اسطوره ديردري في مسرحياتديردري ل.و.ب.تيس وديردري فتاه الاحزان ل.ج.سينج ومطيب النفوس لبراين فرايل في ضوء الاتجاهات الادبيه الانجليزيه الامريكيه
ايمان محمد شكيب, ,عين شمس ,الالسن ,اللغة الانجليزية ,دكتوراه 2001
للأسطورة مقومات عدة. وهي يغلب عليها عنصر التأمل وماله من مذاق خاص في هذا الإطار. وعادة ما تدور الأسطورة حول أشياء مستحيلة الحدوث ومخلوقات خارقة. ولكن في نفس الوقت لا توضع الأسطورة في قالب كوميدي فسواء أكانت الأسطورة تتسم بالحزن أو بالمرح فإنها دائماً أبداً جادة.
ومن أهم مقومات الأسطورة والتي تستخدم كأداة خلاقة في الأدب هي أنها تعبر عن شيء ذي قيمة كبيرة أو حقيقة كلية.
والأسطورة بما تتمتع به من غنى في معانيها تلهب الخيال وتلاحق الناس. كما أنها تقدم عالماً من الخبرات وفي أفضل صورها يمكن أن تقدم خبرة غير معلومة للناس من قبل. وبالإضافة لذلك فإن الأسطورة يمكن أن تضيف للحياة.
وعند استخدام الأسطورة كأداة جمالية في الأدب فإنها تحقق كما يوضح ت.س. إليوت "توازي دائم بين المعاصرة والقدم" كما تصبح وسيلة إرشادية تساعد على فهم الحياة وسبيلاً "للسيطرة وفرض النظام وإضفاء شكل ومغزى على بانوراما الجدب والفوضى التي يتسم بها التاريخ المعاصر."
ومع أخذ هذا الاعتبار فإن كثير من كتاب المسرح يتناولون أساطير معينة في أعمالهم. وينسحب هذا على يتس وسينج وفرايل من خلال عرضهم لأسطورة الحب الأيرلندية الخاصة بديردري.
وتستعرض الرسالة العوالم الدرامية لكل من الكتاب الثلاث وتقدم تناولهم الفريد لتلك الأسطورة. وتنقسم الرسالة لجزئيين وتقع في خمسة فصول وخاتمة.
الفصل الأول وعنوانه "الأسطورة والتطرية والتفاعل بينهما" يتناول تطريات مختلفة خاصة بالأسطورة. فالأساطير هي عبارة عن قصص عادة عن الآلهة وغيرها من الكائنات الأسطورية (فرايي). وغالباً ما تكون قصص عن الأصول، كيف خلق هذا العالم وكل ما فيه (إلياد). وعادة ما تكون تلك الأساطير محكمة من ناحية البناء اللغوي ويتضح المعنى فقط من خلال التحليل اللغوي (ليفي- ستراوس) وفي بعض الأحيان، تكون الأساطير عبارة عن أحلام عامة وشأنها شأن الأحلام الخاصة حيث تنبع من العقل الباطن (فرويد). وفي واقع الأمر، فإن الأساطير غالباً ما تُظهر نماذج اللاوعي الجماعي (يانج). وبعض الأساطير توضيحية حيث أنها محاولات سابقة للعلم لتفسير العالم الطبيعي (فرزير).
وفي هذه الحالة، عادة ما تكون وظيفية وتمثل علم الشعوب البدائية (مالينووسكي)، كما يناقش الفصل الفرق بين أساطير الأقدمين والأساطير المتوارثة والقصص الشعبي.
أما الفصل الثاني وهو تحت عنوان "العوالم الدرامية ليتس وسينج وفرايل" فيتعرض لأراء الكتاب الثلاثة تجاه المسرح ووظيفته والأساليب المستخدمة وذلك من خلال استعراض أكثر أعمالهم المسرحية البارزة.
فبالنسبة ليتس، فإن أحد وظائف المسرح هو جعل الأمة على دراية بتراثها من خلال التاريخ والأسطورة مما يوفر نقطة يمكن أن تلهب خيال العامة وتوقظهم أولاً ثم تركز قوتها وفي نهاية الأمر تتحد من خلال جهد قومي وهو ما تعبر عنه وتطلقه الدراما. ومن ثم فإن مسرحيات يتسي شعبية ولكن ليس بمفهوم الطبقة الوسطى ولكنها شعبية من خلال تقديمها للحضارة الأيرلندية جنباً لجنب مع ماض قومي ملحمي. وهكذا يمكن أن تخدم المسرحيات بما تحققه من صحوة روحية يمكن أن تخدم غايات سياسية.
وعلى النقيض نجد أن مسرح سينج ليس سياسياً ولكنه يهتم باستكشاف مثير ومحايد لعالم طبقة الفلاحين في الغرب وكذلك الغور في عالم الخيال وما يتسم به من حماس وروعة.
وفيما يتصل بفرايل فإن مسرحه يدور حول نقطة تحول أو مسرح نقطة اللاعودة. ويريد فرايل من خلال مسرحياته أن "يؤكد على الفيض الروحي وكذلك المادي الخاص بهذا البلد في الوقت الحالي" . وبالنسبة له، يجب أن يتم هذا على المستوى المحلي ويأمل أن يعني شيئاً للدول الأخرى. ومن ثم فإن يسعى لمسرح له دلالة حضارية ثقافية ونتاج روحي.
ومع بداية الجزء الثاني، هناك تناول مستفيض لأسلوب الكتاب في التعامل مع أسطورة ديردري.
ويتناول الفصل الثالث "مسرحية ديردري" لـ و.ب.. يتس بالتحليل تَكييف يتس لأسطورة ديردري
ويعد يتس (1865-1939) من هؤلاء الذين اهتموا بتقديم أسطورة الحب هذه. والدافع وراء اللجوء للأسطورة لم يكن لستر المادة المقدمة أو لتغطية العلاقات في إطار نابض بالحياة. ولكن يتس كان يقصد بالغور في الماضي السحيق من خلال الأسطورة أن يُُعمل الأسطورة كدليل يوجه للحقيقة سواء أكانت شخصية أم تاريخية أم عامة. ويدل إعماله للأسطورة على الحاجة لفرض النظام والوحدة على عالم يتسم بفوضى هائلة جلية.
ومن خلال تقديم ديردري فإن يتس يرسم شخصية إنسانية معقدة وليس فقط شخصية أسطورية، كما يظهر طبيعتها البطولية في الصراع مع عواطفها الإنسانية. وتقرر ديردري تعرية كونكوبار أمام الجميع ولكنها تتراجع بسبب حبها لنايزي وخوفها عليه وعلى سلامته حتى أنها تستعطف الملك من أجله بل وتفكر في بذل نفسها للملك حتى يمكنها إنقاذ حبيبها. ولكن في النهاية تنتصر قيمها الأصيلة وترفض أن تحقر من شأن حبها المثالي مما يضفي الكثير من القيمة على حبها. ومن ثم فهي تختار بكامل حريتها مصيرها بل وتراوغ كونكوبار مستعينة باللباقة والشرف وهما ما يفتقر لهما الملك. وعن طريق اختيار قدرها ومصيرها وسيطرتها على الموقف فإن هذا يكمل شخصيتها ويرتقي بها ليصل بها لمصاف الشخصية الأسطورية وما لها من قيمة. ولذا فإن موتها وتوحدها مع نايزي يتوجان فرحة يتس التراجيدية.
ويدفع اهتمام يتس بإبراز الجانب البطولي لديردري يدفعه لتهميش شخصيتي نايزي وكونكوبار عن عمد. فهو لا يسمح لهما بالتقليل من وجود ديردري الشخصي المؤثر والفريد.
ولقد سعى يتس جاهداً لخلق شخصية تاريخية تلاحق الناس في حياتهم وذلك بسبب مستوى الاستجابة الذي تتطلبه.
والفصل الرابع " ديردري فتاة الأحزان" لـ ج.م. سينج فيمثل انطلاقة جديدة لسينج فهو لم يشارك معاصريه تبجيلهم للأسطورة الأيرلندية كما لم يشارك أملهم في استعادة أيرلندا من خلال إحياء أساطيرها.
ولقد كانت ديردري بمثابة تحدي لسينج كما يتضح من خلال الخطاب الذي أرسله لجون كوين:
أنني لا أتذكر أنني ذكرت لك أنني أحاول كتابة مسرحية "ديردري" في ثلاثة فصول وذلك لأغير جلدي. وأنني لأستطيع كتابة مسرحية مقبولة من هذه الأسطورة. ومثل هذه الشخصيات البطولية حينما نبدأ في التعامل معها تبدو بعيدة فنحن لا نعرف كيف كانوا يفكرون أو ما هي طبيعتهم أو أين كانوا يذهبون للنوم وهذا ما يعرضنا للسقوط في هوة والأساليب الطنانة الرنانة وعلى أي حال، فإنني أجدها تجربة ممتعة مليئة بصعاب جديدة واعتقد أن هذا التغيير في مساري هو للأفضل
وهذه الآراء مهمة لفهم اعتراض سينج على أسلوب تناول الكتاب المعاصرين للأساطير وهدفه هو من تناول الأسطورة فسينج كان يأمل أن يكسر أنماط تصوير الكتاب المعاصرين لمثل هذه الأساطير عن بعد ومن خلال قوالب جامدة بحيث يعرض سينج الشخصيات كرجال ونساء تحركهم نفس الاحتياجات، كأناس يشعرون بنفس المخاوف مثلنا ومن ثم رؤية هذه الشخصيات من الداخل وليس من الخارج في قالب بطولي أو صوفي، وكان يأمل أن يتجنب المغالاة في البلاغة وأراد تقديم الشخصيات بأسلوب يعرفنا بماهيتهم وأماكن نومهم أي النواحي الحياتية المختلفة.
وهذا هو أسلوب سينج في تصوير ديردري. فهو يصورها ليس كملكة ولكن كابنة متمردة للطبيعة ومن ثم فقد أخرجها من نطاق الرؤى الصوفية –على عكس يتسي- أخرجها سينج لعالم حقيقي نابض بالحياة.
وسينج مثل يتس يعرض نفس أسطورة الحب الرقيقة التي انتهت بمأساة ولكن أسلوب تناول كل منهما لنفس الأسطورة يختلف فسينج جعل منها أسطورة ذات نسيج فريد.
والفصل الخامس "مطبب النفوس" لبراين فرايل فيمثل إعادة تشكيل لأسطورة ديردري الأحزان فهي تدور حول فتاة أحسن تنشئتها ومقدر لها أن تحظى بمهنة نبيلة في شمال أيرلندا ولكنها تنجذب لرجل جذاب مستهتر وتنتقل معه لاسكتلندا مما يصيب كفيلها بخيبة أمل وهذه باختصار هي الحبكة المشتركة في مسرحية كل من فرايل (1929- ) وسينج.
وفي اسكتلندا يحيا الحبيبان (فرانك هاردي وجريس) في سعادة لسنوات عديدة. يساندهما مدير أعمالهما تيدي وهو يلعب في "مطبب النفوس" نفس الدور الذي لعبه شقيقاً نايزي –إينل وأردان- في مسرحية سينج. وفي نهاية المطاف، يشعران أن حياة التجوال غير المستقرة هي حياة بلا معنى وبها كثير من الضغوط ولذا فهما يقرران العودة إلى أيرلندا على الرغم من توجسهما من ذلك. وهذه المخاوف تترجم لواقع عند العودة لأيرلندا فهاردي يلقى حتفه على أيدي المزارعين حينما يخفق في إعمال "الهبة" التي يتمتع بها في مداواة أحد المزارعين أما جريس فتعيش عاماً من الأسى والبؤس بعد رحيله وذلك قبل انتحارها في النهاية.
وتعد جريس، ديردري الحديثة، شخصية ملحمية بطولية ليس بسبب المعاناة التي تجلبها ولكن بسبب الألم الذي يجب أن تتحمله. وبالمثل فإن تيدي لا يتاح له الخيار البطولي اليسير المتصل بالموت الفوري عقب وفاة الرجل والمرأة الذين عشقهما ولكنه بأسلوب واقعي يترك ليحيا حياة يائسة وليس حياة ذات صبغة ملحمية.
وفرايل لا يضفي صبغة بطولية على شخصياته بل إنه ينكر على ديردري الحديثة السحر الزائف لموت بأسلوب رومانسي كما حدث لديردري في الأسطورة الحقيقية وبدلاً من ذلك يجعلها تموت بمفردها في حجرتها بعد أن أصبحت حطاماً بشرياً. ففرايل يعرض هذه الأسطورة في قالب حديث.
وبالنسبة له فإن الأساطير البدائية ليست بطرح تفرضه الحضارة ولكنها ملكاً لكل إنسان على حدة حينما يعتقد أنه نسيج بمفرده فحين أنه لا يعدو كونه نسخة من الأصل.
وهذا صحيح بالنسبة لهاردي الذي يؤمن بقدرته على مداواة الأخرين في حين يعجز عن "مداواة نفسه إلا من خلال عودته لوطنه الأم بحيث يموت في نفس المكان الذي شهد تفجر هذه الهبة في المقام الأول" .
الخاتمة
هي محاولة لإيجاز النتائج التي توصل لها الباحث في الفصول السابقة عن طريق إبراز تناول الكتاب الثلاثة لنفس الأسطورة ومن خلال التأكيد على تميزهم من الناحية الدرامية نظرياً وعملياً.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة