المحاجة في الخطاب العلمي الجامعي في ألمانيا ومصر
عين شمس التربية باسم عبد الحميد حامد عبد الحميد شعيب اللغة الألمانية الدكتوراة 2009
"يتناول البحث المتقدم ظاهرة المحاجة في الخطاب العلمي الجامعي في ألمانيا ومصر. حاول البحث التوصل إلى بنية المحاجة العلمية من خلال تحليل مقاطع من محاضرات وسيمينارات علمية في جامعات كلتا الدولتين. وراعى البحث في التحليل اللغوي تتبع الأهداف التي يحققها السيمينار العلمي وهي بشكل عام تمثل تزاوجًا بين الخطاب التعليمي من جهة والخطاب العلمي من جهة أخرى. وأوضحت الأمثلة التي تم تحليلها أن المحاجة العلمية تتميز بخصوصية ثقافية ومؤسسية للأهداف و الوظائف التي تحققها في كلتا الجامعتين الألمانية و المصرية. وتمثل المحاجة أداة مساعدة في تحقيق أهداف المؤسسة في كلتا الحالتين، خاصة حين يتميز الخطاب اللغوي بنوع من عدم التفاهم بين أطراف الخطاب اللغوي حول موضوع ما بشكل قد يحول دون تحقيق الخطاب اللغوي أهدافه.
وتتميز الأدبيات التي تناولت ظاهرة المحاجة بتاريخ طويل يعود إلى الإغريق، وهو ما أدى إلى تنوع المدارس والنظريات في تناولها للمحاجة و تنوع جوانب البحث فيها أيضًا.
غير أن الجانب الذي شكل حجر الزاوية في البحث المقدم هو علاقة المحاجة بالسياق الاجتماعي الذي يتم فيه استخدام المحاجة.
قد يكون أرسطو هو أول من لفت النظر إلى هذه العلاقة، من خلال تناوله للاستدلال و الاستقراء وغيرها من طرق الاقناع البلاغي وربطها بالمدينة التي عاش بها، أثينا. لكن هذا الجانب تم إهماله فيما بعد من قبل الدراسات التي تناولت المحاجة حتى متصف الخمسينيات من القرن الماضي حين أيقظ Toulmin الاهتمام مرة أخرى بهذا الجانب من خلال الاشارة إلى فكرة المعايير المتعلقة بالمجالات الحياتية المختلفة.
كذلك حاولت إحدى الدراسات الألمانية في التسعينات من القرن الماضي ربط المحاجة بعملية التعليل في إطار التفاعل اللغوي الاجتماعي. لكن هذه الدراسة رغم أهميتها لم تستطع التفرقة بين التعليل و المحاجة بشكل واضح. وظلت المحاجة لديها تتم كتفاعل لغوي بين أفراد دون ربط الأفراد بالسياق الاجتماعي الذي ينتمون إليه.
ينطلق البحث المقدم من فرضية أساسية مفادها أن الأشخاص حين ينخرطون في المحاجة لا يمثلون أنفسهم فقط وإنما يمثلون الجماعة التي ينتمون إليها كالمؤسسة أو الثقافة أو الدين أو العلم إلخ. وهم يعتمدون على الإقناع من خلال إثبات انتماءهم لهذه الجماعة.
ومن خلال فهم المسلمات التي يؤمن بها أفراد جماعة ما أو مؤسسة مثلا يمكن التوصل إلى طبيعة المحاجة التي يستخدمها أفراد تلك الجماعة.
فالأشخاص حين يتحدثون سويًا يستحضرون بعض المعارف، وهذه المعارف ليست معزولة عن بعضها البعض، لكنها مرتبطة ترابطا قد يختلف من شخص لشخص وقد يتفق. وتعمل بعض الآليات العقلية المعرفية على استحضار هذه المعارف حسب الحاجة إليها وتقييمها حسب قيمتها وأهميتها وجودتها واستخدامها في الموقف اللغوي بحسب الحاجة.
ووفقًا لانتماء الأفراد لجماعات ما أو مؤسسات أو ثقافات يستحضر الأفراد معارف مشتركة مع أعضاء تلك الجماعة أحيانًا وقد تكتسب هذه المعارف أحيانًأ صفة المسلمات.
وفي إطار المحاجة العلمية في السيمينار العلمي الجامعي، فإن التحليل اللغوي للأمثلة وفقًا للمنهج التجريبي قد أوضح أن المتحدثين في السيمينارات يحاولوم من خلال كلامهم استحضار المعارف التي تثبت للآخرين مدى تمثلهم لمسلمات الجماعة التي ينتمون إليها كنظرية علمية مثلا أو عرف مؤسسي إلخ. ويعمد المتحدثون إلى استخدام المسلمات المشتركة مع بقية المستمعين كمعايير لتقييم المعارف الجديدة إما بالإيجاب أو بالسلب. و كذلك لإقناع الآخرين بصحة الادعاءات العلمية الجديدة أو خطأها.
ولعل هذا ما يفسر لما تبدو المحاجة شديدة الارتباط بالمناقشات العلمية. فالهدف الرئيس من المناقشات العلمية هو إعلام الآخرين بالمعارف التي توصل إليها كل فرد من أفراد الجماعة العلمية في إطار مؤسسي. ولابد لكل شخص ينتمي إلى المؤسسة العلمية من عرض المعارف التي توصل إليها بشكل مقبول من بقية المنتمين للجماعة العلمية. وهنا تبرز أهمية المعارف المتفق عليها كمسلمات مشتركة بين أعضاء جماعة علمية ما حيث يتم استخدامها كمعايير لتقييم المعارف الفردية المستحدثة. فعلى كل شخص في هذا السياق إشراك الآخرين ليس فقط في معارفه الجديدة بل وكذلك في طريقة توصله إلى تلك المعارف. لذلك يحاول صاحب الادعاء العلمي دائمًا التأثير على تقييم الآخرين لادعاءاته العلمية من خلال استحضار أكبر كم ممكن من المعايير المشتركة و التي هي في الأصل مسلمات للجماعة التي ينتمي إليها. بهذه الطريقة في الربط بين الادعاءات الجديدة والمسلمات المشتركة يحاول الأفراد تصوير ادعاءاتهم على أنها مطابقة للقناعات المشتركة وليست متناقضة معها.
ويكتسب العالم هذه المعايير المشتركة غالبًا من خلال فترات الدراسة و التأهيل الجامعي وهي قد تكون معايير ذات طبيعة علمية متخصصة في مجال ما أو معايير علمية عامة أو معايير أخلاقية أو مؤسسية أو غيرها من المعايير.
ويدعي الباحث في البحث المقدم أن استخدام معارف شديدة العمومية من حيث اشتراك عدد كبير فيها يدعم الادعاءات العلمية بشكل أفضل من استخدام معايير أقل عمومية كالادعاءات أو التصورات التي لا يشترك فيها عدد كبير من العلماء.
كذلك فإن المجال الذي تنتمي إليه المعايير قد يؤثر في قوتها أو ضعفها كمعايير في المحاجة. فالمعارف العلمية المتخصصة مثلا قد تكون أحيانًا أكثر قوة من المعايير العلمية العامة أو المعايير الأخلاقية إلخ.
وفي المحاجة العلمية يشترك المستمع بشكل فعال في التواصل اللغوي حيث يعمل على تقييم المعارف التي يحاول المتكلم توصيلها و كذلك تقييم المعايير التي يستند إليها المتكلم في حد ذاتها وفي علاقتها بالادعاءات العلمية التي يمثلها المتكلم. ثم يقارن المستمع تلك المعايير بمعاييره الخاصة وقد يتوصل إلى مصداقيتها أو قلة مصداقيتها مما يدفع المتكلم إلى الاستمرار أو التوقف أو معاودة المحاولة بمعايير مختلفة. فالمحاجة العلمية كما حاول البحث المقدم تصورها هي عملية جدلية بحاول فيها كلا الطرفين التأثير على العمليات العقلية المعرفية للآخر والتي تصاحب عملية الادعاء العلمي أو النقد أو التعليل أو الإجابة و غيرها.
وبشكل موجز فإن المحاجة من وجهة نظر البحث المقدم تمثل أداة يهدف المتكلم من استخدامها إلى تغيير تقييم المستمع للمعرفة التي يقدمها المتكلم. ويتم ذلك عن طريق أن يربط المتكلم بين محتوى اللغوي الذي يهدف إلى توصيله إلى المستمع بمحتوى آخر يمثل عاملاً مشتركًا مع المستمع. ويتم هذا الربط أثناء اختيار الأهداف الجزئية والألفاظ التي تحقق هدف العبارات اللغوية ككل.
ويمكن للمتكلم استخدام هذه الطريقة لتحقيق العديد من الأنماط التفاعلية اللغوية في الخطاب العلمي بالجامعة. ولا ينبغي قصر استخدام المحاجة على أنماط لغوية كالتعليل والتبرير فقط. فمجرد التعليل أو التبرير لا يعني أن هناك محاجة تتم في الخطاب اللغوي بدون مراعاة طبيعة المعارف التي يعمد المتكلم إلى ربطها لغويًا أثناء التعليل أو التبرير.
فالمحاجة كثيرًا ما يتم استخدامها لتحقيق أهدافًا لأنماط لغوية أخرى كالنقد والاتهام والشرح والنصح والتوبيخ ونشر نتائج جديدة للبحث العلمي، وغيرها من أنماط التفاعل اللغوي التي تميز الخطاب العلمي الجامعي.
وقد حاول البحث المقدم تناول عملية المحاجة العلمية من عدة أوجه:
1) دور بعض التعبيرات اللغوية والكلمات في إتمام عملية ربط المعرف بالشكل السالف ذكره في اللغتين الألمانية والعربية.
2) توضيح وظيفة المحاجة في أكثر من سياق لغوي كالتعليل و التبرير و الادعاء و الاتهام والنقد وغيرها.
3) الإشارة إلى تطور القدرة على المحاجة العلمية مع تقدم القدرات العلمية خلال عملية الدراسة
4) توضيح الاختلافات الثقافية بين اللغتين في استخدام المحاجة العلمية
5) توضيح تأثير التفاعل اللغوي بين المنتمين إلى ثقافتين مختلفتين على تفاصي عملية المحاجة.
ومن خلال التحليل اللغوي لأمثلة من الواقع العملي للخطاب الجامعي باستخدام المنهج التجريبي حاول البحث مقارنة أوجه الاختلاف و التشابه بين طرق استخدام المحاجة في الخطاب العلمي الجامعي في مصر وألمانيا و خلص البحث إلى أن كلتا اللغتين تتشابهان في البنية الأساسية للمحاجة العلمية، غير أن ما يميز المحاجة في كلتا اللغتين هو طبيعة المعارف المستخدمة كمعايير للتقييم في اللغتين وكذلك بعض الألفاظ والتعبيرات المميزة لكل من اللغتين. كما خلص البحث إلى أن المتحدث يغير من إسلوب المحاجة باختلاف المستمع واختلاف انتماءات المشتركين في الخطاب اللغوي."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة