دور مـأمـور الضبـط القضــائـي في مواجهة جرائم المعلومات
محمد علي محمد عبيد المحواث الحمودي القاهرة الحقوق الحقوق ماجستير 2009
"الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد...
فالمعلومات على مر العصور هي أغلى ما يمتلكه الإنسان، لذلك دونها وسجلها بدءًا من المقابر والمعابد، وكان قدماء المصريين أول من سجل ودون البيانات والمعلومات على جدران المقابر والمعابد وعلى أوراق البردي والألواح الخشبية(1).
وتعد المعلومات الإلكترونية في عصرنا هذا السلعة الرئيسية في العالم كله، بمعنى أن الدول لن تقاس بجيوشها أو ثروتها، ولكن سيكون المقياس الأول لقوة الدولة هو مقدار ما تنتجه من معلومات، حيث نجد أن الاهتمام بالمعلومات في الدول المتقدمة قد أصبح كبيرًا جدًّا، فهي تنفق على مرافق المعلومات والعاملين فيها بسخاء نظرًا لأهمية هذا الجانب الحيوي والإستراتيجي؛ وكان يتم تقسيم العالم إلى عالم متقدم أو غير متقدم، أما في الوقت الحاضر فإن التقسيم يتم على أساس عالم يعلم ويستغل المعلومات والمعرفة بالشكل الصحيح، ويستفيد من ثورة المعلومات والمعرفة في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية وغيرها من المجالات الحيوية، وعالم آخر أو مجتمع آخر لا يدرك مدى أهمية استغلال المعلومات، كما أن الاقتصاد العالمي يتجه أكثر فأكثر نحو اقتصاد المعرفة الذي يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على تكنولوجيا المعلومات، فمن يمتلك المعلومات ويستثمرها هو الأقوى؛ لأن قدرة الإنسان على استثمار الموارد المادية والبشرية رهينة بقدرته على استثمار المعلومات، واستثمار هذا المورد الحيوي هو المعيار الذي يعتمد عليه في الوقت الحاضر في التمييز بين مجتمعات الدول المتقدمة ومجتمعات الدول النامية، فأصبحت هذه المعلومات موردًا إستراتيجيًّا حيويًّا لا يقل أهمية عن الموارد الأخرى، حتى أصبح قطاع المعلومات يشكل مصدرًا رئيسًا للدخل القومي( ).
ويرى العالم البريطاني John Naisbitt ""أن المعلومات تعد المورد الإستراتيجي في مجتمع اليوم وليس رأس المال فقط، وإنتاج المعرفة أصبح مفتاح الإنتاجية والمنافسة والإنجاز الاقتصادي""( ) ، فالإنسانية على مشارف حضارة قوامها المعرفة، تكون فيها البيانات هي المادة الخام الأولية، فنحن ندق أبواب العصر المعلوماتي أو الثورة المعلوماتية( ).
إن إدراك المجتمعات لأهمية المعلومات في شتى جوانب حياة الفرد والدولة ومختلف مناحي النشاط الإنساني، خلق الدعوة إلى وجوب حماية حق الإنسان في المعلومات عبر إسباغ الحماية على تدفقها وانسيابها والحصول عليها من جهة، وتوفير الأدوات القانونية لمنع الاعتداءات على هذا الحق من جهة أخرى، فما يشهده المجتمع من تطور علمي وتكنولوجي ينعكس أثره على تطور الجريمة باعتبارها إحدى صور إفرازات المجتمع.
كما أن أسلوب ارتكاب الجرائم المعلوماتية اختلف اختلافًا جذريًّا عن أسلوب ارتكاب الجرائم الأخرى التقليدية، وأيضًا اختلف محل ارتكاب الجريمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الضرر الناجم عنها لا يمكن الاستهانة به، ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن الأضرار الناجمة عن الجرائم الأخرى مع اختلاف الأهداف.
ففي إحصائية أخيرة ووفقًا لبيانات الخزينة الأمريكية، تقدر أرباح قطاع الجرائم المعلوماتية بـ100 مليار دولار، أي بما يزيد على أرباح الاتجار في المخدرات( ).
على أن وجود هذا النوع من الجرائم يدعو بدون شك إلى إيجاد إطار قانوني يقوم على تصنيفها وضبطها، وسن العقوبات الرادعة واللازمة لحماية البشر من تأثيرها.
وقد أصبحت حماية وأمن المعلومات من أعقد الأمور التي تواجه الدول وكبار المسئولين في القطاعات الحكومية والخاصة، وحتى على مستوى الأفراد، وعند محاولة تطبيق الحماية التقليدية نجدها مكلفة جدًّا وتعيق انسيابية الأعمال، وتضعنا في صراع مع تيار التقدم والتطور في ظل تبني العديد من الدول مبادئ الحكومة الإلكترونية، فالمواجهة التشريعية ضرورية للتعامل من خلال قواعد قانونية غير تقليدية مع هذا الإجرام غير التقليدي في ظل التطور الكبير في مجال استخدام التقنية الحديثة.
كما أن دور الجهات الأمنية مهم جدًّا في منع الجرائم المصاحبة لاستخدام هذه التقنية الحديثة التي اعتمدت عليها الدول والأفراد بشكل كبير جدًّا، فلا يوجد في الوقت الحاضر بيت أو مؤسسة عامة أو خاصة إلا وتستخدم الحاسب الآلي والأنظمة الإلكترونية في تسيير أمورها اليومية بشكل إلكتروني، حيث تم تقليص الاعتماد على الملفات والأوراق، بل إن الكثير من الدول حولت جميع معاملاتها الورقية إلى إلكترونية في ظل التوجه نحو تطبيق مبادئ الحكومة الإلكترونية، فلموضوع الجرائم المعلوماتية أهمية متزايدة من الناحية النظرية والعملية، فنظريا يطبق على مجموعة من جرائم الأموال العامة لا يستهان بها، وعمليًّا يمس كثيرًا من مصالح المجتمع، وعلى وجه الخصوص البنوك والأمن القومي، وأيضًا يمس الحياة الخاصة للأفراد( ).
ولا تثير حماية المعلومات مثل هذه المشكلة عندما توجد تشريعات جنائية رادعة خاصة بالحماية الجنائية عند الاعتداء عليها، إلا أن المشكلة تثور في حالة عدم مناسبة التشريعات التقليدية، وكذلك عدم كفاية التشريعات الحالية، وخاصة إذا لم يتناسب النص العقابي مع مثل تلك الجرائم المستحدثة التي تجعل مهمة القاضي الجنائي صعبة جدًّا عند عملية التكييف القانوني وعملية التفسير والتأصيل لمثل تلك الوقائع، ومحاولة ردها إلى نصوص قانونية قائمة بالفعل.
أما في حالة وجود نص عقابي محدد فإن القاعدة أنه ((لا اجتهاد مع وجود نص)) وقد قامت بعض الدول العربية بسن تشريعات تجرم الاعتداء على المعلومات أو الأجهزة التقنية، مثل القانون الاتحادي رقم 2 لعام 2006م في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات بدولة الإمارات العربية المتحدة، وفي مصر صدر القانون رقم ""15"" بشأن تنظيم التوقيع الإلكتروني وبإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات بتاريخ 22 أبريل سنة 2004، كما تم إعداد مشروع للتجارة الإلكترونية صادر عن رئاسة مجلس الوزراء (مركز المعلومات وجهاز دعم اتخاذ القرار، لجنة التنمية التكنولوجية عام 2000) ولكن قانونًا بهذا الخصوص لم يصدر حتى تاريخه( ).
كما صدر قانون مكافحة جرائم المعلومات في المملكة العربية السعودية في عام 2007م، وفي سلطنة عمان وغيرهما من الدول، حيث أصبح فرض الحماية للمعلومات أمرًا حتميًّا.
وتعد مرحلة جمع الاستدلالات من المراحل المهمة في مجال الجرائم المعلوماتية والتي يقوم بها رجال الضبط القضائي، وهي المرحلة التي تسبق مرحلة التحقيق الابتدائي الذي تقوم به النيابة العامة، وقد استقر الأمر في أغلب التشريعات على أهمية هذه المرحلة باعتبارها مرحلة أساسية بالنسبة للسلطات المختصة بتحريك الدعوى طبقًا للمادة (30)(1) من قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي رقم 35 لعام 1992م، والمادة (21) من قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لعام 1950م(2) ؛ فعملية جمع الاستدلالات من اختصاص مأموري الضبط القضائي من حيث تقصي الجرائم، والبحث عن مرتكبيها، وجمع الأدلة والمعلومات اللازمة للتحقيق والاتهام، وبذلك تعتبر خط الدفاع الأول ضد الجرائم المرتكبة سواء كانت من الجرائم التقليدية أم من جرائم الاعتداء على المعلومات.
وعلى الرغم من أن العمل الأمني قد تحدد دستوريا بنص المــادة ""184"" من الدستور الدائم والتي تضمنت أن: ""تؤدي الشرطة واجبها في خدمة الشعب، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام والأمن العام والآداب، وتتولى تنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات، وذلك كله على الوجه المبين بالقانون""، على الرغم من ذلك إلا أن ارتباط وتفاعل العمل الأمني بالمجتمع وسياساته وأهدافه وما يعتريه من تطوير قد أدى إلى تطور مفهوم العمل الأمني، وتحديث واتساع نطاقه وعدم اقتصاره على تأكيد الأمن بمفهومه الضيق وتنفيذ القوانين واللوائح، حيث امتدت مفاهيم الأمن ورسالته إلى كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي دعا البعض إلى وصف مجالات العمل الشرطي اليوم بأنها مترامية الأطراف، بحيث يصعب أن يدركها الحصر( ).
وطبيعة وسمات الجريمة المعلوماتية تتصف بالعلمية، الأمر الذي أدى إلى تعاظم قدر اعتماد المجرمين في هذا المجال على وسائل التقنية العلمية الحديثة في ارتكاب جرائمهم، مما يفرض ضرورة التسلح بالوسائل ذاتها لتحقيق السبق في عملية المواجهة، كما أن مسئولية مواجهة تلك الجرائم لا تقع على الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما يجب أن تتصدى لها جهات البحث العلمي والتقنية والجهات التشريعية والقضائية، وكذلك غيرهم الكثير لتؤتي المواجهة آثارها المرجوة والمأمولة( ).
أهمية الدراسة:
بناءًا على العرض السابق تنبع أهمية الدراسة من تزايد معدلات الجريمة المعلوماتية، بما يمثله ذلك من تهديد للأمن العام يعود بالسلب على الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية للدول، وبالنظر إلى الطبيعة الخاصة لتلك الجرائم والمتمثلة في صعوبة إثباتها أو صعوبة التوصل إلى مرتكبيها بأدوات البحث الجنائي التقليدية، الأمر الذي استوجب على سلطات الضبط القضائي مسايرة هذه الأنماط من الجرائم من خلال الاستعانة بالتقنيات العلمية الحديثة خلال مرحلة جمع الاستدلالات، كما تكمن أهمية الدراسة في محاولة إيجاد الحلول التشريعية لمكافحة تلك الجرائم.
الهدف من الدراسة:
انطلاقًا من الأهمية البالغة لهذا الموضوع على نحو ما أوضحنا فيما تقدم، تبين أن هناك حاجة للبحث المتعمق في المسائل الإجرائية والعملية المتصلة بتحقيق وإثبات جرائم المعلومات، لذا فإن هذه الدراسة تنصب على سبر غور المسائل القانونية والفنية ذات الصلة بسلطة مأمور الضبط القضائي في مواجهة الجريمة بشكل عام وجرائم المعلومات بشكل خاص، وتهدف الدراسة إلى تحديد مفهوم هذه الجرائم وأنماطها وخصائصها، وبيان الأصول الإجرائية والعملية لإجراءات الاستدلال في البيئة الرقمية، كما تسلط الضوء على التحديات التي يواجهها مأمور الضبط القضائي في التعامل مع هذا النمط المستجد من الجرائم.
منهج الدراسة:
اعتمد الباحث في تناول هذه الدراسة على المنهج التحليلي التطبيقي، حيث تعرض للجوانب المتصلة بالمسألة مدار البحث ليصار إلى تحليلها والتوصل للموقف منها في ضوء الاحتياجات العملية والتطبيقية، وفي ضوء الأحكام الموضوعية الفنية والقانونية.
كما استخدم المنهج الوصفي، وذلك من خلال وصف وتفسير الظواهر والمستجدات الراهنة التي أفرزتها التطورات المعاصرة في شبكات الاتصالات الحديثة، بهدف تحديد المفاهيم المستجدة ومحاولة ملاحقة هذه المشكلات المتجددة التي تفوق في سرعة تطورها الدراسات القانونية الحالية.
أدوات الدراسة:
استعان الباحث في دراسته بعدد من الأدوات الرئيسية والمساعدة:
1- الأدوات الرئيسية وشملت:
المؤلفات القانونية والرسائل العلمية التي تناولت فكرة البحث.
المقالات والمنشورات العلمية والأمنية والمؤتمرات العلمية حول موضوع البحث.
نصوص الدساتير والقوانين وأحكام القضاء في هذا الخصوص.
المصادر الأجنبية والاتفاقيات الدولية التي نظمت هذا الموضوع.
2- الأدوات المساعدة وشملت:
الكتب الإلكترونية ومواقع الإنترنت التي تغطي جوانب الدراسة.
خبرة الباحث كمأمور ضبط قضائي.
الدورات الفنية التي حضرها الباحث في مجال الحاسب الآلي وشبكاته.
إشكالية الدراسة:
إن مواجهة جرائم المعلومات موضوع مستجد، لم يحظ بعد بالاستقرار في مسائله على النحو الذي حظيت به أنشطة مواجهة الجرائم التقليدية، لذا تتحدد مشكلة الدراسة الرئيسة في عدم توفر المعايير القياسية لما يعد صائبًا وما لا يعد كذلك في ميدان التعامل مع هذه الجرائم وأنشطة مكافحتها، ويرتبط بالإشكالية الرئيسة أيضًا غياب الخبرة الفنية الملائمة للتحقيق في جرائم الحاسوب، وغياب الأدوات التشريعية التي تتيح إمكانية توجيه هذا النشاط، لهذا فإن غرض الدراسة الرئيس السعي لتقديم أجوبة ملائمة – بتوفيق الله ومشيئته – للأبعاد الرئيسة والفرعية لهذه الإشكاليات.
معوقات الدراسة:
إن أبرز عائق أمام هذا النوع من الدراسات هو الحاجة إلى تغطية المسائل من زاويتين: الأولى فنية، والثانية قانونية، وهو ما يتطلب الإحاطة بجانبي الدراسة توخيًا لدقة الحلول والنتائج، إضافة إلى مشكلة قلة المراجع العربية المتخصصة، وقد ساعد في تجاوز هذا العائق توفر عدد جيد من المراجع الأجنبية والدراسات والمقالات المنشورة في مواقع هامة على شبكة الإنترنت.
فروض الدراسة:
افترض الباحث مجموعة من الفروض سعى إلى التحقق من صحتها من خلال هذه الدراسة تتمثل فيما يلي:
1. يمثل دور مأمور الضبط القضائي أهمية كبيرة في مواجهة جميع الجرائم.
2. وجود نوع جديد من الجرائم يتم ارتكابها عبر أو من خلال المعلومات الإلكترونية.
3. إجراءات الاستدلال في البيئة الرقمية محكومة باحتياجات وقواعد وإجراءات تختلف عن إجراءات الاستدلال في بيئة الجرائم المادية التقليدية، سواء من حيث طبيعة السلوك الإجرامي، أو من حيث طبيعة الدليل، أو وسائل وآليات كشف الجريمة والوصول إلى الدليل الملائم لإثباتها.
4. فعالية الضبطية القضائية في هذا النمط من الجرائم رهن توفر الدراية الفنية والقانونية معًا لدى جهات الضبط القضائي، وهي دراية متخصصة لا تقتضيها فقط سلامة إجراءات الاستدلال، بل تتطلبها خطط تفعيل وتطوير أداء الجهة التي تمارسها.
5. إن التحقيق في هذا النمط من الجرائم محكوم بعدم المساس بالخصوصية المعلوماتية، أي حماية البيانات الشخصية المتعلقة بالحياة الخاصة المخزنة في نظم المعلومات والشبكات، وحماية الأسرار التجارية للمنشآت محل إجراءات التحقيق.
6. السلطة الاستثنائية بما تتضمنها من أنشطة التفتيش والضبط والتعامل مع الأدلة تخضع للمشروعية القانونية من حيث التقيد بما يقرره القانون لصحة وقانونية وسلامة هذه الإجراءات.
إن هذه الفرضيات الرئيسة محددات لازمة للحلول المقترحة، وتجاوز أي منها يجعل التعامل مع جرائم المعلومات مهددًا بخطر عدم الملاءمة وعدم الفعالية ومخالفة الشرعية."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة