واقعات الأعيان في دراسات الأصوليين وأثرها في اختلاف الفقهاء دراسة حديثية أصولية فقهية

علي أحمد أحمد مقبل ,القـاهـرة دار العلـوم, الشريعـــة ,ماجستير 2008

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعـد:

فقد ندبنا الله عز وجل في كتابه العزيز إلى التفقه في الدين فقال سبحانه وتعالى: ?وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ?( ) فجعل سبحانه التفقه في الدين كالنفير إلى الجهاد في سبيله ما يدل على عظيم شرف الفقه في الدين وعلو قدره.

وأمر سبحانه وتعالى المؤمنين إذا نزل بهم الأمر العظيم المشكل برده إلى العلماء العالمين بالأحكام الشرعية المستنبطين لها فقال تعالى: ?وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً?( ).

وحث على ذلك رسوله الكريم بقوله: (من يُرِدْ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ)( )، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.

فعلم أصول الفقه علم جليل قدره، وعظيم أثره، لا غنى عنه للفقهيه والمحدث والمفسر وكلِ من اتجه إلى دراسة العلوم الشرعية، حيث لا عنى للكل عن معرفة الأحكام الشرعية وكيفية استفادة الحكم من الدليل.

وقد علم الباحثون أن مسالكه وعرة صعبة، ومسائله شائكة متشعبة، فلذا أصبح اليوم بحاجة إلى أن تفرد مسائله الكبار بالدراسة والبحث مع الاتجاه لتوضيح ثمرة تلك المسائل، وأثرها في الأحكام الشرعية.

وفعلاً فقد أنتجت تلك الدراسات ثمارها وآتت تلك الأبحاث أكلها، وقد نسجت على منوالها هذه الدراسة إذ وقع اختياري على إفراد وقائع الأعيان في دراسات الأصوليين وأثرها في اختلاف الفقهاء بالدراسة والبحث.

فوقائع الأعيان والأحوال التي لا عموم لها، هى قليلة فى نصوص الشارع، إذ الأصل فى نصوصه الشمول والعموم لسائر المكلفين، فرد الحديث الصحيح وإعلاله بدعوى كونه واقعة عين لا عموم له، وبالتالي قصر ظاهره على مورد الواقعة دون أن يكون هناك مستند قوي لرده بهذه الدعوى، هو أمر خطير, ينافي قول الحق سبحانه وتعالى: ? فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?، فردّ حديثه ? يعنى ردّ أمره سبحانه وتعالى، وأعظم به من ذنب!! فإذا كان الأمر كذلك، فلا يسوغ لكل أحد الخوض فى هذا الباب وغيره، إلا من استجمع شروط الاجتهاد المعروفة عند أهل العلم.

وقد حِرت كثيراً فى جمع المباحث الأصولية المتعلقة بواقعات الأعيان والأحوال والسبب عدم إفراد علماء الأصول هذه المسألة في كتبهم، إلا ما تناثر في ثنايا العموم والخصوص، فاستخرت الله تعالى في جمع هذه المباحث، ومن ثمّ جمع وتتبع الأحاديث التى وقع لبعض العلماء على اختلاف مذاهبهم ردُّها وترك العمل بها أو مخالفتها لأجل كونها واقعة عين لا عموم لها، ودراسة هذه الأحاديث تخريجاً وحكماً، مع بيان أثر الاعتماد على هذه الدعوى فى اختلاف الفقهاء والعلماء فى مسائل الخلاف وبيان مدى صحة القول برد الحديث لأجل هذه الدعوى. وبالله التوفيق.

? أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- أهمية الموضوع:

تكمن أهمية الموضوع في خطورته لأن كثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة يدعى فيها أنها من وقائع الأعيان، والقاعدة الأصولية فيها أنها لا عموم لها، وبالتالي يتذرع المدعي إلى ترك العمل بالحديث الشريف بهذه الدعوى ولو فتح هذا الباب بلا ضاط يضبطه لأفضى إلى ترك الكثير من النصوص الشرعية و إهمال العمل بها.

ومن جهة أخرى فقد تذرع كثير من المشتغلين بالعلم الذين لم ترسخ أقدامهم فيه إلى الطعن في الأئمة وأتباعهم واتهامهم بأنهم يردون الأحاديث بالرأي والهوى اعتماداً على مثل هذه الدعوى، والسبب في ذلك يعود إلى عدم فهم هذه القاعدة وضوابطها، وأقرب مثال بين أيدينا حديث سهلة امرأة أبي حذيفة في رضاع سالم مولى زوجها وهي المسألة المشهورة في كتب الفقه، فقد حصل فيها اختلاف واضطراب كبير بين الداعيين بالعمل بهذا الحديث وهم الظاهرية وبين من ترك العمل بهذا الحديث وهم الجمهور بدعوى أن الحديث واقعة عين لا عموم له ومن هنا تكمن أهمية الدراسة في وضع الضوابط الأصولية لوقائع الأعيان في الأحاديث النبوية الشريفة ومدى إفادتها العموم مع دراسة أثر ذلك على اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية.

- أسباب اختيار الموضوع

1. عدم وجود دراسة سابقة مفردة حسب اطلاعي لهذه القاعدة وأثرها على اختلاف الفقهاء.

2. أهمية هذه القاعدة وكثرة الأحاديث المتعلقة بها.

3. الإسهام في تجديد الدراسات الأصولية والسير بها نحو بحث أعمق وأكثر جدية وموضوعية.

4. الربط بين الدراسات الأصولية والفقهية.

? الدراسات السابقة:

لم أقف في بداية الأمر على دراسة تناولت موضوع وقائع الأعيان والأحوال حتى أخبرني فضيلة الاستاذ. الدكتور: أحمد يوسف، وفضيلة الأستاذ. الدكتور: حسين سمرة بوجود بحث ضمن مجلة دار العلوم بالفيوم لفضيلة الدكتور: محمود عبد الرحمن عبد المنعم. بعنوان: (وقائع الأعيان والأحول وأثرها في تعميم الأحكام واختصاصها (دراسة أصولية تطبيقية). ومن عنوان الموضوع فإن جلّ البحث يتركز على العموم والخصوص حيث قُسم البحث إلى خمسة فصول وخاتمة:

الفصل الأول : ماهية وقائع الأعيان والأحوال وأمارتها.

الفصل الثاني : مفهوم الحكم الشرعي والتعميم والاختصاص.

الفصل الثالث : وجوه التعميم والاختصاص في النصوص.

الفصل الرابع : أحكام التعميم والاختصاص.

الفصل الخامس : القواعد الأصولية والفقهية في وقائع الأعيان والأحوال.

وقد استفدت منه كثيراً حيث فتح لي أبواباً كثيرة في البحث، أما الإضافات الجديدة في بحثي هذا يمكن إجمالها في النقاط التالية:

أولاً:تحديد مفهومي وقائع الأعيان والأحوال وإظهار العلاقة بينهما مع إيراد النصوص الدالة على ذلك.

ثانياً: ذكر الأحكام المتعلقة بوقائع الأعيان والأحوال.

ثالثاً: وضع الضوابط التي تحكم وقائع الأعيان والأحوال.

رابعاً: إيراد القواعد الأصولية الخاصة بوقائع الأعيان والأحوال مع إرداف كل قاعدة ببعض التطبيقات الفقهية.

خامساً: إرداف الدراسة الأصولية بدراسة عملية ممثلة بالدراسة الفقهية وهي ثلثا البحث تقريباً.

? المنهج المتبع: هما المنهجان الوصفي والتحليلي، أي توصيف وبيان وجه رد الحديث كونه واقعة عين عند من رده بذلك، ومن ثم دراسة تحليلية ليظهر صوابه من خطئه.

? طريقة البحث: سلكت في بحثي هذا طريقاً يمكن إجمال معالمها فيما يأتي:

أولاً : جمع ما تناثر من دراسات الأصوليين لهذه القاعدة في شتى مصنفاتهم وعلى اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، لإبراز الملامح العامة لوقائع الأعيان والأحوال، ووضع الضوابط والأحكام والقواعد لهذه المسألة الأصولية.

ثانيا : دراسة هذه الآراء الأصولية المتعلقة بهذه القاعدة دراسة أصولية مقارنة وذلك:

1- دراسة بعض مباحث العموم والخصوص بما له علاقة بوقائع الأعيان والأحوال.

2- تحديد مفهومي وقائع الأعيان والأحوال وإبراز العلاقة بينهما، ووضع الضوابط العامة التي تحكمهما، مع بيان الأحكام المتعلقة بهما، وذكر القواعد الأصولية الخاصة بوقائع الأعيان والأحوال مع إرداف كل قاعدة ببعض التطبيقات الفقهية.

ثالثاً : دراسة حديثية فقهية تطبيقية من خلال تتبع الأحاديث التى وقع لبعض العلماء على اختلاف مذاهبهم ردُّها وترك العمل بها أو مخالفتها لأجل كونها واقعة عين لا عموم لها، متبعاً الخطوات التالية:

1. أعنون كل مسألة من مسائل البحث بعنوان جامع للمسألة.

2. أذكر في مطلع كل مسألة الحديث الذي قيل إنه واقعة عين وذلك في ثلاث فقرات:

الأولى : الحديث الذي قيل إنه واقعة عين، وتخريجه، والحكم عليه إن كان في غير الصحيحين.

الثانية : اللفظ الدال على أن الحديث واقعة عين معزواً إلى قائله.

الثالثة : دعوى واقعة عين في الحديث، وأثرها في اختلاف الفقهاء.

3. تحرير مذاهب العلماء.

4. ذكر أدلة كل مذهب مرتبة حسب ترتيب الأقوال، وأصدر الأدلة بآيات الكتاب العزيز إن وجدت، ثم الأحاديث والآثار، ثم التعليل، وأبين وجه الاستدلال عقب كل دليل حسب الحاجة إليه. ومن ثم المناقشات والردود الواردة على الأدلة.

5. عقب إيراد الأدلة ومناقشتها أذكر الترجيح وأبين فيه المذهب الراجح لديَّ مع بيان وجه هذا الترجيح بناءً على الدراسة السابقة للأدلة معتمداً على أقوال العلماء في المسألة.

رابعاً : ترجمة الأعلام الواردة في البحث لا سيما غير المشهورين.

خامساً : عزو الأقوال والمذاهب الفقهية إلى أصحابها في مصادرها الأصلية.

سادساً : تخريج الأحاديث والآثار الواردة في البحث من كتب السنة المعتمدة.

سابعاً : صنع الفهارس العلمية للبحث.


 


انشء في: اثنين 23 فبراير 2015 16:18
Category:
مشاركة عبر