعها عندما نحاول وضع النص – العصي- في الإطار المحدود لأي مذهب أو فرقة. وتمثل مقولة النص الذي ""ينسب إليه كل شيء ولا ينتسب إلى شيء "" النتيجة التي ينتهي إليها هذا الفصل والمقدمة التي ينبني عليها ما يأتي .
الفصل الثالث: مساءلة المجهول (المؤلف/ النوع)
ينطلق هذا الفصل مما انتهى إليه الفصل السابق حيث يسعى لمعرفة دلالة تغييب المؤلف في ثقافة لا يعتبر فيها النص نصا دون أن يكون مشدودا الى مؤلف حجة ، فحضور المؤلف يمثل ضرورة معرفية لوجود النص وقدرته على ممارسة فاعليته في السياقات المتراكبة التي ينتمي إليها. ويدلل الباحث في هذا الفصل على أن تجهيل المؤلف كان خرقا معرفيا ثوريا للتقاليد الثقافية العربية الراسخة القائمة على النسب والإسناد، فتجهيل مؤلفي الرسائل يتجاوز الشرط السياسي في ظرفيته من حيث أنه سعى لتحرير نص الرسائل ليقوم بدوره الفاعل ، فتجهيل المؤلف يجعل الرسالة مرسلا ويكسبها القدرة على بناء عالمها الخاص لتوجد لنفسها حيزا في زمان ومكان لا يخضع لتراتبية المؤلفين والنصوص فالنص مجهول المؤلف هو ""النص المستقل"".
إلا أن هذا الاستقلال مهدد حيث أن تمرده الظاهر قد يكون غلافا للخضوع للعرف الجمالي القاهر الذي يمثله النوع الأدبي. فقد ارتبط النوع الأدبي بالمؤلف ارتباطا وثيقا حتى ذهب البعض إلى القول إن المؤلف لم يكن إلا وليداً للنوع . المؤلف إذن أسير النوع ودلالة غيابه تظل مرتهنه بالوظيفة التي يحفظ حضورها النوع الذي ينتمي إليه النص، وذلك لأن كثيرا من المؤلفين نبغوا في نوع بعينه وأصبحوا علامة عليه، وكل منهم يصلح مؤلفا للنص الذي نجهل صاحبه . هكذا يؤدي انتماء النص إلى نوع أدبي إلى حرمانه من الاستقلالية التي توفرت له بتجهيل المؤلَّف.
يفلت نص الرسائل من سلطة النوع التى تشدّه إلى مؤلف ينتقص من استقلاليته وذلك بالانتماء إلى فن ""الرسالة"" التى يعرفها ""التهانوى"" بأنَّها ""الكلام الذى أرسل إلى الغير"". يشاكل هذا التعريف بشكل مدهش نص الرسائل فعناصر هذا التعريف هى الرسالة / الكلام ، المتلقى / الغير ، أما مصدر الرسالة فهو مجهول ""أُرْسِلَ"" الرسالة إذن فن ركناه الغياب والحضور
(حضور بالقوة) (حضور بالقوة) (غياب بالقوة)
المرسل(المؤلف المجهول) الرسالة المتلقى
(غياب بالفعل) (حضور بالفعل) (حضور بالفعل)
فالمؤلف حاضر بالقوة إلا أنه يتم تغييبه والمتلقى غائب بالقوة إلا أنه يتم استحضاره . الرسالة إذن ائتلاف بين الحضور والغياب، يمنح عنصر الغياب النص""الاستقلالية"" على حين يضمن لها عنصر الحضور القدرة التواصلية والقدرة على الدعوة.
* اختار الإخوان فنَّ الرسالة لأنه النوع الذى لا يتوفر على خصائص أسلوبية مميزة لمؤلَّف حيث لا يجمع بين مؤلفى هذا النوع جامع كما يقول كارل بروكلمان .
* إن اعتراف القدماء بالرسائل كفن ""كتابى"" يعد أحد العوامل الهامة لفك الارتباط بين النوع والمؤلف، فالنوع الذى تمثل الكتابة أداته ومرجعيته المعرفية يتحرر من مصدره حيث تنهى الكتابة العلاقة التزامنية القائمة على حضور المرسل والرسالة والمرسل إليه فى ""الآن / هنا"" فالكتابة كما يقول ""أونج""تفصل بين العارف والمعروف، الرسالة إذن فن منفصل عن مؤلفه ، إنها النوع الذى يدعم استقلالية النص.
* على الرغم من أن فن الرسالة يُمثَّل حالة تناص أسلوبي لا ينقطع مع الأنواع الأدبية الأخرى مما جعلنا نطلق عليها ""الفن الجامع"" إلا أننا نتوفّر في هذا الفن على سمات أسلوبية خاصة به منها :
- الاستخدام الكثيف لضمائر المخاطب التى تستحضر القارئ وقد تصل بدرجة حضوره إلى أن يصبح أحد شخوص النص .
- الأسلوب الحوارى الجدالى الذى يضع في اعتباره ضرورة حضور الآخر وأفكاره وآرائه.
ونرى هنا أن حضور ضمائر المخاطب يتأكد بالبنية الحوارية التى تنتظم الرسائل هذا الحضور يجب أن ينظر إليه في إطار غياب المؤلف، فكأن النص يقطع روابطه بالواقع ليكون أكثر انغماساً في كل واقع يوجد فيه ""المخاطب"" ، لم يهدد النوع استقلالية النص التى انتزعها النص لنفسه بتغييب المؤلف بل دفع بها في اتجاه غايتها وهو""الدعوة"" ، فنص الرسائل هو ""النص المستقل / الدَّاعية"".
الفصل الرابع : جدل الشفاهى / الكتابى ودورة في تشكيل خطاب الرسائل.
* يبدأ الفصل بمدخل بعرض لتقاطعات النظرية الشفاهية مع العديد من النظريات الأدبية المعاصرة، حيث تمثل هذه التقاطعات مداخل مثالية تفرضها طبيعة النص الذى نقوم بدراسته، فهى تزاوج بين السياق التاريخى والمعرفى للنص وبين أبعاده الجمالية والأسلوبية في ذات الوقت وتفتح أفقاً جديداً لفهم استراتيجية الخطاب الذى تنازعه وعيان : شفاهى وكتابى وذلك من خلال تحليلات نصيَّة نابعة من النص ومشكّلة له.
* المدخل الثانى حاول اصطناع سياق شفاهى / كتابى للتراث العربى مشتبكاً مع المساهمات التى سبقته ناقداً إيّاها ومعدَّلاً لمساراتها منتهياً إلى تكوين رؤيةٍ ومقولةٍ خاصة به وهى خطوة تمهيدية ضرورية للتعرف على خطاب الرسائل الذى نرى أنه ينتمى لمرحلة انتقال المعرفة من خطاب كتابة في إطار مرجعى شفاهى لا تتجاوز فاعليتها التقييد والتثبيت للمنتج المعرفى الشفاهى ؛ إلى خطاب يزاحم فيه الكتابيُّ الشفاهيَّ وقد كانت هذه المزاحمة هى السمة البارزة في خطاب الرسائل.
* ينتقل بعد ذلك إلى استكشاف الجديلة الشفاهية في نص الرسائل على المستويات المختلفة. فقد رصدنا العديد من مظاهر الشفاهية وقسمناها إلى مستويات.
* المستوى الأسلوبى: ودرسنا فيه
(1) ضمائر المخاطب في علاقتها بصيغة الأمر وصيغة المبنى للمجهول.
(2) أسلوب العطف ودوره في ربط وحدات النص الكبرى والصغرى بعضها إلى بعض.
(3) القوالب الجاهزة : يطّرد تكرار بعض العبارات في بداية ونهاية الفصول مما أضفي شكلاً نمطياً على الرسائل .
(4) الإيقاع : وقد تعددت وتنوعت أشكال الإيقاع حيث تتنوع تبعاً للنمط الأسلوبى خطابى أو شعري أو سردي .
(5) النعت : و هو من الظواهر الشائعة فى نص الرسائل وقد لعب دوراً حاسماً في بناء شخصيات الحكايات داخل نص الرسائل.
(6) الإطناب :ظاهرة أسلوبية أخرى مرتبطة بالشفاهية وشائعة في النص.
* المستوى السردي : تعتمد الثقافة الشفاهية على السرد كنمط مطول يحفظ المعرفة ، وقد أثرت فى الرسائل هذه المرجعية الشفاهية تأثيرا بالغا
أولاً : أشكال السرد داخل النص والتى قسمناها إلى :
1- المرويَّة 2- التمثيلية 3- الحوارية
ثانيا : خط السرد : حيث يفتقد الحبكة ويبدو كما لو كان تراكما غير منتظم للأنماط والصيغ القولية التى تشكل الحكاية .
ثالثاً : الشخصيات : نمطية وعجائبية تستند إلى نمطيتها في تنظيم عملية السرد .
* المستوى المعرفي : نرصد أيضاً في نص الرسائل سمات معرفية شفاهية كالحفظ والتقليد والقرب من عالم الحياة الإنسانية .
- الجدلية الكتابية في نص الرسائل :
ونرصد هنا بعض الظواهر التى قد يراها البعض متناقضة مع المظاهر الشفاهية إلا أن هذا التناقض هو ما نسعى إلى دراسة دوره في تشكيل النص ، ولعل أهم مظاهر الكتابية في النص : التجريد والموضوعية ومركزية الأنا والتأويل بالحكاية.
وننتهى إلى أن الرسائل جمعت ""العين والعقل"" إلى اللسان والقلب في القول المأثور ""المرء بأصغريه قلبه ولسانه""
الفصل الخامس : البنية السَّردية في حكاية
"" شكاية الحيوان من جور الإنسان أمام ملك الجن""
يدرس الباحث في هذا الفصل الآليات التى شكَّلت بنية الحكاية التى تبدو كما هو كانت أيقونة سردية لما حواه النص على المستوى المعرفي والجمالى . وقد اصطنع الباحث منطلقاته في القراءة والتى تمثلت في :
(1) حضور القاص غياب القص : من خلال استقراء كتب النقد العربى القديم يرى أن ""القص"" قد تم تغييبه حيث كان يكتسب مشروعية وجوده وفقاً للمغزى الدينى أو الحكمى أو الأخلاقي الذى يحمله وعلى هذا تم إهمال المادة القصصية والتركيز على القاص والتعامل معه كأحد رواة الحديث وفق منطق""الجرح و التعديل"" وقد أدى هذا التغييب لجماليات القص إلى استعارة القيم الجمالية من الأنواع الأدبية الأخرى كعيار للقص على المستوى الإبداع والتلقى .
(2) المَثَل والأمثولة : تأسيساً على الفكرة السابقة فإننا نفضل استخدام مصطلح ""المثل"" بمعنى الحكاية من التراث القصصى على مصطلح الأمثولة حيث يقتضى ""المَثَل"" علاقة تقابل بين الحكاية والواقع تفترض حضورهما في نفس الوقت على حين تقتضى الأمثولة ترك وإهمال ""المعنى الأول"" والانتقال إلى ""المعنى الثانى"" فهى تقوم على الانتقال والغياب لذلك نرى أن ""المَثَل"" يوظف الإشارة على حين تعتمد الأمثولة على الرمز ، كما أن ""المَثَل"" يُعلى من دور المتلقى فالمثل لا يكتمل وجوده دون أن يُحتذى وأن يمارس ، وتفعيل دور المتلقى أحد مكونات خطاب الرسائل الإستراتيجية كما رأينا.
(3) الفصول : يتوقف الباحث أمام تقسيم الإخوان الحكاية إلى فصول حيث يشى هذا التقسيم بوعى الإخوان بالفرق بين الحيوان ككائن حى طبيعي والحيوان كأحد المكونات الثقافية للمجتمع وعلى هذا فقد قسموا ""الرسالة الثامنة"" التى ترد فيها الحكاية إلى قسمين، القسم الأول يقدم المعرفة ""الطبيعية"" عن الحيوان ،والقسم الثانى وهو الحكاية التى تبدو تَنَاصًّا طويلاً مع ثلاثة آلاف عام من توظيف الحيوان في الحكايات ،ولعل هذه القسمة تجد جذورها عند الجاحظ في كتابه الحيوان إلا أن الإخوان تميّزوا بأن أدمجوها في نسيج الحكاية وليس في إطار استخلاص المغزى والحكمة كما فعل الجاحظ.
(4) ""حبك السَّرد"": يرى الباحث أن مفهوم ""الحَبْك"" التراثى – كما أطَّره محمد العبد – هو المسيطر على الوعى المنشئ للحكاية وهو الفاعلية البنائية التى شكلت النص وقد تحركت الحبكة في إطاره كموضوع لآلية الحبك ."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة