دراسة تَحْلِيليَهٌ للأصول الفلسفية والاجتماعية لمَنـَـاهِجِ البـَحْثِ فيِ التربية

احمد عطيه احمد السيد عيـن شمس التربية أصول التربية دكتوراه 1996

ملخص الدراسة:

حاولت هذه الدراسة أن تبيّن عدم حيادية مناهج البحث، وأن تحيزها أمرٌ ضروري، ومطلوب. وهذا التحيز راجع إلى قيام تلك المناهج على أسسٍ وأفكارٍ فلسفية، تشكّل رؤية الإنسان لذاتِـه، وللهدفِ من وجودِه، ولرؤيته للمجتمع والكون، وعلاقته بهما.

      وهذه الأفكار الفلسفية لا تأتي من فراغ، بل من سياق تاريخي اجتماعي، يؤثر - بمكوناته المختلفة - في صاحب الفكر، وتشكّل فكرَه.

      ومن هنا يدعو هذا العمل الباحثين في التربية وعلم النفس بصفة خاصة، والباحثين في العلوم الإنسانية بصفة عامة، إلى النظر إلى مناهج البحث باعتبارها أدوات تتيح رؤية الواقع والظاهرات الإنسانية - الاجتماعية والتربوية والنفسية - من خلال منظور معرفي أوسع، يشمل ثلاثة أضلاع: الإنسان، والمجتمع، والكون.

      وعند تحليل بعض كتب مناهج البحث في التربية وعلم النفس - التي رأى الباحث أنها من أهم الكتب المتاحة أمام الباحث التربوي عامة، والمصري خاصة - تبين أن مناهج البحث السائدة والمنتشرة - المعروضة في هذه الكتب - تتبع نموذجاً معرفياً غربياً محدداً، وهو النموذج الذي يرى الإنسانَ جزءً من الطبيعة، وتحكمه قوانـُينها الآلية. ويؤكد الباحثُ ضرورةَ البحثِ عن بديلٍ لهذا النموذج المعرفي الوضعي، ينبع من مشكلاتنا وقضايانا، أهدافِنا وأحلامِنا. وهذا يستلزم العمل في ثلاثة محاور:

      المحور الأول: انفتاح الباحث التربوي على الانتقادات الغربية ذاتها لهذا النموذج المعرفي، وتتمثل أهمية هذا المحور في أن الفكر الغربي لازال يحظى بمصداقية لدى الكثيرين، ومن الصعب كشف قصوره والاقتناع بعدم مصداقيته هذه من خارجه. فإبراز النقد الموجه للنموذج الغربي من قِبَل مفكرين غربيين، يعتبر مبرراً كافياً للمتمسكين بمقولة معيارية الغرب - عن وعي أو عن غير وعي - لإعادة التفكير في هذه المعيارية والعالمية، بل وإزالتها عن هذا النموذج الغربي.

      والمحور الثاني: الانفتاح على نماذج معرفية أخرى، غير غربية. أي التعرف على فكر وفلسفة الشرق.

      أما المحور الثالث: فدراسة الذات، والواقع الثقافي، لبلورة نموذج معرفي خاص بنا، ومن ثم بناء مناهج بحث ملائمة لنا.

      هذه المحاور الثلاثة ليست تتابعية بالضرورة، بل يجب أن تكون متزامنة، متوازية. وهذا يعني تنسيق جهود التربويين - وخاصة الأساتذة - للعمل على إنقاذ الباحث والبحث التربوي من الانغماس في نموذج معرفي واحد، يؤدي إلى استخدام مناهج بحث محددة، لا تحل مشاكلنا، ولا ترقى بنا.

      ولأن هذه هى الأهداف الكامنة من وراء هذا العمل، ولأنه لا يمكن لعمل واحد الإلمام بهذه المحاور الثلاثة جميعاً، فقد ركـز الباحث على المحور الأول: فتم استعراض مفهوم العلم المعاصر، ومناقشة بعض المفاهيم المرتبطة، مثل حيادية العلوم وموضوعيتها. ثم تم استعراض نشأة العلوم الإنسانية في أحضان العلوم الطبيعية، وارتباط هذه النشأة بمشكلة المنهج التي تبلورت في السؤال التالي: هل على العلوم الإنسانية محاكاة مناهج البحث المستخدمة في العلوم الطبيعية التي أثبتت فعاليتها ونجاحها، أم عليها إيجاد أو تطوير مناهج بحث خاصة بها؟ (الفصل الأول).

      وقدمت الدراسة الإجابتين الأساسيتين في فلسفة العلوم المعاصرة عن هذا السؤال: فهناك فريق يرى أن مناهج بحث العلوم الطبيعية تصلح لكل العلوم، وما على المشتغلين بالعلوم الإنسانية سوى مراعاة الفرق بين نوعي الظاهرات الإنسانية والطبيعية، وهو فرق درجة التعقيد. ويمثل هذا الرأي الاتجاه الوضعي، والفلسفات والنظريات التي اتبعت هذا الرأي: الإمبريقية، والوظيفية، والبنيوية. (الفصل الثاني).

      أما الفريق الثاني فيقدم إجابة أخرى تقوم على اعتبار أن الكائنات البشرية، والظاهرات الإنسانية تختلف اختلافاً نوعياً عن الظاهرات الطبيعية، ومن ثم ينادي هذا الفريق بمناهج بحث خاصة للعلوم الإنسانية. ويمثل هذا الفريق: التأويلية، والتفاعلية الرمزية، والفينومينولوجيا، والنظرية النقدية. وقد ساد الاتجاه الأول - اتباع نموذج العلوم الطبيعية - في فلسفة العلوم الإنسانية، ومن ثم في مناهج البحث في التربية وعلم النفس. (الفصل الثالث).

      ثم تناولت الدراسة بدايات الدراسة العلمية للتربية وعلم النفس في مصر، وكيف أنها بدايات اربتطت بالنموذج الوضعي الذي يرى تبني مناهج البحث المستخدمة في العلوم الطبيعية مع مراعاة الفرق بين طبيعة الظاهرات الطبيعية والظاهرات التربوية والنفسية من تعقد الأخيرة بالقياس إلى الأولى التي يسهل فيها القياس. ثم انتقلت الدراسة بعد ذلك للتعرف على مظاهر أزمة مناهج البحث في التربية، وكيف أنها انعكاس لهذه الأزمة في العلوم الإنسانية بصفة عامة. وقد تبلورت مظاهر هذه الأزمة في الانتقادات التي وجهها بعض التربويين لمناهج البحث السائدة في التربية وعلم النفس.

      وجاء الفصل الخامس لتحليل عينة من كتب مناهج البحث في التربية وعلم النفس (5 كتب مؤلفة بالعربية، و4 كتب مترجمة من الإنجليزية إلى العربية، و11 كتاباً مؤلفة بالإنجليزية ولم تترجم) للتعرف على مدى مواكبتها للاتجاهات المعاصرة في هذا المجال، ومدى اهتمام هذه الكتب بعرض الأصول الفلسفية والاجتماعية الخاصة بمناهج البحث المقدمة للباحث التربوي.

      وتوصلت الدراسة إلى أن كتب مناهج البحث في التربية وعلم النفس - في معظمها - تتبنى النموذج السائد في النظر إلى مناهج البحث في العلوم الإنسانية، وتعرض هذه الكتب لمناهج البحث على أنها أدوات محايدة تصلح لكل مجال، في أي مكان. غير أن هناك صدى للاتجاهات المناهضة لهذه الرؤية بدأت عند بعض التربويين المصريين منذ الستينات، ثم اشتدت حركة نقد مناهج البحث في التربية وعلم النفس في العقدين السابق والحالي. كما أن هناك اتجاهاً عالمياً في التربية بدأ مؤخراً في الحديث عن الاتجاهات المناهضة للنموذج الوضعي، وينادي بضرورة الانتباه إلى مناهج بحث جديدة تتبع الاتجاهات ضد الوضعية. وعلى الرغم من إحساس بعض التربويين المصريين بأزمة مناهج البحث، وبدايات ظهور كتب في مناهج البحث في التربية وعلم النفس تتحدث بلغة غير تقليدية، فلا أثر لهذه الاتجاهات في كتب مناهج البحث المؤلفة بالعربية، أو تلك التي تم اختيارها للترجمة.

      وكان الهدف من هذا التحليل الكشف عن مدى مواكبة هذه الكتب وتأثرها بكل من انتقادات التربويين لمناهج البحث من جهة، وللاتجاهات المعاصرة المخالفة للاتجاه الوضعي السائد في العلوم الإنسانية من جهة أخرى.

      وانتهت الدراسة (الخاتمة) بتقديم نتائج عامة لبلورة أهم الفروق بين الاتجاهين السائدين في فلسفة العلوم الإنسانية في رؤية البيانات الخام، والنظر إلى الأداة البحثية، ودور الباحث إن تبنى هذا الاتجاه أو ذاك. وانتهى الباحث فيها إلى أنه إذا كان مفهوم العلم يعني ضرورة استخدام لغة الكم والإحصاء، وإذا كانت المفاهيم الكيفية لا تستطيع تقديم مثل هذه البيانات، فلماذا لا نصـرّح بأن الدراسات الإنسانية ليست علماً بهذا المعيار، بل هى فـــن يعتمد على موهبة الباحث، بجوار اعتماده على معرفته الواسعة، والثقافة العامة، وفنيات البحث الكمي" "العلمي" ". وهل الفن يعني الفوضى، أم له قوانينه ومنطقه الخاص؟ وهى قوانين ليست بالضرورة كقوانين ومنطق العلوم الطبيعية. فإما أن نوسـّع مفهوم العلم ليستوعب الجوانب غير الكمية، أو نـُخرج الدراسات الإنسانية من ضرورة أن تـُوضع تحت لفظ" "علم" "مادام هذا اللفظ يعني العلوم الطبيعية ومعاييرها في العلمية.

      ثم قدّم الباحث محاولة تفسير سيادة وجهة نظر الوضعية في العلوم الإنسانية، وعدم انتشار وجهة نظر ضد الوضعية. فيعود ضعف تأثير الاتجاه الذي ينادي بمناهج بحث خاصة بالعلوم الإنسانية إلى عدم اكتمال العمل الواحد الخاص بصاحب هذه الدعوة، لأنه يفرد معظم أعماله لتبرير دعواه، ثم لا يكاد يقدم في مجال بناء منهجه الخاص ما يساعد الباحثين على القيام بأبحاثهم في أرض الواقع. كما أن هناك عدم تراكم الأعمال في هذا الاتجاه، فكل صاحب دعوة وإن كان يتفق مع المنادين بضرورة إيجاد مناهج بحث خاصة للعلوم الإنسانية على ذلك، فإنه يختلف معهم في مبرراته، وبؤرة الاهتمام، ومحور الدراسات الإنسانية. ومن هنا لا يحدث تراكم معرفي يؤدي في النهاية إلى مزيد من تعمق الأسس الفلسفية لمناهج البحث، ومزيد من الإجراءات العملية وضبطها.

      وفي مقابل هذا الضعف، تتميز الاتجاهات الوضعية بعدم حاجتها لتبرير الأخذ بمناهج العلوم الطبيعية، فيكيفها نجاحها في هذا المجال. وتتميز أيضاً أعمال المناصرين لهذا الاتجاه بالتراكم، فهذا يبدأ من حيث انتهى من سبقه، مما أدى إلى المزيد من الضبط والدقة، ووضوح الإجراءات وسهولتها النسبية. ويضاف إلى ذلك تبني المعاهد العلمية لهذا النموذج تبنياً رسمياً، وهو ما يظهر بشكل جلي في لجان الترقية.

      كما تناولت الخاتمة أهم نتائج تحليل كتب مناهج البحث في التربية وعلم النفس. فليس هناك ضوابط أو أسس نظرية لاستخدام المصطلحات، فلا يدري المتصفح لهذه الكتب أيها مناهج، وأيها أدوات لجمع البيانات، وأيها نوع من البحوث. ثم كان هناك تركيز كبير لشرح ووصف كيفية استخدام أدوات جمع البيانات، يقابله عدم تركيز على فلسفة استخدام هذه الأداة في هذا النوع من البحوث. ويكاد يقف مؤلفو هذه الكتب عند مفهوم العلم في مرحلة" "نيوتن" "، ومن هنا جاء اعتبار المنهج المستمد من العلوم الطبيعية هو المنهج العلمي الحقيقي والوحيد.

 

      وتتبلور وجهة نظر الباحث في أن مناهج البحث في العلوم الإنسانية بصفة عامة، وفي التربية وعلم النفس بصفة خاصة، لا تستطيع أن تقدم لنا سوى" "فهم" "الواقع المعاش، وهو بالضرورة فهم قائم على الماضي، وهذا الفهم للماضي - من أجل فهم الحاضر - يتيح فقط إمكانات تشكيل المستقبل. وهذا التشكيل لا يقوم على أنه نتيجة" طبيعية "،" حتمية "" لما حدث ولما يحدث الآن، بل يقوم على ما نأمله، وما نصبو إليه، وما نحلم به. وهذه الوجهة من النظر لا تحل القضية بقدر ما تبرزها، وتؤكد على مدى أهميتها، وعلى أنها قضية تستحق من الباحثين المزيد من الجهد والمناقشة وتبادل وجهات النظر.


انشء في: اثنين 17 يوليو 2017 16:15
Category:
مشاركة عبر