المدرسة التيمورية في هراة تحت رعاية الأمير بايسنقر(دراسة أثرية فنية)

أسامة البسيوني عبدالله القاهرة الآثار الآثار الإسلامية ماجستير 2009

ملخص الدراسة:

وقبل أن تميل شمس القرن الرابع عشر إلى الغروب , تعرضت المدن الإيرانية لهزات جديدة عنيفة زعزعت أقطاره وتركته خرابا , تلك المدن التي كانت فيما مضى فخر البلاد ومنارتها عانت إذ ذاك من المحن ما لم تتعرض لبعضه من قبل , فمثلا مقاطعة خراسان التي بلغت شأنًا عاليا من الازدهار فيما مضى غلب عليها الدمار بعد أن خربت مبانيها وكل مظاهر الحياة فيها بعد أن حصد الموت أو الفناء السكان بالعشرات لشدة ما تعرضوا له من ضربات وويلات على يد الجيوش التيمورية الغازية التي قادها الأمير تيمورلنك( ).

     وينتمي تيمور الذي يعرف في أوربا باسم تامرلان أو تامرلنك إلى فرع كركن من بيت برلاس( ) ولد في عام 736هـ/1366م في قرية من قرى كس تعرف باسم شهر سبز( ) أي المدينة الخضراء( ) , ويشتهر أمير تيمور باسم تيمور كوركان( ) , وآقساق تيمور( ) , وتيمورلنك( ).

     وقد أتخذ تيمور مدينة سمرقند عاصمة له( ) والتي من خلالها حكم الإمبراطورية التي تشمل ترانسكسونيا , إيران , الشرق الأدنى , سوريا وأسيا الصغرى( ) وكان تيمور قد فتح خراسان ومازندران وسجستان سنة 786هـ/1384م , كما غزا أذربيجان وجورجيا وغربي إيران أي إقليم فارس جميعه في سنة 795هـ/1392م( ) .

      وبعد ذلك كان مشغول بكثرة مع حملاته الشهيرة إلى الهند وروسيا والأناضول وذلك حتى وفاته في سنة808هـ/ 1405م( ) هذا ونجد أنه قد اتخذت التركستان وإيران من جديد في حكم تيمور عهد جديد وذهبت جيوش

تيمور إلى مسافات شاسعة , ففي الغرب إلى أزمير وبروسه , وفى الجنوب الشرقي إلى دهلى , ولم يكن تيمور أقل من جنكيز قسوة وسفكا للدماء فى البلاد التى استولى عليها ( ).

     وعلى الرغم مما شاب فتوحاته من قسوة ووحشية وسفك للدماء , إلا أنه كان محبا للعلماء مقربا لهم ( ) لدرجة أنه كان يجمع أثناء غزواته الفنانين الشهيرين والصناع الماهرين( ) من المراكز الثقافية والفنية مثل شيراز وبغداد وتبريز وقاشان ويرسلهم لعاصمته فى سمرقند( ) , كما كان يميل إلى الآداب والمعرفة ويقبل كثيرا على مجالس الأدباء( ).

     وقد أعطى تيمور اهتمامًا بالغًا بتعمير المدن التى استولى عليها بعد ما أصابها الكثير من مظاهر الخراب , حيث بدأ فى تحويل سمرقند إلى عاصمه ملكيه فشيد قصورا بحدائق حول المدينة , وقد تحمل على عاتقه مهمة أنشاء كثير من مشاريع البناء المتعددة الضخمة( ).

     كما شيدا معماري تيمورلنك القصور وأقاموا الأسوار والبوابات والقلاع والحصون والمساجد والأضرحة والمدارس مما يحدو بنا القول بأن عصر تيمورلنك هو بحق عصر التشييد والعمران الذهبي , فقد غدت مدينه سمرقند فى عصره من أجل المدائن حتى إن الإنسان ليعجب ويقف مذهولا أمام ما خلفه الإنسان المسلم فى هذه المدينة من آثار دينيه وجنائزية , كما أنها مدينه تتسم بالروعة والفخامة فى التخطيط والزخرفة( ).

      وفى حوالي سنة 775هـ/1373-1374م بدأ البناء فى مدينة كش (شهر- سبز) بإضافة التحصينات وتشييد قصر آق سراي( )(لوحة 1) في سنة791هـ/1379-1380بعد استيلائه على خوارزم( ).

     ويعد مشهد أو مزار أحمد ياسوى من أهم الأعمال المعمارية التي كلف تيمور ببنائها والذي لازال قائم وبحالة جيدة( ) في مدينة تركستان , وهذه المدينة ثالث مدن إقليم التركستان (ما وراء النهر) , الشيء الهام الذي يميز البناء هو الصحن المسقوف بقبة كبيرة على شاكلة مباني السلاجقة في الأناضول ذات الصحن( ) (لوحة 2) , وضريح كور أمير (لوحة 3) , ومسجد بيبى خانيم بسمرقند (لوحة 4).

 

     فى حين لو انتقلنا بالحديث إلى حالة الفنون خلال عصر تيمور فأنه على الرغم مما قيل من أن تيمور لم يكن له ميل عظيم إلى الفنون والآداب( ) إلا إننا نمتلك دليل لامتلاك تيمور الرعاية للفنون والذي يتضح من خلال الأثاث المحفوظ فى الضريح المقدس لأحمد ياسوى , حيث بقى العديد من التحف المعدنية محفوظة فى هذا الضريح من بين تلك التحف والتى كان لها تأثير كبير يكون الطست البرونزي الضخم , وبالإضافة إلى هذا الطست يوجد ستة شمعدانات من النحاس الأصفر مزخرفة بطريقة الحز والترصيع بالمينا( ) (لوحات 5 , 6).

     وفى نفس الوقت أعطى تيمور اهتماما بالغًا بالكتب الأدبية وبخاصة الأعمال التاريخية( ) مثل مخطوط

ظفر نامه( ) المسجل لكم هائل من فتوحاته( ) (لوحات 7أ- ب, 8 ) , كما تبقى من فترة عهد تيمور عدد من المخطوطات الأدبية المصورة , وهما مخطوط خواجو كرماني المحفوظ بالمتحف البريطاني وقد كتب فى بغداد سنة796هـ/1393م , أما المخطوط الثاني فهو نسخة من مخطوط الشاهنامة محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (32) ونسخ هذا المخطوط بشيراز سنة796هـ/1393م( ) , ومن النادر أن نجد بعض القواد العسكريين والحربيين فى الجيش التيمورى كانوا يمتهنوا فى نفس الوقت مهنة الناسخين للمخطوطات فى البلاط التيمورى , من أمثال هؤلاء مولانا ناصر الدين عمار والذى يكون مذكور كقائد لأحدى الحملات العسكرية , وتولى فى نفس الوقت مهنة الخطابة بعد فتح دلهي( ).

      وقد كانت النهاية أن دخل تيمور في غيبوبة في 808هـ / 1405م وتلفظ النفس الأخير فى معسكره الرئيسي في اوترار عندما كانت جيوشه مستعدة للسير إلى الصين , ولم يكد تيمور يوسد الثرى فى سمرقند وتنتهي مراسم العزاء حتى أنطلق ورثته يتحاربون من أجل التاج , وبالرغم أن تيمور بنى بثماني زوجات ولكنه لم يرزق إلا بأربعة من الأبناء هم:غياث الدين جهانكير ومعز الدين عمر شيخ وميرانشاه وشاه رخ( ) , ولما توفى تيمور لم يكن فى سمرقند من أهل بيته الذى يمكن أن يخلفوه على العرش إلا اثنان حفيد له وأبن أخته( ), حيث حصد الموت أبناءه جميعا فى حياته باستثناء شاه رخ ميرزا النبيل , وهكذا كانت النهاية لتيمور الذي يذهب فريق من المؤرخين إلى أنه من أعظم ملوك الأرض من بعد يوليس قيصر والأسكندر الأكبر( ).

شاه رخ ودوره في الحفاظ على الإمبراطورية التيمورية( ).

------------------------------------------------------

     وكان شاه رخ هو الابن الأكبر والأكثر أهميه وأقام ملكه فى هراه وخراسان وما وراء النهر( ) وقد سارعت الأيام بزوال دولة ميرانشاه بعلة سفاهته وثورات ولديه وقوة آل جلائر وتراكمة االقراقونيليو, في حين دامت دولة شاه رخ نتيجة لكفاءته وعقله وخبرته وغدا بلاطه وبلاط خلفائه من أفضل مراكز العلم والفنون وبرزت فترة ازدهار أخرى على أثر وجوده ووجود أبنائه فى تاريخ حضارة إيران( ).

عاصمة ملك شاه رخ.

-----------------------

     عندما أستقر الأمر لشاه رخ على بقية أفراد أسرته , رحل لكي يقيم بعاصمة ملك والده على الضفة الأخرى من نهر جيحون وسط منطقه لا تتحدث التركية تقريبا , فقد كان يحس بالانتماء إلى سمرقند عاصمة أبيه أكثر من إحساسه بالانتماء إلى فارس وهو فى شيراز أو أصفهان اللتين كان يحكمهم أبناء أشقائه , ولذا نراه بعد وفاة أبيه أنتقل إلى هراة حيث أنفق البقية الباقية من عمره بها بعد أن خفت صوت معاركه الحربية( ).

النهضة الفنية والثقافية فى عهد شاه رخ.

------------------------------------------

     قبل الحديث عن تلك النهضة وجب القول أن شاه رخ كان على عكس أبيه فقد حكم الإمبراطورية التيموريه وذلك ليس كقائد تركي مغولي فاتح ولكن كسلطان مسلم , ونجد شاه رخ في كتب التاريخ التى سلطت الضوء على الأسرة التيموريه موصوف أو ممجد كرجل عظيم الولاء للأسرة , وأيضا عظيم الدبلوماسية والتواضع , وكذلك كنموذج للحاكم الأسلامى الذى صلح أو جدد كثير من التلف الفيزيائي والنفسي المحدث بواسطة أبيه( ) , وقد اختلفت شخصيته تماما عن شخصية والده فقد كان مولعا بالعلوم والفنون يرعاهما مع التزامه الصارم بتعاليم الشريعة الإسلامية , وكان يتجنب حفلات الشراب الماجنة التى أغرق فيها أقاربه بل لقد ذهب به الأمر إلى حد جمع الخمور من دور هراة بما فى ذلك بيوت أبنه محمد جوكى(848هـ/ 1444م) وحفيده علاء الدولة( 820هـ/1417م 865هـ/1460م) وإراقتها في الطرقات( ).

     هذا وقد أولى شاه رخ هو الآخر اهتمامًا كبيرًا بتشييد المباني والمنشآت فقد كان مشروعه الرئيسي هو أعادة البناء لمدينة هراة ( ) حيث أمر بإعادة البناء لأسوار المدينة والقلعة التى اكتملت فى سنة818هـ/1415-1416م( ) , كما أنه أعاد بناء السوق مثل المتجر الذى كان فى وسط المدينة والذي أدى إلى أنعاش المدينة بالحركة التجارية والأقتصاديه القوية , بعد ذلك أعاد بناء الحديقة البيضاء(813هـ/1410-1411م)( ) , كما شيد أيضا مجموعة (مصلى) ضمت القبة والمدرسة والجامع الكبير المعروف باسم جامع الجمعة الثاني( ).

      ولا يمكن بأية حال من الأحوال ونحن نتحدث عن الأمير شاه رخ ودوره فى التشييد والبناء أن نغفل دور زوجته جوهر شاد والدة الأمير بايسنقر , فنجد أن أول عمل لها كان الترميم للمزار الخاص بإمام ريزا فى مشهد(821هـ/1418م-1419م)( ) وفى نفس الوقت نجدها أوقفت أموالاً على الجامع الكبير فى مشهد حول مقبرة إمام ريزا والتى أصبحت مكان الحج للشيعة( ) , كما شيدت جوهر شاد سنة 836هـ/1432م مدرسة تضم تربة أو مقبرة لاتزال إلى اليوم باقية فى حالة معمارية جيدة على الرغم من تعرض المدرسة للهدم والدمار وهى شبيهه بقبتها ذات الضلوع البارزة والكسوة الخزفية بتربة تيمورلنك( ) وقد أكتمل بناء هذه المدرسة فى سنة 841هـ/1437م ,ونجد أن تخطيط هذه المدرسة من نوع المدارس رباعية الأيوانات , وكانت مشيدة بواسطة المعماري قوام الدين وكانت تشبه مدرسة جزرجاه من حيث امتلاكها لمئذنة واحدة فقط على المدخل وكانت مغطاة بزخرفة القرميد( ) , كما شيد المعماري قوام الدين فى مدينة كيبان Khiaban مجموعة تضم مصلى ومدرسة يحملوا أسم جوهر شاد

وتاريخ سنة820هـ/1417م , كما شيد لها أيضا قوام الدين المسجد الجامع فى مشهد(819هـ-821هـ/ 1416م -1418م) (لوحة 10) ( ).

      ننتقل الآن إلى شاه رخ ودوره المؤثر فى الفنون بصفة عامة وفن التصوير بصفة خاصة , حيث أننا نجد أن الأمراء التيمورين فى غمرة حروبهم الطويلة وجدوا وقت وذلك لرعاية الفنون الجميلة , فنجد شاه رخ بالإضافة إلى كلا من أبنائه أولغ بك وبايسنقر ميرزا وأبن أخر وهو إبراهيم سلطان والذي حكم شيراز من سنة817هـ/1414م حتى839هـ/ 1435م , وكذلك واحد من أبناء أخوته وهو اسكندر سلطان فى شيراز وآخرين متعددين , شجعوا كلا من المصورين والفنانين المتعددين( ) ليعملوا جيدا داخل ورشة عمل منظمة أو ما يسمى (بالكتابخانة)( ).

      ويبدأ العصر الذهبي للتصوير التيمورى فى عهد هؤلاء السابقين( ) حيث وصل فن أنتاج الكتاب الإيراني إلى ازهي عصوره( ) , ومما ساعد على التقدم فى فن التصوير فى عهد شاه رخ أنه جمع الفنانين من كافة أنحاء دولته , وأقام لهم مجمعا علميا ومكتبة فى هراة حيث تعاون الوراق , الناسخ , المذهب , قصاص الورق , صانع الأصباغ والمصور والمجلد على أنتاج مجموعة من أروع الكتب التى ظهرت فى العالم( ) , بل لم يقتصر الأمر عند هذا الحد حيث نجد أن شاه رخ استولى على خزائن وفناني مجمع اسكندر سلطان بعد خلعه من حكم المدينة( ).

مخطوطات اسكندر سلطان.

-----------------------------

     بدأ أسلوب المدرسة التيمورية الخالصة فى الظهور منذ أوائل ق9هـ/15م فى بلاط اسكندر سلطان( ) , الذى كان لا يقل تحمسا لتشجيع فنون الكتاب عن السلطان أحمد جلائرى( ) , وفى هذا السياق نجد أنه ينسب لشيراز تحت رعاية الأمير اسكندر فى تلك الفترة عدد من المخطوطات الهامة المنفذة بمجمعه منهم :-

1- ديوان الأشعار الفارسية المؤرخ سنة813هـ/ 1410 م المحفوظ فى مؤسسة جليبنكيان بلشبونة (اللوحات 14,13,12,11,9).

2- مجموعة الكتابات الأدبية المتفرقة المجمعة فى مجلد التى تحمل تاريخ سنة814هـ/ 1410-1411م فى المتحف البريطاني ( ) (لوحات 15, 16).

3- بالإضافة إلى ذلك ينسب إليه نسخة من كتاب ""شاهنشاه نامة أو ملحمة تيمور""( ).

4- كما ينسب له أيضا مخطوط مجموعة الكواكب( ).

     هذا وكان يعمل فى بلاط اسكندر مجموعة من أشهر المصورين والخطاطين من بينهم المصور بير أحمد باخشى مالى ((PirAhmad Baghshimali( ) , وهذا الفنان يمكن رؤية أسلوبه بوضوح فى ديوان الأشعار الفارسية ليزدى في استانبول , ومجموعة نثريات فى المتحف البريطاني سنة814هـ/ 1410-1411م (تحت رقم27261) بالإضافة للمخطوطات الأخرى المنفذة لاسكندر سلطان.

     ويبدو بوضوح دخول بير أحمد في خدمة شاه رخ فى هراه وذلك بعد سقوط اسكندر فى سنة817هـ/1414م , حيث يظهر أسلوب عمله واضحا في مخطوط الأعمال التاريخية لحافظ أبرو فى مكتبة طوبقابى( ) وظل متمتعا برعاية شاه رخ حتى وفاته فى سنة823هـ/ 1420م , ومالا يمكن قط إغفاله أن عمل بير أحمد أثر بشكل قوى على المجمع الفني البايسنقرى( ) , كما يعد معروف البغدادي( ) من بين فناني مجمع اسكندر الفني , وقد عمل معروف بالتتابع لأربعة من أعظم الرعاة شهرة في أيامه هم سلطان أحمد في بغداد في أواخر القرن 8هـ/ 14م واسكندر سلطان في شيراز وأصفهان في أوائل القرن 9هـ/ 15م، وبعد ذلك عندما أخذ لهراة حيث عمل لكلا من شاه رخ وبايسنقر فكان يعمل فى مدينة هراة من سنة823هـ/1420م.


انشء في: اثنين 24 يوليو 2017 14:18
Category:
مشاركة عبر