أثر طريقة حل المشكلات في تحصيل القواعد النحوية لدى تلاميذ الصف الثاني الإعدادي

معـتز محمد زهـير العلواني القاهرة معهد الدراسات والبحوث التربوية المناهج وطرائق التدريس الماجستير 2006

اللغة رحم الفكر؛ فيها ينشأ ومنها يستمدّ غذاءه، وهي سجلّ أمين لحفظ هذا الفكر، وانتقاله عبر حدود الزمان والمكان

وتأتي أهمية اللغة من أهمية الناطقين بها، لأن ""اللّغة عنوان أهلها؛ فهي تحيا بحياتهم، وتموت بموتهم، وتتطوّر وتتقدّم بتقدّمهم وتطوّرهم، وتضعف وتتخلّف بضعفهم وتخلّفهم""(1)، فكم من لغة تقدّمت بتقدّم الشّعوب النّاطقة بها، لكنّها- أي اللّغة - ما لبثت أن اندثرت وبقيت ضمن مجموعات قليلة من النّاس، وما اللّغة اليونانيّة إلا مثال حي عن تلك اللغات التي لا تتجاوز الناطقين بها      - كلغة رسمية - إلا قلّة قليلة.

وقد عرفت  اللغة العربية بعراقتها وغنى محتواها، ""فما أكثر موارد الإبداع في لغتنا العربية من اشتقاق فريد لا يدانيه اشتقاق لغة أخرى، في سخاء مشتقاته، وروعة نظامه وانتظامه، ومن نحو يتسم بالمرونة وثراء التراكيب، وقدرة فائقة على الإيجاز والإيعاز""(2).

وإذا كانت اللغة نظاماً للاتصال بين البشر، فالنحو - في أية لغة- هو هيكل هذا النظام وإطاره، وهو أحد الملامح الرئيسة للتفريق بين لغة وأخرى، خاصة فيما يتعلق بالشكل الذي تفرضه قواعد النحو من حيث التراكيب، ""وإن كان امتلاك المهارات الشفهية الكتابية للغة هو الغاية من تعليمها، فالنحو هو الوسيلة لبلوغ هذه الغاية""(3)؛ حيث يمثل النحو ""المقياس الدقيق الذي تُقاس به الكلمات أثناء وضعها في الجمل كي يستقيم المعنى، والقواعد هي التي تعالج هذه الكلمات من خلال الجمل""(4).

وعلى الرغم من أن الغاية من تعلم النحو هي إصلاح اللسان وتوظيف القواعد المتعلمة في حياة المتعلم قراءة، وكتابة، وتعبيراً، إلا أن ضعف الطلاب في توظيف القواعد النحوية أمر ملحوظ وتكاد الشكوى من هذا الضعف تكون عامة في الدول العربية، فمعظم الدراسات المهتمة بتدريس النحو تدل نتائجها على تدنٍّ خطير في التحصيل النحوي لدى التلاميذ، ومظهره ضعفهم الشديد في توظيف القواعد النحوية التي درسوها، بل أصبح إدراك القواعد النحوية وحسن استخدامها من المشكلات التي تواجه الطلاب؛ مما أدى إلى ضعف ملموس في قراءتهم وحديثهم، وكتابتهم.

وتُعد طرائق التدريس من الأسباب الرئيسية لهذا الضعف الذي يعاني منه الطلبة، فلو يُنظر إلى العملية التعليمية على أنها عملية تواصل بين المعلم والمتعلم، كانت طريقة التدريس هي القناة التي تصل بين أطراف هذه العملية، وعليها يتوقف نجاح العملية أو فشلها؛ ""إذ يتوقف فهم المتعلم للمادة المعروضة عليه واستفادته منها على طريقة عرضها عليه""(1).

وقد مرت طرائق تدريس القواعد النحوية بمراحل عدة، ابتداء بالقياسية، مروراً بالاستقرائية ثم المعدّلة، إلا أنها بقيت محصورة ضمن إطار المادة العلمية نفسها، متجاهلة دور المتعلم كعنصر نشيط في حجرة الدراسة، فالمعلم هو المرسل والمصدّر للمعلومة، والمتعلم هو المتلقّي، والذي يقع على عاتقه حفظها في مخزون ذاكرته إلى أجل مسمى، الأمر الذي يجعله قاصراً عن توظيف ما تعلّمه من خبرات في اكتساب خبرات جديدة، ونقل هذه الخبرات إلى المواقف المختلفة التي يتعرض لها المتعلم في إطار مسيرته العلمية والحياتية على حدّ سواء.

وعلى الرغم من ذلك فلا يمكن إنكار ما قدّمت الطرائق التقليدية من إنجازات للعملية التعليمية، إلا أن العالم قد تطور وقطع شوطاً طويلاً في تعليم التلاميذ في المدارس بأساليب واستراتيجيات تدريسية متطورة تستخدم التقنية الحديثة، وتعد طالباً وإنساناً ذا شخصية مستقلة مفكرة قادرة على أن تتفاعل مع معطيات الحياة وتمتلك القدرة في استثمار ما هو متاح لها من مخترعات ومكتشفات، مما يحتّم البحث عن الطرائق التي من شأنها تفعيل دور المتعلم داخل حجرة الدراسة، منطلقة من جعل التعلم ""بمعنى كيف نتعلم، والتزوّد بمهارات البحث والتفكير والقدرة على ارتياد المجهول والتصدي لمشكلاته- أموراً نزرع بذورها في المدرسة، وعلى مقاعد الدراسة، على أيدي معلّمين قادرين أكفّاء، يعون خصائص تلاميذهم وحاجاتهم في ضوء متطلّبات العصر وتحديّاته، ويدركون الأسس النفسية التي يستند إليها التّعليم والتعلم الجيدان، ويمتلكون كفايات توظيفها في تنظيم التّعليم الفعال""(2)، وبالتالي يصبح المتعلم إيجابياً فيما يتناول من علوم تحت إشراف المعلم، الذي يلعب    - وفق هذه الطرائق – دور المرشد والموجّه، لكل خطوة يخطوها المتعلم باتجاه اكتساب المعلومة، والاحتفاظ بها وتوظيفها في اكتساب الخبرات الجديدة، والانتقال من الاهتمام بحشو ذهن المتعلم بالمعلومات إلى الاهتمام ""بطريقة التفكير حتى يتحول التعلم من اختزان واسترجاع إلى استكشاف واكتشاف، وإلى عملية من النشاط الذاتي الذي يساعد الفرد على تحقيق ذاته لكي يصبح فرداً ذكيّاً يفكّر ويبتكر ويُضيف ويخترع، وليس إنساناً يستمع ويسترجع ويأخذ من فم المدرّس ليمتصّ  ويحفظ""(1).

ولما كانت العملية التعليمية عملية بناء الشخصية كان لزاماً ""أن يساهم التلميذ في العملية التي تنتج المعرفة؛ إذ إن المعرفة عملية وليست نتاجاً، ونحن لا نعلّم التلاميذ كي نجعل منهم مكتبات حية صغيرة متنقّلة، فالاكتشاف الشخصي أكثر ثباتاً وتأثيراً، وهو الذي يساعد على نمو الحدس الذكي، الذي يلعب دوراً كبيراً في أي عمل إبداعي، وهو الذي يؤدي إلى سرعة الفهم، وحل المشكلات، وتذوّق الفنون، وهو أحسن بكثير من التعلم المبني على تخزين المعلومات واجترارها عند الضرورة""(2).

وقد انطلقت طرائق التدريس التفاعلية من مبدأ الاستفادة القصوى من دافعيّة المتعلم نحو عملّية التعلم على اعتبار أن "" الفرد لا يُعمل فكره إلا إذا وجد ما يدعوه للتّفكير""(3)، وإذا ما فُقدت هذه الدافعيّة، فإن نسبة الاحتفاظ بما يتعلمه المتعلم تبقى ضئيلة، وقلما يستفيد منها مستقبلاً.

ومن الطرائق التّعليمية التي لاقت اهتماماً لدى المهتمين لرفع كفاءة المتعلمين، وإتقانهم للمناهج الدّراسية، طريقة ""حل المشكلات""، التي تُعتبر ""أسلوباً تعليمياً يركّز على نشاط المتعلم، وعلى توفير بيئة تعلّم يستطيع التّلميذ من خلالها بناء تعلّمه الخاصّ به""(4).

 وتأتي أهمية طريقة حل المشكلات كونها ""تجمع بين شقّي العلم بمادته وطريقته في إطار واحد، فالمعرفة العلميّة في هذه الطّريقة، وسيلة للتّفكير العلمي، ونتيجة له في الوقت نفسه""(5)، كما أنها ""تعلّم التلاميذ كيفيّة اكتشاف الأخطاء، والوقوف على المشكلات اللّغوية الحقيقية ومعالجتها بأسلوب علمي سليم، كما تعوّدهم على استخدام خطوات التفكير العلمي""(6).

وتوفّر هذه الطّريقة للتّلميذ فرصة حقيقية لبناء تعلّمه الخاص به، فإذا ما ""أعطى المعلمون التلاميذ المسؤولية؛ ليقرّروا ما يتعلمون، وكيف يتعلمونه، وكيف يقيّمون تقدمهم في التعلم، تـصبح الإثابة نابعة من التعلم في ذاته، ويتفوق التلميذ في حل المشكلات، والإبداع، والأعمال التي تتطلب التوجّه الذاتي""(7).

كما أنها ""تؤدي دوراً كبيراً في توليد الأفكار الجديدة، والعمليّات الفكرية المفيدة للمتعلّم، خلال التعلم الاستقصائي النشط؛ من خلال الاشتراك في سلسلة النشاطات التي يتضمنّها التّصميم الهادف إلى حل المشكلة، ومن خلال عرض واختبار الحلول التي من المفترض أن يكتسب منها المتعلم معرفة جديدة، وقدراً أكبر من مهارات التفكير العليا""(1).

وكثيرة هي الصيحات التي تنادي بتجريب مثل هذه الطرائق في تدريس فروع اللغة العربية، والتي يمكن أن تؤدّي دوراً في التخلّص من السّلبية التي يتميز بها التّلميذ في أثناء العملية التعليمية، ومن هذه الصّيحات ما أوصى به المؤتمر الثاني لعلم اللّغة، وهي ""تخصيص بعض المدارس في المراحل التّعليمية المختلفة لتجريب طرائق التدريس الجديدة، ومن أهمها التعلم التعاوني، وحل المشكلات، والتعلم بالنشاط""(2).

ولعل ما يمكن تحقيقه من أهداف تعليمية من خلال اتباع طريقة ""حل المشكلات"" في تدريس القواعد النحوية حافزاً حقيقياً لتجريبها، علها تسهم في شيء من معالجة الضعف لدى التلاميذ في هذا الفرع من مادة اللغة العربية؛ حيث تقوم هذه الطريقة على تنظيم التفكير، في الوقت الذي يمكن اعتبار أهم الوظائف الأساسية للقواعد النحوية هو ""تعويد تفكير التلاميذ على الأساليب المنطقية المنظمة، وتعليل ما يتوصلون إليه من أحكام أو نتائج؛ لأنهم في قواعد اللغة يتناولون الألفاظ والمعاني المجردة، ويدركون الفروق بين التراكيب ومفرداتها، وأثـر العوامل فيها؛ وهذا كله يعوّد عقولهم على أنماط التفكير النشيط فيما يعرض لهم""(3).

 كما تُعتبر ""تنمية القدرة على دقّة الملاحظة، والربط، وفهم العلاقات المختلفة بين التراكيب المتشابهة، إلى جانب تمرين المتعلم على التفكير المنظم""(4) من أهداف تدريس القواعد التي يمكن تحقيقها من خلال طريقة ""حل المشكلات""؛ وفقاً لما تتطلبه هذه الطريقة من تنظيم لتفكير المتعلم في كل خطوة يخطوها نحو اكتساب المعلومة.  

وباتباع هذه الطريقة ينصهر كل من المعلم والمتعلم في بوتقة العملية التعليمية ككل، مع الحفاظ على دور كلّ منهما في خطوات سير العملية التعليمية، وتصبح المدرسة أشبه بمجال مصغّر للحياة الاجتماعيّة التي ينبغي أن يعيشها المتعلم؛ وتكتسب العملية التعليمية - وفق هذه الطريقة - الصفة التربوية بالقدر الذي تكتسب به الصّفة العلميّة."


انشء في: خميس 2 فبراير 2012 16:32
Category:
مشاركة عبر