دراسـة وترجمـة (1000ـ 1030هـ / 1591ـ 1621م) "كتاب "فذلكهء كاتب جلبي"
عين شمس أحمـد علي أحمـد الآداب اللغات الشرقية وآدابها الماجستير 2006
" لقد تناولت الدراسة السيرة الذاتية لكاتب جلبي ومكانته التاريخية بين مؤرخي عصره ومكانة تاريخه الذي امتدت به الأحداث ما بين عام 1000 ـ 1065هـ / 1591 ـ 1654م بين التواريخ العثمانية والمصادر التي اعتمد عليها في انتقاء أثره والمنهج الذي اتبعه في كتابة هذه الأحداث والأسلوب الذي اتبعه في عرض وقائعه عرضاً مبسطاً.
وقد ثبت من خلال الدراسة أنه نشأ نشأة دينية ساعدته على أن يكون كاتباً ذا مكانة رفيعة نظراً لتنوع مصادر تحصيله سواء من ناحية المعلمين الذين تتلمذ على أيديهم وأخذ عنهم العلم والفكر، أو من خلال الكتب التي حرص على اقتنائها في مختلف فروع المعرفة آنذاك.
كما امتاز بالحيدة والموضوعية في الحكم على الأشياء والمسائل التي كان سائدة في عصره كإيقاد الشموع عند المقابر والتوسل بالأولياء، فقد انتقد ذلك أنه لا جدوى من ذلك، وأكد على أن الدولة العثمانية تعيش مرحلة الشيخوخة نظراً للأزمة المالية الناتجة عن خلل النظام الضريبي وتجنيد الفلاحين، كما وصف من لا يبلغ الحقيقة للسلطان بالمداهن، كما انتقد تدخل حريم القصر في شئون الحكم وبيعهم المناصب مقابل الرشوة مما شجع على دخول عناصر غير مؤهلة لشغل المناصب بالدولة دون دراسة أو خبرة.
وكذلك ثبت أهمية عمله ككاتب حيث تيسر له الإطلاع على الوثائق والمصادر الأصلية للمادة التاريخية التي استقى منها أثره، ولقد كان كاتب جلبي شخصية له فكره الثاقب ورؤيته الخاصة به كمؤرخ، فكانت رؤيته للتاريخ للعبرة وذلك لتجنب الأعمال التي من شأنها إلحاق الضرر في المستقبل، ولذلك كتب أعمالاً تاريخية من شأنها تقديم النصح والإرشاد ، فكان يقدم نصحه من خلال أعماله التاريخية مثل كتاب تحفة الكبار على سبيل المثال الذي كتبه لتذكير الأتراك بماضيهم المجيد والانتصارات التي حققها الأسطول العثماني كي يحث الأتراك على الجهاد.
والواضح من أعماله التاريخية أنه كان ينتقد الوضع القائم لما آل إليه حال الدولة في مختلف نظمها وذلك حرصاً منه على تقديم النصح لأهله والأخذ بالعبرة من التاريخ كي يمكن تفادي المرحلة الصعبة التي كانت تمر بها الدولة آنذاك.
وإلى جانب شغفه بجمع كتب التاريخ وما يتصل به كان لمشاركته في الحملات العسكرية أثره الواضح على مشاهدة وقائع الأحداث التي تواجد فيها أثناء التحاقه بالحملات العسكرية ووصفها وصفاً دقيقاً بحياد وموضوعية لما كان يشاهده أثناء سير الحملات.
كما تبين أنه تأثر بمؤرخي عصره مثل حسن بك زاده وبجوي نظراً للأهمية البالغة لأثر هذين المؤرخين وثقته في المعلومات الواردة لديهما وهذا نابع من علمه وفكره وحبه لمطالعة كتب التاريخ. ويتضح أيضاً أنه شخصية محبة للعلم أكثر من حبه للحياة العسكرية كبجوي مثلاً فقد فضل تحصيله العلم على الالتحاق بالحملات حتى أنه واصل تحصيله العلم بعد أن رجع من التحاقه بالحملات، كما صرف ميراثاً آل إليه من أحد أقاربه.
ويعتبر كتاب ""فذلكهء كاتب جلبي"" مصدراً أساسياً من مصادر التاريخ العثماني فقد نقل مؤرخون لاحقون عنه مثل مصطفى نعيما، كما نقل هو عن سابقيه من المؤرخين.
كما اتضحت أهمية هذا الكتاب نظراًَ لتعدد المصادر التاريخية التي استقى منها كاتب معلوماته، إلى جانب الفترة التي شاهد أحداثها من عام 1033هـ / 1624م وحتى عام 1044هـ / 1634م . ففي الفترة السابقة استقى معلوماته من مصادر تاريخية سابقة ومعاصرة له والتي كان ينتقي منها الأقوال وينسبها لقائلها. ويأتي على رأس هذه المصادر حسن بك زاده ، وبجوي إبراهيم أفندي وأدرنلي محمد بك، و كاتبي عبد القادر ، وصافي مصطفى، وتوغي حسين، وجراح زاده محمد، وبيري باشا زاده حسين ، وهذا ما يجعل كتابه يكتسب أهمية ومكانة عالية بين كتب التواريخ العثمانية
وقد ثبت أنه نجح نجاحاً كبيراً في اختيار تلك المصادر التي اعتمد عليها في تدوين أثره سواء فيما يخص الأحداث التاريخية أو التراجم الخاصة بالأشخاص. وهذا راجع إلى سعة اطلاعه وثقافته التاريخية وشغفه بكتب الطبقات والسير مما جعل معلوماته دقيقة وشاملة.
ولقد كانت هناك سمات عامة وواضحة للمنهج الذي اتبعه مؤرخنا ""كاتب جلبي"" في كتابة وقائعه وأهمها الاهتمام بتراجم رجال الدولة والعلماء فلقد حرص على ذكر رجال الدولة والمشايخ الكرام والذين لهم دور مؤثر في الأحداث. ومع ذلك لم يُخلّ هذا بالمنهج الحولي الذي اتبعه في تدوين أثره.
كما امتاز أثر ""كاتب جلبي"" بالدقة في الأحداث ونسبة الراويات لأهلها حرصاً منه إلى تحري الصدق في سرد أحداثه فكان يرجع كل شيء إلى مأخذه مما يجعل أحداث أثره موسومة بالصدق والدقة.
ولقد حرص مؤرخنا في أسلوبه على وضوح المعنى والبعد عن الغموض فقد ابتعد عن الصنعة والتكلف الذي كان ميزة عصره إلا أنه كان يتأثر بأسلوب من ينقل عنهم فقط في بعض الأحيان إلا أن ذلك لم يبعده عن اتباع الوضوح والبعد عن الغموض.
وكذلك امتاز أسلوب ""كاتب جلبي"" باستخدام المفردات والتراكيب العربية والفارسية بكثرة فقد كان يستخدم المترادفات الفارسية والعربية في أماكن عديدة من أثره إلى جانب التلميع بأبيات الشعر والمصاريع الفارسية في أماكن متفرقة من أثره، مع تضمينه الكلام بالآيات القرآنية لتدعيم آرائه التي يهدف إليها.
كما مال أيضاً إلى الاختصار وعدم الإطالة إلا فيما يحتاج إلى إيضاح أو زيادة في روايات لبيان أهمية الحدث. بالإضافة إلى وصفه للأعداء من الجانب الإيراني بالملحدين والقزلباش والأوباش، وكذلك الأعداء من غير المسلمين بالكفار والفجار ... إلخ.
وهكذا تتضح مكانة كتاب ""فذلكهء كاتب جلبي"" كواحد من المصادر التاريخية العثمانية الأصلية، والباحث يرجو أن يكون قد استطاع تقديم شيء جديد من خلال هذه الدراسة وتلك الترجمة كما يرجو أن تغتفر له زلاته.
وأيضاً ترجمة ودراسة مصادر التاريخ والحضارة العثمانية مجال خصب يمكنه استيعاب العديد من الباحثين والدارسين في أقسام الدراسات التركية وآدابها.
والدراسة لا تدعي الإلمام بالدراسات التاريخية بل إن هذه الموضوعات تعد من الموضوعات الحيوية التي يمكنها أن تحتوي الكثير من المجهودات العلمية كل يدلي فيها بدلوه."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة