ضوابط السياسة الضريبية في ظل العولمة الاقتصادية والمالية
عصام عبد القادر الشهابي عين شمس الحقوق الدراسات العليا دكتوراه 2005
"أهمية موضوع الرسالة:
في الواقع، إن كافة موضوعات المالية العامة قد نضجت بحثا حتى احترقت، فلم يترك لنا الرواد الأوائل ما نضيفه على ما قدموه لنا غير النقد، إن كان له وجه، أو إعادة الصياغة لأفكارهم القيمة والثمينة في قالب عصري، إما من خلال ربط هذه الأفكار بالظواهر المعاصرة أو دراستها من خلالها وفي ضوء متغيراتها. ولما كانت جل الموضوعات الضريبية جديدها قديم وقديمها جديد، لذا فقد تشوفت في اختيار موضوع هذه الأطروحة إلى إعادة النظر في الاتجاهات التقليدية للسياسة الضريبية المعاصرة في ظل تعاظم ظاهرة العولمة في الاقتصاد الدولي .
والعولمة Globalization ظاهرة ذات أبعاد وتجليات متعددة ومتباينة، كانت في يوم ما، وما تزال، محل سجال وجدال – وربما مماحكات - الأدباء والعلماء والمثقفين، على اختلاف مشاربهم الفكرية ونزعاتهم الأيديولوجية، الذين أكثروا الأخذ والرد بشأنها. فقد تباينت موقفهم كثيرا من العولمة، فمنهم من ساق خيله ورجله لمهاجمتها وذهب في مناهضتها كل مذهب، ومنهم من تشايع لها وذب عنها ودعا إليها الإنسانية فرادى وجماعات. ولا غرو في ذلك ولا عجب، فمن نظر إلى النصف الفارغ من الكوب كان له أن يتطير من العولمة، ومن نظر إلى النصف الممتلئ، كان له هو الآخر أن يتفاءل بها، فسبحان من جعل الناس طرائق قددا. وصدق الإمام الشافعي، رحمه الله، إذ قال:
وعينُ الرضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ وعينُ السخطِ تبدي المساويا.
ولا ريب في أن عين كل من الرضا أو السخط من شأنها المبالغة في تضخيم كل من المزايا والمثالب، وطوبى لمن وفقه الله إلى التحرر من أسر الهوى في النظر إلى الكوب بأكمله بعين باصرته أو بصيرته، حتى يرى العولمة كما هي عليه في الواقع، لا كما يتخيلها أو يتوهمها. وآية ذلك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا بد لسلامة الحكم على هذه الظاهرة، توطئة لاتخاذ موقف إيجابي أو سلبي منها، من بلورة تصور واقعي محايد وموضوعي لكافة جوانبها وتجلياتها وآثارها. وهذا ما لم أدخر وسعا في السعي إليه في هذه الأطروحة، تحدوني رغبة جامحة في تأطير مفهوم أكاديمي لظاهرة هلامية أو زئبقية، تستعصي بإباء منقطع النظير عن التحيز في كتاب مهما عظم شأنه.
والانخراط في العولمة لم يعد قضية خيار استراتيجي عائد لمطلق الإرادة السياسة لأية دولة مهما عظم أو صغر شأنها في العالم، بل في كيفية التأقلم مع ظاهرة حتمية Globalization Determinism لا قبل لردها على أعقابها، بعدما أخذت تمثل بعدا بانوراميا لتطور طبيعي باتجاه عالم بلا حدود . فدول العالم اليوم قاطبة، إما أنها مرتبطة باتفاق خاص مع صندوق النقد والبنك الدوليين لتنفيذ برامج معينة للتثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي، أو أنها عضو في منظمة التجارة العالمية وملزمة بمقتضى هذه العضوية بمبادئ تحرير التجارة الدولية من القيود الاقتصادية وغير الاقتصادية، وفي كلا الحالين لا مندوحة من تعديل سياساتها الاقتصادية الكلية، لا سيما الضريبية منها، بما يتواءم والمبادئ التي يتأسس عليها النظام الاقتصادي العالمي الجديد، الذي يتجلى فيما بات يطلق عليه العولمة الاقتصادية والمالية، وذلك عملا بالقاعدة المطردة في هذا الشأن: (فكر عالميا وتصرف عالميا). ومن ثم فإن التفاعل مع تيارات العولمة في الاقتصاد الدولي منوط بتعديل اتجاهات السياسة الاقتصادية العامة الكلية على الأصعدة كافة، بغية تفادي التصادم مع هذه التيارات الساحقة الماحقة، وتعظيم مكاسب الدول من العولمة. وهذا يقتضي بداهة التعرف على ماهية هذه التيارات ورصد اتجاهاتها بدقة، توطئة لتكيف هذه السياسات معها، لا سيما الضريبية منها، بغية ضبطها بتلك الاتجاهات.
وإذا كان تباين اتجاهات السياسة الضريبية في مختلف دول العالم مسوغ بالمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ...، المعتبرة في صياغة الاستراتيجيات الضريبية عادة، إلا أن تصادمها وتيارات العولمة قضية لا يمكن قبولها أو تبريرها. فمن شأن هذه الوضع التصادمي الذي آلت إليه السياسة الضريبية في بعض الدول إلى هدر موارد سيادية هامة لازمة، إما في مقاومة التحديات الملازمة لظاهرة العولمة أو الانجراف اللاإرادي في تياراتها. ولعل هذا كان وما يزال يمثل أهم أسباب فشل السياسة الضريبية المعاصرة في النهوض بوظائفها على خير ما يرام وتحقيق أهدافها على أكمل وجه، والذي أفضى إلى تخبط المشرع الضريبي، في العديد من دول العالم، بين ضوابط متناقضة/متعارضة فيما بينها أو مع المعطيات الأولية لظاهرة العولمة.
ولا جرم أن نجم العولمة اليوم قد آفل أو كاد، فاللجب الكبير عن العولمة، أو تلك الغانية التي تطوف موائد السياسة والاقتصاد والاجتماع ولا ترد يد لامس، قد توارى بعض الشيء أو خفت صخبه كثيرا هذه الأيام وأضحى موضة فكرية بالية، ومجرد لفظة تزينية تدبج بها الخطابات والكتابات، وغدا الكلام الآن يتمحور حول نهاية العولمة The End of Globalization، لا سيما بعد تنامي النزعات الانعزالية في مختلف مشارق الأرض ومغاربها، على كافة الصعد السياسة والاقتصادية والاجتماعية . ولكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن العولمة قد اندرست من عالم الوجود هكذا وإلى الأبد، كأي موضة فكرية سرعان ما تذوي لحساب أخرى أكثر جاذبية وبريقا منها، كما هي الحال في عالم الأزياء. فالراصد الموضوعي الدقيق للتطورات المعاصرة يومئ بأن العولمة قطار بلا سائق ماض في طريقه ينهب الأرض نهبا، ولا يلوي على أحد، على الرغم من كثرة العثرات، كخيل جامحة لا تثبطها الكبوات.
صعوبة موضوع الرسالة:
وبعد، لا أجد غضاضة في الإشارة إلى وعورة سبيل البحث في موضوع هذه الأطروحة، لأسباب كثيرة لعل من أهمها في نظري عدم وجود نظرية اقتصادية واضحة المعالم متكاملة العناصر والأركان، يمكن التوكؤ عليها في تحليل الظواهر الملازمة للعولمة والتنبؤ باتجاهاتها المستقبلية. فليس ثمة بعد ما يمكن تسميته بـ(Global Economic)، يمكن اعتباره بمثابة مصباح يستهدي به البحاثة في دياجير عتمة شعاب ظاهرة فريدة. فعلم الاقتصاد المعاصر مازال يتفرع حتى الآن إلى:
- الاقتصاد الجزئي Microeconomic.
- الاقتصاد الكلي Macroeconomic.
- الاقتصاد الدولي International Economy، أو العلاقات الاقتصادية الدولية International Relationships.
ولا ريب في أن ذلك من شأنه إرباك كل بغو قليل البضاعة مثلي، في دراسة موضوعات هذه الأطروحة، التي تقتضي بحثا عابرا للتخصصات Interdisciplinary، توطئة لفهم هذه الظاهرة المعقدة والمركبة، وتحليلها والتعرف على مكوناتها وعناصرها، ورصد تطوراتها.
ومما زاد الطين بلة ندرة المراجع الأكاديمية الرصينة المتخصصة، إذ أن جل الأدب المكتوب عن العولمة، على الرغم من غزارته، لا يعدو عن كونه مجرد ثرثرة أو فذلكة من ذلك النوع الذي يحترفه سياسيو المقاهي والحانات أو الصالونات، لا ترو غليلا ولا تشف عليلا، والتي تميزت بالسطحية المسفة، حيث غلب عليها طابع الصحافة الدعائية المحضة.
وأيم الحق أنني لم أدخر وسعا و فلسا في محاولة تأطير أنكاث ما تبعثر في تلافيف هذا الأدب الغزير في قالب أكاديمي رصين يكون مقبولا إلى حد ما. كما أنني لم آل جهدا في محاولة إرساء لبنة يمكن أن تشكل فيما بعد أساسا ممهدا لنظرية اقتصادية عولمية، قد لاحت لي بوارقها في الأفق القريب، بدأت تتبلور معالمها رويدا رويدا، وحاولت أن أتقدم بذلك الموضوع خطوة أخرى على هذا الدرب، ريثما تتكامل عناصر وأركان نظرية يمكن التطامن إليها.
منهج البحث في موضوع الرسالة:
في الواقع، إن هذه الأطروحة Thesis محاولة جد متواضعة من الباحث، في الإجابة على السؤال التالي:
ما هي العولمة الاقتصادية والمالية يا ترى، وما هي ضوابط السياسة الضريبية في ظلها ؟!!!....
ولقد توسلت في الإجابة على هذا السؤال أسلوبا مختلطا من المنهج الاستقرائي والتحليلي والاستنباطي، وذلك من خلال بيان معنى العولمة وتحديد مفهومها بعيدا عن الأسبقيات المذهبية والعصبيات الأيديولوجية والسياسية، وعن مبالغة كل من المتشائمين والمتفائلين، وذلك كإطار عام للسياسة الضريبية المعاصرة، لا مندوحة من تجليته بين يدي البحث عما يمكن اعتباره ضوابط ملائمة لاتجاهاتها المعاصرة.
وعليه فقد تشعبت البحث في موضوع هذه الأطروحة ثلاثة شعب رئيسة، تمحورت أولاها حول تحديد مفهوم العولمة بشكل عام والعولمة الاقتصادية والمالية بشكل خاص، وبيان طبيعتها وآلياتها وأبرز مظاهر تحدياتها، وثانيها حول ضوابط السياسة الضريبية في ظل برامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي، وثالثها حول ضوابط السياسة الجمركية في ظل اتفاقات تحرير التجارة العالمية (الجات).
وعلى هدي ما تقدم، فقد استعنت الله عز وجل في دراسة موضوعات هذه الأطروحة وفق المنهج التالي:
الباب الأول: ما العولمة ؟.
الفصل الأول: العولمة الاقتصادية والمالية.
الفصل الثاني: طبيعة العولمة وآلياتها وتحدياتها.
الباب الثاني: ضوابط السياسة الضريبية في ظل برامج الإصلاح الاقتصادي.
الفصل الأول: السياسة الضريبية والإصلاح الاقتصادي.
الفصل الثاني: ضوابط الإصلاح الضريبي.
الباب الثالث: ضوابط السياسة الجمركية في ظل النظام التجاري العالمي الجديد.
الفصل الأول: ضوابط تحرير التجارة الخارجية.
الفصل الثاني: ضوابط المنافسة العادلة أو الحرة.
وبعد، فإن الكمال لله وحده، وما هذه الأطروحة غير محاولة جد متواضعة من الباحث، فإن صادفت حظا من التوفيق فبالله ومن الله ذلك وله المنة علي، وإن زل بي القلم وعثرت بي القدم، فهذا طبعي وتلكم جبلتي ولله الحجة علي، وهو المستعان على كل بلاء، وحسبي من كسبي أجر المجتهد على جهده وجهاده.
وإذا كان لهذه الأطروحة من قيمة ما – في تقديري على الأقل - فليست في الحقيقة فيما أضافته إلى ما قبلها، بل فيما مهدت السبيل إليه لما سيأتي بعدها، إن شاء الله تبارك وتعالى. ولله در من قال:
شرفُ الوثبةِ أن ترضي العلا غلـبَ الواثبُ أم لم يغلـبِ."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة