الأصول الإفريقية فى الحضارة المصرية القديمة
التاريخ والآثار المصرية والإسلامية إيمان محمد نبيل عبد العزيز الخيوطى الأسكندرية الآداب الماجستير 2008
"كان من القضايا المثارة ومحل جدل كبير بين المتخصصين فى علم المصريات أن هناك أصولاً إفريقية فى الحضارة المصرية القديمة أثرت على ما تكون لدى المصريين من معتقدات دينية وعادات وفنون ويرى أصحاب هذا الرأى أن الجنس المصرى القديم فى أصله زنجي خالص، على الجانب الآخر ظهر اتجاه آخر يرى أن المصريين أصلهم ليبى ويقصد بليبى أى من ليبيا القديمة وهى الشمال الإفريقي غرب مصر.
ويرى أصحاب الرأى القائل أن مصر إفريقية زنجية، إلى وجود عادات أصيلة فى الحضارة المصرية لها ما يمثلها حتى عصرنا الحالى فى المجتمعات الأفريقية التقليدية – التى مازالت تعيش بنفس تقاليد الماضى وأحيانًا لم تتخط تقاليد العصر الحجرى – مثل ""الحب سد""، والملكية الإلهية والتضحية البشرية والطوطمية ما يؤكد وجهة نظرهم.
أما أصحاب الرأى القائل بأن مصر إفريقية ليبية، يرون فى تشابه الفن الصخرى بالصحراء الكبرى والفن المصرى، ووجود رسوم لأشخاص برؤوس حيوانية دليلاً على أن المصريين كانوا ليبين فى الأصل، وقد كانت تلك الفكرة مرفوضة فى البداية، وكان السائد كون مصر هى فقط مركز التأثير، لعدم وجود تأريخ حقيقى للنقوش الصخرية التى كان يعتقد أن أقدمها يواكب الحضارة المصرية أو لاحق لها، إلا أن البحوث الحديثة التى أجراها فابر يشو مورى بالكربون 14، وتحليل الزنجار للرسوم الصخرية أثبت كونها أبعد كثيرًا من 8000 ق.م. كما أرخ منجم فخارى من العصر الحجرى الحديث بالهجار اعتمادًا على الكربون 14 بحوالى 8450 سنة قبل عصرنا الحالى، ولذلك فهو موافق للعصر الحجرى الحديث فى الشرق الأدنى.
وتعد النقوش الصخرية أقدم وثيقة قدمها لنا إنسان ما قبل التاريخ ليبين لنا فيها كيف كان يفكر، وما هى طقوسه وديانته وحياته وعاداته الاجتماعية، وقد صار من الثابت لدى العلماء أن الصحراء الكبرى لم تكن جافة وصحراوية كما هى الآن، وإنما كانت زاخرة بالسكان والحيوانات السودانية الضخمة التى كانت تحيا على كميات كبيرة من الحشائش والمياه، مثل الأفيال وفرس النهر، ثم تعرضت الصحراء لموجات من الجفاف والرطوبة مما دفع سكانها للهجرة، وكان من الطبيعى أن تنال مصر نصيبًا من هجرات هذا الخزان البشرى الهائل، الذى ضم العديد من الأجناس وقد وجد فى الرسوم الصخرية ما دل على وجود العنصر الزنجى، وأشباه الزنوج، والبحر متوسطى.
ووفقًا لهذه المعطيات الحديثة صار من الضرورى إعادة استقراء تاريخ القارة والعلاقات المتبادلة بين حضارتها، فقد كانت النظرة السائدة لتاريخ إفريقيا – باستثناء مصر – أنها عادة تقف موقف الآخذ بدون عطاء، كما سادت النظرة العنصرية فى العقود السابقة، وتم النظر للجنس الأسود نظرة دونية، وظهر مؤخرًا تيار مضاد سُمى بالأفرقة أو المركزية الأفريقية وقصد به إعادة أصول كل الحضارات للجنس الأسود الأفريقى، وأن مصر زنجية خالصة، وقد عرض هذه الفكرة بوضوح ""شيخ انتا ديوب"".
Antadiop, Ch., Mations Négres et Culture, Paris, 1967( ).
كما طرح نفس الفكرة بشكل مركز فى مجلد تاريخ إفريقيا العام فى الجزء الثانى تحت عنوان ""أصل المصريين"". وفى الجزء الأول من تاريخ إفريقيا فى ملخص ندوة عمران مصر بالسكان"" الذى ألحق بمجلد تاريخ إفريقيا العام، وتم فيه مناقشة أصل المصريين العرقى فى الحضارة المصرية القديمة.
أما وجود مؤثرات ليبية فى الحضارة المصرية، فقد تمت الإشارة له فى العديد من الدراسات بشكل مقتضب، وأثارته مليكة حشيد بشكل واضح فى كتابيها:
- Hachid, M., Le Tassilli de Ajjar, Aux Sources de L'Afrique 50 Siécles avant Les Pyramides, Paris, 2000.
- Les Presmiers Berbéres: enter Méditerranée, Tassili et Nil, Paris, 2001.
ولا تعنى هذه الدراسة عدم تميز مصر الحضارى، ولم تنكر دورها فى نشر الحضارة فى العالم، فالطابع الخاص للحضارة المصرية نتج من تفاعل الإنسان المصري مع بيئته من خلال محاولاته المتكررة لترويض نهر النيل فى البداية اتقاء لأضرار الفيضان ثم، ليستفيد منه فى الزراعة الأمر الذى ساعد على وحدة البلاد ووحدة الحضارة فى نهاية الأمر، فصار هناك ما يسمى بـ kmt مصر Km.i مصرى، وانصهرت الثقافات المختلفة التى تكون منها نسيج الحضارة المصرية، وخرجت منذ الأسرة الرابعة حضارة ذات طابع خاص استمر طوال التاريخ الفرعونى، وساهمت مصر بنصيب وافر فى تحضر العالم، وإن تم ذلك عن طريق الأغريق، وقد تناول هذا الدور كلا من جورج جى. إم جيمس فى كتابه ""التراث المسروق""( ) وكتاب برنال ""أثينا السوداء""( ). حيث أوضحا تعلم الفلاسفة والعلماء الأغريق على يد الكهان المصريين ونقلهم تلك الحضارة لأثينا ومنها للعالم.
القضية الرئيسية لهذه الدراسة إعادة استقراء التاريخ الحضاري لإفريقيا وفقًا للمعطيات الحديثة للقارة الأفريقية خاصة وأن أغلب الدراسات تتجه إلى الربط بين مصر والشرق الأدنى القديم، وتتبع التطور التاريخي من الشمال إلى الجنوب ومن المناطق الأكثر تحضرًا إلى المناطق الأقل تحضرا بدون الالتفات للدور الأفريقي في تكوين لبنات الحضارة المصرية القديمة، وبدون مراعاة كون وادي النيل لم يكن مكانًا صالحًا للحياة في الوقت الذي كانت فيه الصحراء الكبرى عامرة بأشكال الحياة المختلفة، حيث يعد نهر النيل نهرًا حديث المنشأ من وجهة نظر الجيولوجيين، مما أدى إلى حدوث هجرات إلى الوادي في وقت لاحق لسكنى الصحراء كما سبق القول، وبالتأكيد اصطحب هؤلاء المهاجرون معهم عاداتهم ودياناتهم وتقاليدهم وثقافتهم.
كما قصد من هذه الدراسة التأكيد على الفرق بين الثقافات والأجناس ففي أواخر العصر الحجري القديم الأعلى انخرط الإنسان الأفريقي في مرحلة حضارية واحدة، بدون النظر لجنسه. وفكرة التميز الجنسي لم تعد تلقى قبولاً بل إن فكرة الجنس المعتمد على الصفات الجينية فقط لم يعد مقبولاً علميًا ولا يعتد الآن بما يسمى ""أجناس صافية"" وقد أُشير مؤخرًا في الأبحاث العلمية أن الصبغات اللونية السوداء من المحتمل جدًا أنها اللون الأصلي للبشر تم تطور البشر تفاعلاً مع المناخ إلى اللون الأفتح وإن ظل اصطباغ الجلد العميق داكن وقد كان اللون هو أحد أهم محددات الأجناس فى العصور"
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة