مقومات تعزيز الأمن الفكري العربي

دراسة من إعداد مؤسسة الباحث للاستشارات البحثية بالقاهرة مجموعة من الأكاديميين في مجال العلوم الإنسانية إشراف / د. السعيد مبروك ابراهيم 2019 جميع حقوق الطبع محفوظة ©

  يموج عالم القرية الواحدة بالأفكار والمعتقدات، ويخوض الناس في غمار ما تمخضت عنه عقولهم، ما بين مهتد وضال، وينجرف البعض إلى الهاوية، حيث الانحراف الفكري الناتج عن ثقافة مغلوطة رسخت في الأذهان، ونتج عنها سلوك منحرف، ظن صاحبه أنه على الحق المُبين بينما هو يموج في ظلمات الجهل والتشدد.

   ولا يخفى على ذي عقل أننا اليوم نعيش في عالم تتدفق فيه المعلومات والمعارف والأفكار، بشكل لم يشهده تاريخ البشرية من قبل، عن طريق وسائل الاتصال الحديثة، وتقنيات المعلوماتية التي جعلت العالم رغم اتساع مساحته، يتقلص إلى ما يشبه القرية الصغيرة، وصارت الفكرة، والكلمة، والمقولة، و المقالة، والصورة تصل إلى من يراد له النفع أو الضر، أو يرجى له الخير أو الشر في أقل من أن يقوم المرء من مقامه، وبات التهديد يطال الشعوب كلها؛ أفراداً وجماعات، ويقتحم حتى الهيئات السيادية في بعض البلدان؛ كالمؤسسات التعليمية والتربوية، تارة بالتوجيه، وأخرى بالتسيير تحت مخدر التعاون العلمي، والتبادل الثقافي، والتقارب السياسي، وما إلى ذلك من شعارات القوم الموهمة والمضللة التي أفرزها نظام العولمة المفروض قهراً من القوى العالمية الكبري على المستضعفين من الأمم والشعوب، الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.

        إن الأمن الفكري كما يدل عليه لفظه ويرمي إليه معناه هو تحصين للأفكار، وتأمين لها من الهجمات الدخيلة، والحملات المسعورة، التي تسمم العقول وتفسد السلوك، وتسيء إلى الدين، وتقضي على الأصالة وتشكك في الولاء وصدق الانتماء.

   وترجع حالة الانقسام والانشطار في العالم العربي والإسلامي اليوم إلى تشتت المرجعية الثقافية، وانعدام الوحدة بين التيارات الفكرية العربية أدي إلي حالة انقسام في العقل العربي، فأصبحنا لا نملك عقلاً عربياً واحداً بل عقولاً تختلف باختلاف الأنساق الفكرية والمرجعيات الفكرية التي يحتكم إليها هذا العقل، فالسلفي يفكر داخل الحقل للمعرفي الأيدلوجي العربي الإسلامي القديم، والليبرالي العربي، وكذا الماركسي العربي يفكر داخل الحقل المعرفي الأيديولوجي الأوربي، وهذا الانقسام الحادث في عقل الأمة هو الذي يحرم الأمة من الاجتماع علي مرجعية واحدة للنهضة الحضارية، وأخطر ما في هذا الانقسام أنه ليس مجرد تعددية مشروعة في الفروع، بل اختلاف في الأنساق الفكرية والموجهات والمرجعيات.

   وفي ظل حاجة الأمة اليوم إلى ما يؤمن فكرها، ويحرس قيمها، ويعلى دينها، أكبر من أي حاجة ترى فيها تثبيتاً لوجودها، وإعزازاً لموقعها، وتحسيناً لأداء مهامها، والقيام بواجباتها، وعليها أن تدرك كما أدرك غيرها أن من أنواع الأمن الذي صار موضع اهتمام وعناية عند كل من يريد الرفعة بين الأمم، الأمن الفكري الذي يرمز من حيث الدلالة اللغوية إلى السلامة والاطمئنان وانتفاء الخوف على دين الناس وعقولهم.

   ومن هنا يأتي هذا الكتاب، كمحاولة لوضع رؤية متواضعة لتعزيز الأمن الفكري العربي، ويتضمن الكتاب خمسة فصول، تناول الفصل الأول: مفهوم وآليات تحقيق الأمن الفكري، وتناول الفصل الثاني: مجموعة من المصطلحات ذات الصلة بالأمن الفكري، كالوسطية والاعتدال والاستقامة، وتناول الفصل الثالث: الانحراف الفكري، مفهومه وأسبابه، وتناول الفصل الرابع: أمن المعلومات في البيئة الرقمية، وتناول الفصل الخامس ثقافة الشباب في ظل العولمة والانفتاح العالمي، وتناول الفصل السادس والأخير تجديد الخطاب الديني، مفهومه وآلياته ودواعيه.


انشء في: أحد 8 سبتمبر 2019 11:28
Category:
مشاركة عبر