الأسس الأخلاقية في العهد القديم مع مقارنتها بالقرآن الكريم

القاهرة دار العلوم الفلسفة الإسلامية الدكتوراه 2007 حسن محمود عبد اللطيف الشافعي

                                    "   يكفي المرءَ إذا نظر في كتابٍ ألفه فلان من الناس، أن يقف على تناقض بعض الأفكار فيه، أو أن يكتشف أو حتى يلمس أخطاءً علميةً أو تاريخيةً جاءت في هذا الكتاب؛ فيكفيه ذلك كي يحكم بعدم جدوى القراءة فيه، ويَعُدَّ ذلك مضيعة للوقت والجهد.

   وهذا بالفعل يمكن أن يحدث بيسرٍ وسهولة لمن يمسك بالعهد القديم ويقرأ فيه. فكثيرون جداً عندما قلّبوا صفحات هذا الكتاب، واطّلعوا على ما فيه من أخطاءٍ علميةٍ وتاريخية، وحتى أخطاءٍ في الأخبار الدينية، علاوةً على الانحدار الأخلاقي الذي أُفردت له أسفارٌ كاملة أحياناً.. فما كان منهم إلا أن رفضوه جملة، أو أفردوا أبحاثاً طويلة لإظهار كلِ ما جاء فيه من عيوب، ولم يكن يسعهم إلا ذلك.

   ومن هؤلاء من كان ينظر لهذا الكتاب كصورةٍ بديلة عن توراة موسى عليه السلام؛ فتأخذهم الحمية الدينية للغضب على كل ما يجدونه فيه مسيئاً لهذه الرسالة الإلهية التي شرّف الله بها قوم موسى عليه السلام في الأزمان الغابرة، وهم محقون في ذلك. ومنهم من نظر للعهد القديم ككتاب لا يربطه بالدين الإلهي رابط ما، فكان يكفيه أن يسفهه ببعض الأخطاء الواردة فيه. ولو أنني انتهجت أحد المنهجين السابقين لأغناني ما كُتب في ذلك عن القيام بهذا البحث.    

   ولكن إذا وضع المرءُ نصب عينيه العهد القديم ككتابٍ إنما هو تأليف جمهرةٍ من الكتّاب الذين كتبوا في أزمان وبقاع متعددة، ومنهم يهود متدينون، ومنهم يهود غير متدينين -وإنْ كان مضمون الكتاب سيرةَ بني إسرائيل وحكايةَ رسالة الله عز وجل إليهم- فإذا حافظ المرء على هذه النظرة، فإنه لن يُحبط بسرعة لما يجد في الكتاب من عيوب، بل قد يجدُ من المجدي أن يُعمِلَ فيه الفكرَ للكشف عن أي موطنٍ من مواطن الصواب التي فيه لتعزيزها، وإبطال ما عداها. ولعل المحفز لذلك يكون:

 أولاً: أن معظم الرافضين للعهد القديم لا يمتنعون عن الإشارة بكلمات عابرة في مقدمات كتبهم إلى أن هذا الكتاب يحتوي على شذرات -مهما قلّت- من الحق الذي جاء به موسى عليه السلام. وهذا يؤكد أن كل مطّلعٍ على الكتاب لمسَ بنفسه بعض الحق فيه.

 ثانياً: مازال هذا الكتاب يُعدُّ عند فئة من الناس يهوداً أو مسيحيين كتاباً مقدساً، سواء استقوا منه أحكام دينهم أم لا.

ثالثاً: إن الكثيرين من العلمانيين أو الملحدين عندما يخرجون بانطباعات سيئة عن العهد القديم، ولأنهم لا يؤمنون أساساً برسالة سماوية أنزلت على موسى عليه السلام، فإنهم يفترضون أن ما وصلوا إليه من نتائج –من خلال العهد القديم- يفسر حياة موسى عليه السلام وقصته مع اليهود على الوجه الصحيح، أي أنهم يثبتون الخطأ الذي في الكتاب كحقائق لا يوجد ما يخالفها، مما قد يمحو معالم الديانة الموسوية الحقيقية. ولا يمكن لتصحيح نظرةِ هؤلاء إحالتهم إلى ما جاء في القرآن الكريم في شأن موسى عليه السلام وقومه، لأن القرآن الكريم لا يشكل مرجعاً لديهم. ولكن إذا نقدنا الصورة التي تصوروها عن العهد القديم من خلال العهد القديم نفسه؛ فنكون بذلك قد هدمنا ما أثبتوه في شأنها، وتركنا فرصة لتوجيه الأنظار إلى رؤى غيرها موجودة في الكتاب فعلاً، لا أن نسقطها عليه من خارج."

 

 

 

 


انشء في: خميس 2 فبراير 2012 20:19
Category:
مشاركة عبر