حدود مبدا المشروعيه في ظل قانون الطوارئ - دراسه تطبيقيه علي جهاز الشرطه في مصر

محمد موسي محمد الفقي عين شمس الحقوق الحقوق الدكتوراة 2003

 

                                                                إن دراسة موضوع ""حدود مبدأ المشروعية فى ظل قانون الطوارئ"" يحتاج إلى عناية خاصة، إذ يجب أن يتضمن بياناً كافياً عن كل جوانبه وهذا من الأهمية بمكان، نظراً لأن سلطة الإدارة بما تملكه من اتخاذ قرارات إدارية فى مواجهة الأفراد، وماقد تتضمنه هذه القرارات من افتئات على حقوق الأفراد وحرياتهم، وذلك بخروجها على المشروعية إذا ماجانبها الصواب فى اتخاذ هذه القرارات تحقيقاً للصالح العام وفى نطاق سلطتها التقديرية الممنوحة لها، وبما أن جهاز الشرطة يعد الوجه الحقيقى والمباشر لجهة الإدارة فى مواجهة الأفراد بالنسبة لتنفيذ هذه القرارات، فإن هذه الدراسة لها أهمية خاصة فى مجال القانون العام  .

                وإن كانت مهام الشرطة الجسام الملقاة على عاتقها من الأهمية بمكان أيضاً للحفاظ على أمن المجتمع وسلامته من كل عبث يهدد مصالحه، فإنه يجب أيضاً على جهاز الشرطة، أن يعمل على الحفاظ على حقوق الأفراد وحرياتهم فى هذا المجتمع بالقدر اللازم الذى يتفق مع أمن المجتمع وسلامته، حتى يمكن أن نقول بأنـنا مجتمع ديمقراطى غير بوليسى، وهذا لا يتأتى إلا فى ظل الشرعية والقانون، وخضوع الإدارة للدستور والقانون فى جميع أعمالها وكل تصرفاتها.

                كما أن موضوع ""حدود مبدأ المشروعية فى ظل قانون الطوارئ"". قد ازداد رسوخاً وازدهاراً فى بعض جوانبه فى إطار العديد من الكتب العلمية التى أصدرها العديد من الأساتذة والفقهاء الأجلاء المشتغلين ـ بكليات الحقوق فى الجامعات المختلفة ـ بشرح قواعد ونظريات الفقه القانونى الإدارى وقواعد ونظريات علم الإدارة فى مختلف البلدان.

                كما أن الديمقراطية هى مرآة المجتمع، وبالتالى يكون للفلسفة الاجتماعية أو الأيديولوجية التى تعتنقها الدولة من الأهمية بمكان لكى تقول كلمتها فى موضوع ""حدود مبدأ المشروعية فى ظل قانون الطوارئ""، حيث يتصرف رجل الإدارة فى جميع أعماله وقراراته فى حدود المشروعية، ويجب عدم الخروج عليها، وبذلك تكفل للأفراد حرياتهم وقيمهم الاجتماعية التى يحرصون عليها.

                والآن وقد تناولت معظم إعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير أو النص فى مواد الدستور ذاته على الحكم الديمقراطى والحقوق والحريات والعدالة والمساواة، وكلها ترتبط بحقوق الإنسان فى ظل سيادة القانون والمشروعية، وبالتالى فقد استقرت دعائم الديمقراطية فى الأذهان، واتضحت نظرياتها الأساسية ومعالمها، وأن الدستور الدائم لجمهورية مصر العربية الصادر سنة 1971 أكد فى وثيقة إعلانه ""أن سيادة القانون ليست ضماناً لحريات الأفراد فحسب، ولكنها الأساس الوحيد لمشروعية السلطة فى نفس الوقت"".

                كما نصت المادة 65 من الدستور على أن ""سيادة القانون هى أساس الحكم فى الدولة"" وأن أساس الحكم ""أن تخضع الدولة للقانون"" وأن استقلال القضاء وحصانته ضمانتان أساسيتان لحماية الحقوق والحريات.

                كما أنه بدون الديمقراطية ينزلق المجتمع إلى الديكتاتورية، وتصبح الدولة بوليسية بما يؤدى ذلك إلى جعل المجتمع قطيع من العبيد، وتهدد منجزاته بالخراب والدمار، كما أن حقوق الأفراد وحرياتهم فى حاجة دائماً إلى الحماية القضائية ضد عسف الإدارة وخروجها على المشروعية.

                وقد شد هذا الموضوع إلهام انتباهى، وأحاول أن أقدم من جانبى موضوعاً متكاملاً أو يكاد، وهذا الموضوع متشعب ودقيق ويحتاج إلى الكثير من الجهد والإطلاع لمحاولة تحليله وتأصيله، ولكن لن يكون هدفى هو مجرد تجميع للمادة العلمية، ولكن هدفى هو العمل على كيفية عرض هذا الموضوع ومحاولة إرجاعه إلى أصوله الصحيحة للحكم له أو عليه فى كل مقام اقتضى فيه ذلك التحليل القيام بهذه المشقة.

                وهذا الهدف لإيكال ماثلاً أمامى الآن بصورة أفدح وأشق مما مضى بعد أن تزايد تناول هذا الموضوع ـ فى جوانب كثيرة منه ـ بلغت مبلغاً ضخماً فى كتب عديدة تستحق كل العناية فى الإطلاع عليها، وانتقاء ماهو أنسب من غيرها وأوضح، والتمسك بما يكون أكثر اتساقاً مع الاتجاهات المستقرة فى هذا الشأن، ورغبة فى الاستفادة منها بعد وضعها فى بوتقة الاختبار للحكم لها أو عليها.

                وما أدق مايثيره موضوع ""حدود مبدأ المشروعية فى ظل قانون الطوارئ"" دراسة تطبيقية على جهاز الشرطة فى مصر، وماينبغى أن يثيره من اعتبارات وثيقة الصلة بحماية حقوق الأفراد وحرياتهم ضد تعسف الإدارة فى استخدام السلطة وإساءة استعمالها، لما يتضمنه ذلك من إهدار للحقوق والحريات نتيجة الخروج على المشروعية، إذا ما جانبها الصواب أثناء قيامها باتخاذ قرارات غير مشروعة فى مواجهة الأفراد.

                وهذا كله مرتبط بحسن سير العدالة والحفاظ على الحقوق والحريات فى ظل النظام الديمقراطى السائد، وفى ظل خضوع الإدارة لسيادة القانون، واتساع نطاق الحريات، فالديمقراطية هى الحضارة والحضارة هى الديمقراطية والعدالة، وخارج الديمقراطية لا نتصور إلا كل صور البغى والاستبداد والهمجية والاستبعاد التى لا يصح معها الحديث عن حضارة المجتمع، أو كرامة الفرد وحريته التى هى كرامة المجتمع. 

أهمية هذا البحث وأهدافه :

                تنبع أهمية هذا البحث فى أنه يتطرق إلى ظاهرة لها أهميتها على مستوى أفراد المجتمع ككل، لأنه لايخلو فرد ما إلا وأنه يتعامل مع جهات الإدارة سواء كان فرداً عادياً أو كان أحد رجالها، وهذه الظاهرة هى إمكان عسف الإدارة بحقوق الأفراد وحرياتهم وذلك بالخروج على مبدأ المشروعية، كما أن هذا الموضوع له أهمية خاصة وخاصةً فى الدول النامية (دول العالم الثالث) لما يمكن للإدارة فى هذه الدول من أن تبطش بحقوق الأفراد وحرياتهم دونما أى قيد عليها.

                ولما كان لكل بحث هدف أو مجموعة أهداف يسعى الباحث إلى تحقيقها أو إلى محاولة تحقيقها، فإن أهداف هذا البحث يمكن أن نشير إليها فيمايلى :

-              الهدف الأول : إلقاء الضوء على ""حدود مبدأ المشروعية فى ظل قانون الطوارئ"" مع تطبيق ذلك على جهاز الشرطة فى مصر، من حيث مفاهيم المشروعية وصورها، وإبراز حجمها من حيث الاتساع أو الضيق.

-              الهدف الثانى : إبراز حاجة الأفراد فى الحفاظ على حقوقهم وحرياتهم من جانب الإدارة من خلال تناولنا للبحث عامة وبصفة خاصة من خلال دراستنا التطبيقية على جهاز الشرطة فى مصر لموضوعات الاجتماعات العامة، والاشتباه، والمخدرات والإرهاب.

-              الهدف الثالث : كشف الآثار المترتبة على خروج جهة الإدارة على مبدأ المشروعية بالانحراف بالسلطة وإساءة استعمالها فى مواجهة الأفراد بحجة أننا فى ظل تطبيق قانون الطوارئ.

-              الهدف الرابع : التعرف على أهم حالات الخروج على مبدأ المشروعية من خلال الدراسة التطبيقية على جهاز الشرطة المصرى فى ظل قانون الطوارئ.

-              الهدف الخامس : كيفية إثبات عدم الحاجة إلى تطبيق قانون الطوارئ فى مصر فى ظل تطبيق مبدأ سيادة القانون وخضوع الإدارة للقانون جنباً إلى جنب مثل الأفراد. 

الأدوات المستخدمة فى البحث :

يعتمد الباحث على عدد من الأدوات الرئيسية التى يمكن الإشارة إليها فيمايلى:

1-            بعض الكتب والمراجع والمصادر العلمية المتخصصة فى مجال البحث.

2-            بعض الدراسات والبحوث السابقة.

3-            عدد من الدوريات والمجلات العلمية والنشرات المتخصصة فى مجال الدراسة.

4-            أحكام محكمة القضاء الإدارى والإدارية العليا والنقض.

وسوف نتناول موضوع ""حدود مبدأ المشروعية فى ظل قانون الطوارئ"" دراسة تطبيقية على جهاز الشرطة فى مصر من خلال باب تمهيدى وأربعة أبواب أخرى بالرسالة على النحو التالى :

الباب التمهيدى : نظرة عامة فى مبد المشروعية ومصادره:

                الفصل الأول : تعريف مبدأ المشروعية (جوهره وضماناته وتطوره).

                الفصل الثانى : مصادر مبدأ المشروعية.

الباب الأول : مبدأ المشروعية والرقابة على أعمال الإدارة.

                الفصل الأول : مبدأ المشروعية وأعمال الإدارة.

                الفصل الثانى : موازنة مبدأ المشروعية.

الباب الثانى : الاستثناءات الواردة على مبدأ المشروعية.

                الفصل الأول : نظرية الظروف الاستثنائية.

                الفصل الثانى : نظرية أعمال السيادة أو الحكومة.

الباب الثالث : الرقابة على قرارات الضبط الإدارى فى ظل قوانين الطوارئ

الفصل الأول : الرقابة على وجود تهديد أو إخلال بالنظام العام من الناحية الواقعية.

الفصل الثانى : الرقابة على مدى إنطباق وصف التهديد أو الاخلال بالنظام العام على الوقائع التى يستند إليها قرار الضبط.

الفصل الثالث : رقابة مجلس الدولة على ملائمة قرارات الضبط الإدارى.

الفصل الرابع : رقابة مجلس الدولة لقرارات الضبط الإدارى الصادرة بالتطبيق للمادة 16 من الدستور الفرنسى والمادة 74 من الدستور المصرى.

الباب الرابع : دراسة تطبيقية لمبدأ المشروعية فى ظل قانون الطوارئ على جهاز

                      الشرطة فى مصر.

الفصل الأول : فى مجال تطبيق قانون الطوارئ.

الفصل الثانى : فى مجال الاجتماعات العامة.

الفصل الثالث : فى مجال مكافحة المخدرات.

الفصل الرابع : فى مجال مكافحة الإرهاب.

ولسنا ندعى الكمال، فإن الكمال لله وحده جل شأنه سبحانه وتعالى علىَّ قدير، وفوق كل ذى علمٍ عَليم، فالمجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجرُ واحد، والله الموفق.

والله نسأل أن يهئ لنا من أمرنا رشدا، إنه سميع الدعاء مجيب.  

الباب التمهيدى

نظرة عامة فى مبدأ المشروعية ومصادره

تمهيد :

                لكل علم من العلوم مشكلة كبرى تعد محور أبحاثه ونقطة الارتكاز فيه، بحيث تدور حولها سائر مشكلاته الجزئية، ومنذ نشأة الجماعة السياسية وتميزها بانقسام الناس إلى حكام ومحكومين، برزت فيها مشكلة أساسية صارت من بعد محور أبحاث القانون العام، ونعنى بذلك مشكلة تحديد علاقة الفرد بالدولة، أو الحكام بالمحكومين.

                وقد أسفر التطور الطويل لهذه العلاقة عن ظهور مبدأ أساسى يهدف إلى حماية الأفراد فى مواجهة السلطة العامة، ويكفل تحول السلطات التى تملكها الدولة من مجرد قوى أو قدرات مادية إلى اختصاصات تحدها وتضبط اتجاهها مقدماً مجموعة من القواعد العامة. وهذا المبدأ هو مايعرف بمبدأ المشروعية Principe de Légalité، ومؤداه أن الحكام جميعاً يخضعون للقانون، بحيث لاتكون أعمالهم ولا قراراتهم صحيحة قانوناً ولا ملزمة للأفراد إلا بقدر إلتزامها لحدود الإطار القانونى الذى تعيش الجماعة فى ظله، ولا نبالغ إذا قلنا إن تاريخ القانون العام كان ـ ولايزال إلى مدى بعيد ـ تسجيلاً لمراحل تطور هذا المبدأ وتحديداً للوسائل المختلفة التى تكفل تحقيقه.

                وأيا كانت القيمة النظرية لمبدأ المشروعية، أى القول بضرورة خضوع سلطات الدولة للقواعد القانونية، فلا شك أن هذا المبدأ يظل عديم القيمة من الناحية العملية، ما لم يقترن بجزاء فعال يكفل إمتثال السلطات العامة لمضمونه وتقييدها بحدوده، وعلى تعدد الجزاءات والضمانات السياسية التى تكفل أو تساعد على احترام مبدأ المشروعية، فقد استقرت معظم النظم القانونية على أن الضمان الحقيقى الفعال لهذا المبدأ، هو قيام مبدأ آخر مكمل له مؤداه التسليم لسلطة خاصة مستقلة عن السلطة السياسية فى الدولة بمهمة التحقق من احترام السلطات العامة فى الدولة لمبدأ المشروعية بعناصره المختلفة، ومن هنا انتهى فقه القانون العام إلى أن الرقابة القضائية هى الوسيلة الفعالة لحماية مبدأ المشروعية.

لذا فإننا سنتناول هذا الباب من خلال فصلين :

                الفصل الأول: تعريف مبدأ المشروعية (جوهره وضماناته وتطوره).

                الفصل الثانى : مصادر مبدأ المشروعية."

 


انشء في: اثنين 9 يوليو 2012 18:53
Category:
مشاركة عبر