الذات والنفس دراسه في شعر د. هـ. لورانس
مهـا وفـائي عشماوي عين شمس التربية اللغة الإنجليزية دكتوراه 2003
إن آراء لورانس الغير تقليدية فيما يختص بالنفس البشرية أو الروح – كما يطرحها فى كتابى التحليل النفسى واللاشعور و فانتازيا اللاشعور – بالرغم من أنها تمجد النفس وتراها كمصدر لأعضاء جسم الإنسان وفرديته وإبداعه إلا أنها تختصرها فى عدد من المراكز العصبية ، ففى محاولة لورانس لأن يوفر أساسا موضوعيا لا يقبل الجدل لنظريته الخاصة بالنفس وأيضاً لأن يزاوج بين الملموس والغير ملموس فإنه وقع فى مصيدة التبسيط الزائد والتناقض مع الذات.
وربما يرجع إصرار لورانس على أن يجد جذورا ملموسة ومحسوسة للنفس إلى اعتقاده – الذى عبر عنه مبكرا جدا فى حياته وبالتحديد فى عام 1913 فى مقدمته لقصة أبناء وعشاق وعام 1914 فى دراسة لتوماس هاردى – بأن الجسم سابق على الكلمة. كما يمكن النظر لآرائه عن النفس باعتبارها رداً على الحضارة الغربية المسيحية التى كان يرى أنها تعلى من شأن العقل على حساب الحس والحدس. وعلى ذلك فقد قام لورانس بإحلال النفس الخلاقة محل الفكر المجرد ، كما أصر على أن النفس لا تخضع بأى درجة لعالم الفكر والعقل ، وبالرغم من ذلك فإن لورانس يتشدد كثيراً فى رفضه للفكر والأفكار لدرجة أن بدلا من أن يعيد التوازن المفقود للنفس فإنه يميل بها فى اتجاه الحس والغريزة. فضلاً عن أن تحجيمه الكامل لدور العقل أدى فى النهاية لنظرة مهينة تساوى بين النفس البشرية والنفس الغريزية الغير عاقلة لدى الحيوانات ، وهى نظرة ليس فقط لا تتفق مع وصف لورانس للنفس بأنها متفردة ومبدعة وإنما أيضاً تجعل اعتقاده القائل بأن هذه النفس الحسية هى أصل وجود الإنسان وكيانه يبدو اعتقاداً غير مقبول تماماً .
علاوة على ذلك فإن عداء لورانس للأفكار ووصفها بأن جامدة وخالية من الحياة جعله يقصر القدرة على التفكير على عدد محدود من الرجال ، مستثنيا بذلك المرآة بوجه عام ومعظم الرجال على أساس أن هؤلاء لا يملكون فى نفوسهم (بمعناها الحسى الأولى) ما يمكنهم من الفهم والتفكير ، ومثل هذه الاستنتاجات والتعميمات الغير مؤسسة من جانب لورانس تلقى الضوء على طريقته فى التفكير وإصدار الأحكام ، تلك الطريقة التى لا تراعى الحقيقة الواقعة وإنما تنجم من رؤية لورانس – التى قد تكون مختلة – لهذه الحقيقة .
أما تعريف لورانس للذات فهو أكثر تقليدية من تعريفه للنفس حيث أنه يقترب من المعنى القاموس للكلمة الذى يقول بأنها الوجود الحقيقى والجوهرى للإنسان. وهذا الوجود يمتد – لدى لورانس – ليشمل الروح والنفس والعقل ليس كأجزاء منفصلة ومستقلة وإنما كوحدة واحدة متكاملة يتخطى الجزء إلى الكل ، ولكن بالنسبة له أيضاً فإن النفس هى أساس الذات ، فعلى النفس المتوازنة النشطة تبنى الذات المتوازنة الصلبة.
وعلى الرغم من أن لورانس يسمى الذات بالروح القدس فإن هذه التسمية خادعة ، فهو لا يعنى بها المعنى المسيحى الشائع للكلمة وإنما يراها على أنها الموحد بين الأضداد . ولا تنبع قدسية الذات فى فكر لورانس من أى مصدر علوى وإنما من تأثيرها الطاغى فى وجود الإنسان وكيانه والذى يستمد قوته من اتباعه الكامل للنزعات التلقائية للنفس الأولية الغريزية. وعلى ذلك فالذات بالنسبة للورانس – كما هو الحال فى النفس – لا تخضع لقواعد العقل ولا تعترف بها.
والأشعار المبكرة للورانس والتى قام بكتابتها قبل عام 1912 هى فى أغلبها تجارب لنظم الشعر ، وهى ذاتية إلى حد كبير باستثناء مجموعة صغيرة من القصائد القصصية والقصائد المكتوبة بلكنة أهل بلدة لورانس. ومع ذلك فهناك مجموعة من هذه القصائد المبكرة نلمح فيها محاولة لتجاوز الذاتية وإقامة علاقة بين الذات واللا ذات. ولأن بعض هذه القصائد قد تمت مراجعته وإعادة كتابته قبل وفاة لورانس بسنتين فقط فإن مفاهيم الذات والنفس التى تظهر فى النسخ المتأخرة لهذه القصائد تقترب وتتسق أكثر مع مفهومه لهاتين الكلمتين كما عبر عنه فى كتاباته النقدية المباشرة . أما النسخ المبكرة لهذه القصائد فهى تحوى بذور الفكر الناضج للشاعر، وإنما فى صياغته يشوبها الغموض وعدم القدرة على التعبير لدى الشاعر المبتدئ.
وعلى ذلك فالنسخ المبكرة لقصائد مثل “The Wild Common” و “Dreams Nascent” تعلى من شأن الجسد وتحاول أن تظهر أن المجرد ليس له وجود مستقل بعيدا عن الملموس. أما النسخ المتأخرة فهى تطور هذه الفكرة إلى معالجة للوعى الحسى فى مقابل الوعى العقلى موضحة أن العلاقة بين الذات واللا ذات لا تستقيم إلا إذا كانت قائمة على الوعى الحسى. وقصيدة “Red Moon-Rise” أيضاً توضح كيف يتمكن المتحدث فى القصيدة من معرفة العلاقة الخلاقة بين الذات والعالم المحيط بها عن طريق الحدس الذى تنبع أصوله من الوعى الحسى وليس العقلى .
علاوة على ذلك فإن معالجات لورانس الأولى للعلاقة بين الرجل والمرآة تندرج هى أيضاً تحت محاولات لتجاوز الذات ، وعلى ذلك فهى تختلف عن معالجته لنفس العلاقة فى ديوان Look! We Have Come Through الذى يدور حول تجربة الزواج الخاصة بالشاعر نفسه. أما الأشعار المبكرة فهى تعكس ملاحظات الشاعر الدقيقة وآراؤه وتعليقاته على العلاقة بين الرجل والمرآة على وجه العموم ، ومع ذلك فهذه القصائد تحوى جذورا لآراء طورها الشاعر فيما بعد فى مرحلة النضج .
أما المرحلة التالية فى شعر لورانس – وهى المرحلة التى تعكسها قصائد ديوان Look! – فهى مرحلة الإتجاه نحو الاستقرار والنضج سواء على المستوى الشخصى أو المستوى الفنى الشعرى ، فعلى المستوى الشخصى تعكس هذه القصائد سعى الشاعر الدؤوب وراء تحقيق الذات وصقلها وإدراك ذاتية الآخر وإقامة علاقة متوازنة بين الذات والآخر ، أما على المستوى الفنى فالديوان يوضح حث لورانس الخطى نحو أسلوب مميز للتعبير عن الذات وعن اللحظة الحالية الراهنة التى استقر عليها اختياره كموضوع لشعره .
والعلاقة بين الذات والآخر أو الرجل والمرأة كما تظهر فى Look! تمر بعدة مراحل من التطور ، ففى البداية لا يستطيع الرجل إدراك المرأة إدراكاً موضوعياً مستقلاً ، وإنما يدركها على أنها امتداد لذاته كما لو كانت جزء منه ، ومع نمو العلاقة يبدأ هذا الإدراك فى التغير حيث يرى الرجل المرأة فى علاقتها به ، أى فى ضوء ضرورة وجودها فى حياته حتى يتحقق له الإشباع وبالتالى تحقيق الذات. وشيئا فشيئا يفصل الرجل بين ذاته والآخر ويبحث عن طريقة لإقامة علاقة متوازنة مع المرأة ، يراها فى وقت من الأوقات كعلاقة تسلطية من جانب الرجل ثم – فى وقت آخر – كعلاقة تفاهم وانسجام توفق بين الطبيعة المتناقضة لكل من الرجل والمرأة.
وبنمو مفهوم الرجل الموضوعى لذاته ولذات الآخر – زوجته – يتمكن من التعرف على خبايا نفسه وبذلك يحقق التكامل الذى يؤدى – كما يرى لورانس – للكمال ، كما ينطلق به فى آفاق الإبداع وتجاوز الواقع.
ويبدو التأثير القاسى لسنوات الحرب العالمية الأولى على لورانسى فى بعض قصائد Look! وفى خطاباته التى كتبها فى هذه الفترة ، ولكنه يبدو أكثر فى اتجاهه لمعالجة موضوعات تبتعد عن عالم البشر فى ديوان Birds, Beasts and Flowers حيث ينسلخ من علاقته مع الآخر – الإنسان ويوجه انتباهه للآخر اللا إنسانى فى الطبيعة ، التى يجد فيها تجسيداً للوعى الحسى المنزه عن التدخل العقلى، لذلك فهو يركز الضوء على هذا النوع الحيوى من الوعى ويقابله بالوعى العقلى الخاص بالبشر ليرشد البشر لضرورة تنمية وتنشيط وعيهم الحسى القادر وحده على ربطهم بالحياة وبما حولهم بشكل صحيح.
وهو فى تتبعه لهذا الوعى الحسى أو الحدس يستكشف الأزمان السالفة حينا وثمار بعض الفواكه حينا آخر وبعض الحيوانات أيضاً ، كما أنه يعرض بالمعالجة والنقد لبعض الحيوانات التى تم ذكرها فى الإنجيل والتى أخرجتها المسيحية عن ذاتها الحيوانية الحسية وأكسبتها ذاتا عقلية روحية وبذلك أضعفتها وأحدثت بها انقساماً ضاراً.
أما أشعار لورانس الأخيرة التى كتبتها فى نهايات حياته فى تهاجم العوامل التى تخرج الإنسان عن ذاتيته وتمنعه من تحقيق ذاته وعلى رأسها المال وحب التملك والنظام الديمقراطى الذى يساوى بين الناس متجاهلا فرديتهم والمسيحية التى تحول الإنسان إلى كائن روحانى وتضعف وجوده الحسى ، وغيرها من العوامل. وعلى ذلك فأشعار لورانس الأخيرة تظهر ضيقه وهجومه الشرس على كل جوانب الحضارة الغربية المسيحية الروحانية التى تقتل – من وجهة نظره – إنسانية الإنسان وذاتيته ، وهو يخلص فى النهاية إلى أن الإنسان لكى يتحقق له نشود الكمال ونمو الذات يجب أن يكون أكثر من مجرد إنسان ، فعليه أن يكون مطيعاً طاعة كاملة لما تمليه عليه ذاته وحدسه وأن يصر على نقاء كيانه وتفرده وتمييز ذاته عن كل ما يحيطها."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة