الخواص الاكلينيكيه والبيئيه لمرض الوسواس القهري في شرق المملكه العربيه السعوديه
احمد عبد الكريم مصطفي ، ،عين شمس، طب، الطب النفسي ،تمهيداً للحصول على درجة الدكتوراه في الطب النفسي 2001
إن أي محاولة لتفريغ الطب النفسي من مضمونه الاجتماعي والحضاري ، أو فصل المرض النفسي عن خلفيته الاجتماعية والبيئية لمهمة صعبة ، وليست من الحكمة في شيء فمثلاً مرض الوسواس القهري كغيره من الأمراض النفسية يجب فهمه والتعامل معه في ضوء الخلفية الاجتماعية والثقافية للبيئة التي يُدْرَس فيها ، والتي تؤثر حتماً على أعراضه ، وكذلك على نظرة المجتمع له ، وعلى أسلوب علاجه
ومن الواضح أن العوامل الثقافية ، والبيئية ، خاصة الدينية منها تلعب دوراً هاماً في تحديد شكل المرض ، ونوعية أعراضه ، ولكن ليس بالضرورة في تحديد ظهور المرض من عدمه0 ومن الملاحظ أن الشكل الإكلينيكي لمرض الوسواس القهري ؛ ونوعية أعراضه قد يختلف من بيئة إلى أخرى ، ومن مجتمع لآخر فمن المفترض أن يكون للعوامل الاجتماعية والبيئية تأثيراً في عدة جوانب من المرض مثل شكله الإكلينيكي ومحتوى أعراضه وكيفية إدراك المريض لطبيعة الوسواس وكذلك مسار المرض وتطوراته
ومن المعروف أن البيئة في المملكة العربية السعودية لها طبيعتها وتركيبتها الخاصة من ظروف اجتماعية ونوعية التعليم ومستوى المدنية ، ودرجة التقدم الصناعي ، والأهم من ذلك كله مجموعة المفاهيم والمعتقدات والتقاليد والسلوكيات الإسلامية والثقافية ، إلى جانب بعض القدر من الانفتاح على الحضارات الأجنبية
وعلى الرغم من وجود العديد من الصفات المشتركة بين البيئة السعودية والبيئات العربية والإسلامية الأخرى ، فإن أهم الخواص التي تميز المجتمع السعودي عن غيره من تلك المجتمعات ربما ترجع إلى الدور الريادي للدين الإسلامي في تنظيم والتأثير على كافة أوجه الحياة ، فالمواطن السعودي بصفة عامة أكثر اهتماماً من غيره بالأمور الدينية وأكثر تأثراً وإيماناً بمفهوم العلاج الشعبي الذي يتسم بالطابع الإسلامي وكذلك فإن نظرة المجتمع للمرض النفسي على أنه وصمة عار ما زالت متفشية ، بالإضافة إلى نظرة عامة للطب النفسي تتسم بالجهل وعدم الثقة واعتباره من العلوم الغربية المستوردة التي تتعارض مع الإسلام
ومن خلال هذه الدراسة حاولنا التعرف على الخصائص الإكلينيكية والبيئية لمرض الوسواس القهري في المملكة العربية السعودية كمثال للنموذج العربي الإسلامي لهذا المرض ليكون جاهزاً للدراسات البيئية النفسية المقارنة ، مع إجراء المقارنة مع بعض الدراسات التي أجريت على هذا المرض في المجتمعات الأخرى
العينة:
تتكون عينة البحث من 47 مريضاً تنطبق عليهم أعراض اضطراب الوسواس القهري المطلوبة للتشخيص حسب التقسيم الدولي العاشر للأمراض ، والذين كانوا يترددون عل عيادة الطب النفسي في مستشفى الملك فهد الجامعي بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية0
الأدوات:
تم إجراء تقييم شامل للمرضى باستخدام:ـ
1] المقابلة الإكلينيكية شبه المقننة
2] المقابلة الإكلينيكية المقننة لتشخيص اضطرابات الشخصية حسب الكتيب التشخيصي الإحصائي الثالث المكرر للأمراض النفسية ( D S M – 3R )0
3] مقياس الانطباع الإكلينيكي العام C. G. I.0
4] مقياس ييل براون للوسواس القهري
5] مقياس هاميلتون للاكتئا
6] مقياس هاميلتون للقلق
بعد ذلك قام الباحث بإجراء عمليات تحليل إحصائي للنتائج باستخدام أنماط المتغير الواحد والمتغيرين والمتغيرات المتعددة من خلال برنامج الحاسب الآلي ( S P SS )0
النتائج:
أولاً: تبين من خلال البحث أن كلاً من الطابع العربي الإسلامي العام ، والسمات الاجتماعية والبيئية الخاصة بالمجتمع السعودي كان لها الأثر الواضح على الجوانب المختلفة لمرض الوسواس القهري كما اتضح من خلال النتائج التالية:
1-تأخر المرضى لمدد طويلة قبل التفكير في اللجوء إلى الطبيب النفسي مما يعكس الشعور بالوصمة من المرض التي تدفع المريض إلى تحمله لأطول مدة ممكنة ، كما يعكس ميل المرضى إلى اللجوء للوسائل غير الطبية مثل العلاج الشعبي ، والجهل بطبيعة المرض كما تبين أن هذا التأخير يرتبط إحصائياً بعدة عوامل أهمها كبر السن والأمية ووجود طقوس التأكد أو الوساوس الجنسية
2-ارتفاع معدل اللجوء إلى المعالجين الشعبيين ( 87% ) مما يدل على أن اللجوء إلى العلاج الشعبي ( الديني ) سلوك متأصل في مرضى الوسواس السعوديين بغض النظر عن مواصفاتهم الديموغرافية والاجتماعية والإكلينيكية بما فيها درجة التزامهم بواجباتهم الدينية
3-ارتفاع معدلات الوساوس الدينية مع اختلاف أنواعها وكثرة أشكالها ، وكذلك الاعتقاد السائد بأن الوساوس بصفة عامة تدل على ضعف الإيمان ومس الشيطان ، واللجوء إلى المشايخ للرقية وقراءة القرآن الكريم بهدف العلاج كل هذا يعكس ما للدين الإسلامي من أثر كبير على المرض بجوانبه المختلفة
4-ارتفاع معدلات الوساوس العدوانية وانخفاض معدلات الوساوس الجنسية مقارنة ببعض البيئات العربية الأخرى يمكن تفسيره في ضوء الطبيعة الاجتماعية والبيئية الخاصة للمجتمع السعودي
5-لم تمثل حالات العزوبة والطلاق نسباً كبيرة من مرضى الوساوس كما وجد في المجتمعات الغربية ، وذلك بالرغم من المعاناة والصعوبات التي يسببها المرض للحياة الزوجية ، وذلك يدل على القيمة الكبرى والاحترام الذي ينظر به المجتمع المسلم إلى الزواج والحياة الزوجية كعامل هام للاستقرار النفسي والاجتماعي يستطيع مواجهة أعاصير المرض والتصدي لتحدياته
ثانياً: كان لبعض العوامل الاجتماعية والبيئية القدرة على تفسير بعض أنواع الوساوس إلى حد ما 000 فمثلاً كان هناك علاقة إيجابية مطردة بين ارتفاع مستوى التعليم وكلٌ من الوساوس الجسدية والجنسية والصور الوسواسية غير العدوانية والتأملات الدينية الوسواسية والمبالغة في كتابة القوائم وطقوس تجنب الأضرار كما استطاعت درجة التمدن أن تفسر طقوس العد وطقوس التأكد من الخلو من الأمراض
ثالثاً: كان الاختلاف بين الجنسين محدوداً بالنسبة إلى التباين الكبير بين وضع الرجل والمرأة في المجتمع السعودي0 فقد اقتصر هذا الاختلاف على ارتفاع نسبة الوساوس الجنسية والصور الوسواسية بين الرجال وطقوس التنظيف والغسل بين النساء
رابعاً: أوضحت الدراسات النفسية البيئية المقارنة في مجال الوسواس القهري وجود تشابه في الأعراض بين المجتمعات التي يلعب الدين فيها دوراً هاماً ـ المجتمعات الإسلامية واليهودية بالذات ـ حيث وجد أن أكثر الوساوس انتشاراً فيها تدور حول الدين والتلوث
خامساً: بالإضافة إلى المحتوى الديني ، فإن المجتمعات الإسلامية بالذات بما فيها المجتمع السعودي تتميز بارتفاع معدلات الوساوس العدوانية والجنسية والتي تتباين معدلاتها نسبياً من مجتمع لآخر مما يعكس الاختلافات النسبية في طبيعة التركيبة البيئية والثقافية لهذه المجتمعات
سادساً: إن هذه الخواص سالفة الذكر لمرض الوسواس القهري في البيئة السعودية لا تمثل نوعاً مميزاً من المرض خاص بالمجتمع السعودي ولكنها فقط تشير إلى اختلاف نسبي في مظاهر المرض وصوره بين المجتمعات المختلفة ، خاصة العربية والإسلامية
سابعاً: إن الاتجاه السائد حالياً إلى العولمة والانفتاح والتواصل بين الحضارات المختلفة وما يصاحبه من تبادل للقيم والمفاهيم والاهتمامات الاجتماعية والأخلاقية والحضارية ، قد يؤدي على المدى البعيد إلى طمس تدريجي للحدود الثقافية والاجتماعية بين الحضارات المختلفة ، ربما إلى درجة ذوبان الكثير من الاختلافات البيئية المعروفة حالياً في أعراض الوسواس القهري والأمراض النفسية الأخرى من مجتمع لآخر
التوصيات:
ختاماً ، وفي ضوء نتائج هذه الدراسة يمكن اقتراح بعض التوصيات التي يمكن أن تفيد في المجال الإكلينيكي التطبيقي وفي مجال البحوث المستقبلية ، والتي تتلخص في :
أ] في المجال الإكلينيكي والتطبيقي :
1-التوصية بأن يكون التحري الدقيق عن الوساوس والطقوس المختلفة جزءاً روتينياً في كل مقابلة نفسية ، خاصة لمرضى القلق والاكتئاب0
2-الاهتمام بالخلفية الثقافية والحضارية أثناء تقييم المرضى ، خاصة في المجتمعات ذات التعدد العرقي والحضاري
في عملية العلاج النفسي
4-العمل على نشر الوعي بهذا المرض بين العامة ، وذلك من خلال التعليم والتبصير بطبيعة المرض وآثاره السلبية ، وقابليته للعلاج ، وإزالة فكرة الوصمة والمفاهيم الخاطئة المتعلقة به ، مما يشجع المرضى على سرعة التوجه إلى الطبيب النفسي قبل استفحال المرض
ب] في مجال البحوث المستقبلية :
1-التشجيع والتوسع في إجراء الدراسات البيئية المقارنة لمرض الوسواس في المجتمعات المختلفة0
2-الاستعانة بمقاييس دقيقة ومقننة تلائم البيئة مجال الدراسة ، أو تعديل المتاح منها لقياس العوامل الاجتماعية والبيئية المختلفة
3-إعطاء الأهمية لدراسة الجوانب المتعلقة بالعلاج ونتائجه ودراسة التأثيرات الاجتماعية والبيئية على تطورات المرض واستجابته للعلاج
4-يمكن عمل هذه الدراسة على نطاق أوسع بحيث تشمل عدداً أكبر من المرضى يتم انتقاؤهم من مراكز طبية مختلفة
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة