جريمة العدوان ومدي المسئولية القانونية الدولية عنها

إبراهيم محمد العناني عين شمس الحقوق القانون الدولي العام دكتوراه

ملخص الدراسة:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين الذي قال في محكم تنزيله:

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)

تعنى هذه الرسالة بدراسة جريمة العدوان ومدى المسئولية القانونية الدولية عنها، ذلك أن العدوان باعتقادي هو من أكثر المصطلحات القانونية الدولية شيوعاً واستخداماً في وقتنا الراهن فلا يكاد يخلو يوم من اتهامات تتبادلها الدول المختلفة تزعم فيها تعرضها لأعمال عدوانية وتهدد بالرد والانتقام.

وفي حقيقة الأمر فإن هناك العديد من الأسباب التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع والبحث فيه طوال السنوات الماضية منها:

1 ـ غموض مصطلح العدوان وتداخله وتشابهه مع العديد من الأفعال الأخرى المباحة أو المجرّمة وفقاً لقواعد القانون الدولي، وإساءة العديد من الدول والأنظمة لهذا الغموض والتداخل لارتكاب المزيد من جرائم العدوان.

وهو ما يستوجب أن نحدد بدقة مفهوم هذه الجريمة ومضمونها وأن نحدد ما يدخل في نطاقها وما يخرج عنه كي نقيّم سلوك الدول ونبيّن مدى مشروعية تصرفاتها وفقاً لهذا التحديد.

2 ـ وأيضاً تنامي ظاهرة العنف وانتشار جرائم العدوان في المجتمع الدولي مع ملاحظة أن هذا العدوان قد اتسع نطاقه ليشمل كل مكان في هذا العالم، فلا تكاد تنجو منه قارة ولا إقليم أو بقعة جغرافية..

 فمن الأحداث الدامية في البلقان وأفغانستان وكشمير إلى استمرار جرائم العدوان في فلسطين والعراق واستمرار الاحتلال العدواني لأجزاء من أراضي سورية ولبنان.. وحتى وصول دائرة العنف إلى نيويورك في قلب الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.

3 ـ وكذلك التنبيه لخطورة بعض الملفات التي تتضاءل أهميتها أو يقل التركيز عليها في ظل تنامي جرائم العدوان وفظاعة ما ‘ترتكب خلاله من جرائم مروعة كقضايا التعويض عن أضرار العدوان وأيضاً إثارة المسئولية الشخصية عن ارتكابه.

4 ـ بالإضافة إلى ما شهده العقد الأخير من القرن العشرين من أحداث بالغة الأهمية تتصل بجريمة العدوان كتوقيع ميثاق إنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 1998 والتي دخلت حيز النفاذ منذ أسابيع قليلة ماضية في الأول من تموز ـ يوليو 2002 والتي أثارت جدل ونقاش ما زالا مستمرين حتى وقتنا الحالي بخصوص شمول اختصاصها الموضوعي لجريمة العدوان إذ كشفت وجهات النظر المختلفة حول هذه القضية عن العديد من الثغرات والإشكاليات الكبرى فيما يتعلق بالمواجهة الدولية لجريمة العدوان وهو ما تحاول هذه الرسالة أن تساهم ولو بجزء يسير في حله من خلال عرض وجهة نظر مختلفة أو تقديم اقتراح قد يحتمل الصواب أو يلقى القبول.

5 ـ ولما كان الإنسان هو ابن بيئته فإن الظروف التي يعاني منها وطني العربي الكبير وبلدي الحبيبة سورية كانت من الأسباب الرئيسية لاختيار هذا الموضوع.. إذ تعرض الوطن العربي منذ سنوات طويلة ولا يزال لجرائم عدوانية عديدة ومستمرة استهدفت الإنسان العربي في عقر داره وعرّضته لأبشع المجازر التي شهدتها الإنسانية وجعلته طريداً أو شريداً في أصقاع العالم بعد أن ‘سرق وطنه أو خضع جزء منه لاحتلال عدواني ما زال مستمراً منذ عشرات السنين.

وهو ما كان دافعي للبحث في جريمة العدوان. فإثر كل جريمة عدوانية تعرض لها بلد عربي كانت تتعالى الدعوات تستنكر ما يحصل وتستجدي المعتدي كي يوقف عدوانه وهو ما كان يستوقفني طويلاً.. فهل جزاء العدوان هو الدعوة لإيقافه واستجداء المعتدي للعدول عنه.. أم أن هناك نظاماً قانونياً دولياً ينبغي أن ‘يطبق في هذه الحالات؟

وهو ما أحاول التعرض له وتحليله في هذه الرسالة.

أن المشكلة التي تعالجها هذه الرسالة إنما تنحصر في الإجابة على تساؤلات محددة كانت تفرض نفسها عليّ كلما ‘أثيرت قضية العدوان، وتتلخص هذه التساؤلات في النقاط التالية:

1 ـ لماذا العدوان؟

أي لماذا يوجد العدوان في العلاقات الدولية.. ما هي أسبابه ودوافعه وكيف يمكن التعامل معها؟ وهل توجد غرائز عدوانية كامنة في نفس الإنسان البشرية تدفعه لارتكاب هذه الجريمة؟ أم أن هناك بالفعل شعوب عدوانية وصفات قومية عدوانية جماعية تتسم بها بعض الأمم.. وأديان تعتمد على العنف والعدوان من اجل إعلاء رايتها؟

وهل يمكن التوصل بالفعل لتحديد سبب دقيق لانتشار الحروب والعدوان بين الدول وهل بالإمكان معالجة هذا السبب لينعم المجتمع الدولي بالأمن والسلام؟

وللإجابة على هذه التساؤلات فقد تعرضت في الباب التمهيدي من هذه الرسالة لتأصيل ظاهرة العدوان في العلاقات الدولية حيث درست‘ مختلف النظريات التي عنيت بتأصيل هذه الظاهرة وتحليل أسباب ارتكابها كالنظريات السيكولوجية (التي ترد ظاهرة العدوان إلى وجود غريزة الموت والدوافع العدوانية أو بسبب الإحباط أو نتيجة للمؤثرات الشخصية الفردية والقومية) والنظريات السياسية التي ترد سبب العدوان إلى (طبيعة النظام السياسي الداخلي ومدى تماسكه أو طبيعة النظام السياسي الدولي أو دور المؤثرات الإيديولوجية أو بفعل صدام الحضارات) والنظريات الاقتصادية والاستراتيجية التي ترد العدوان إلى (التنافس الاقتصادي أو بسبب التقدم التكنولوجي وعوامل سباق التسلح أو بتأثير عوامل الجغرافية السياسية) وأخيراً النظريات السوسيولوجية في تفسير العدوان والتي ترده إلى أفكار داروين الاجتماعية أو بسبب المؤثرات الديموغرافية.

2 ـ ثم حرصت في هذه الرسالة على الإجابة على تساؤل ما هو العدوان؟ هل هو مصطلح سياسي تتنازع الأهواء والانتماءات في تأويله وتفسيره.. أم أنه جريمة قانونية واضحة مكتملة الأركان والعناصر ومستقرة من حيث الصياغة والتأطير القانوني؟

وللإجابة على هذه التساؤلات فقد ‘عنيت في القسم الأول من هذه الرسالة بدراسة الإطار القانوني لجريمة العدوان حيث خصصت الباب الأول من هذا القسم لدراسة الأساس القانوني لهذه الجريمة فتعرضت لتطور جهود تحريم العدوان في العلاقات الدولية وأبرزت موقف الشرائع الدينية من العدوان وجهود تحريم العدوان. وكذلك تعريف العدوان سواء الخلاف حول أهمية وكيفية تعريفه أو الجهود التي بذلت للتوصل إلى قرار الجمعية العام رقم 3314 لعام 1974 الخاص بتعريف العدوان.

 ثم ميزت بين جريمة العدوان والحالات المشروعة لاستخدام القوة في العلاقات الدولية فتعرضت لدراسة الدفاع الشرعي واستخدام القوة من جانب الشعوب المحرومة من حقها في تقرير المصير والجدل المثار حول استخدام القوة المسلحة لأغراض التدخل الإنساني.

 ثم تعرضت في الباب الثاني من هذا القسم لتحليل أركان جريمة العدوان فدرست في إطار الركن المادي الأفعال التي تشكل جريمة العدوان والنتيجة في هذه الجريمة وكذلك مدى لزوم تحقق الشرط الشكلي المتمثل بإعلان الحرب وأيضاً استبعاد العدوان الاقتصادي من نطاق التجريم بمقتضى قرار تعريف العدوان.

      وفي إطار الركن المعنوي تعرضت لدراسة صور هذا الركن فأبرزت القصد العمدي في جريمة العدوان ومدى إمكانية ارتكاب جريمة العدوان بصورة غير عمدية وكذلك تعرضت لدراسة أثر وجود الإكراه في قيام مسئولية الدولة عن جريمة العدوان وتعرضت أيضاً لأثر وجود علاقة تبعية بين الدول التي اشتركت بارتكاب هذه الجريمة سواء في حالات التبعية التقليدية أو في حالة التبعية بحكم الواقع، وكذلك فقد أكدت على عدم قبول أية ذرائع أو حجج تبرر ارتكاب جريمة العدوان فتعرضت لدراسة أهم المبررات التي تتمسك بها الدول عند ارتكاب هذه الجريمة وهي تشمل ارتكاب العدوان تحت مبرر مكافحة الإرهاب الدولي أو وجود حالة ضرورة أو استناداً إلى فكرة الحق التاريخي أو الديني حيث عرضت جرائم العدوان التي ارتكبت تحت هذه المبررات وأكدت عدم مشروعيتها.

 ثم تعرضت في إطار الركن الدولي لجريمة العدوان إلى دراسة صفة الدولة كشرط لازم لوجود جريمة العدوان وأثر شكل الدولة على اكتمال أركان هذه الجريمة وكذلك أثر عدم الاعتراف بالدول أو عدم انضمامها إلى الأمم المتحدة في وجود هذه الجريمة.

3 ـ كما حرصت في هذه الرسالة على الإجابة على تساؤل ما هو الأثر المترتب على ارتكاب العدوان؟

فهل ينتهي العدوان بدعوة المعتدي لإيقاف عدوانه وإنهاء أثاره.. أم أن هناك نظام قانوني محكم الصياغة ينظم ردعه وقمعه وتسوية ما ينجم عنه من أثار ومشاكل؟

ومن هو المسئول عن ارتكاب جريمة العدوان والذي ينبغي أن يكون محلاً لتلقي العقاب والجزاء ضمن ضوابط قانونية واضحة وعادلة.. وما طبيعة مسئوليته عن ارتكابه لجريمة العدوان؟

وللإجابة على هذه التساؤلات فقد خصصت القسم الثاني من هذه الرسالة لدراسة المسئولية القانونية الدولية عن جريمة العدوان فميزت في هذا الصدد بين مسئولية الدولة من جهة والمسئولية الشخصية عن جريمة العدوان من جهة أخرى.

 ففي الباب الأول من هذا القسم والذي خصصته لدراسة مسئولية الدولة فقد تعرضت أولاً لدراسة مسئولية الدولة الجزائية عن جريمة العدوان فحددت بداية مفهوم الجزاء الدولي ثم عرضت الخلاف حول إمكانية نسبة المسئولية الجزائية للدولة المعتدية والآراء المؤيدة والمعارضة لهذه المسئولية ثم أبرزت مضمون الجزاءات الدولية التي يتم فرضها على الدولة المعتدية سواء كانت جزاءات سياسية أو اقتصادية أو جزاءات عسكرية.

ثم عنيت بدراسة المسئولية المدنية للدولة عن جريمة العدوان فحددت مفهوم الضرر المترتب على فعل العدوان والدولة المتضررة من هذه الجريمة وأبرزت مضمون الأضرار المتحققة سواء كانت أضرار مادية أو معنوية وكذلك صور التعويض عن هذه الأضرار وسواء كان التعويض عيني أو مالي أو مجرد ترضية وبعد ذلك أثرت قضية مدى تأثير السلوك غير المشروع للدولة المعتدى عليها على حقها في طلب التعويض ومدى التزامها بتبني مطالبات مواطنيها للتعويض عما أصابهم من أضرار، وكذلك فقد حددت القواعد المنظمة لكيفية تقدير تعويضات العدوان وتنظيم المطالبة بها.

ثم تعرضت في الباب الثاني من هذا القسم لدراسة المسئولية الشخصية عن جريمة العدوان حيث عرضت لتطور هذه المسئولية والخلاف حول إسنادها للشخص الطبيعي فأبرزت السوابق الدولية التي أثيرت فيها المسئولية الشخصية عن جريمة العدوان. ثم تعرضت لتعيين المبادئ القانونية العامة التي تنظم المسئولية الشخصية في القانون الدولي وكذلك تحديد الجهة القضائية المختصة بالمحاكمة عن ارتكاب جريمة العدوان.

وتعرضت أخيراً للمسئولية الشخصية عن جريمة العدوان وفقاً لميثاق روما لعام 1998 الخاص بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي باشرت عملها فعلياً في الأول من تموز/ يوليو 2002 حيث تعرضت أولاً لمدى اختصاص هذه المحكمة بنظر جريمة العدوان فأبرزت الخلاف حول إدراج العدوان ضمن اختصاص المحكمة وكيفية تجاوز العقبة المتعلقة بتحديد مفهوم العدوان، وعرضت كذلك للقواعد المنظمة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان فتعرضت لدراسة مبدأ الاختصاص التكميلي الذي تقوم عليه المحكمة والنطاق الزمني لممارسة المحكمة اختصاصها والشروط المسبقة لممارسة الاختصاص وكذلك الخلاف حول دور مجلس الأمن الدولي في هذا الصدد كتحديد اختصاصه بتحديد وقوع العدوان وسلطته في الإحالة على المحكمة أو إرجاء التحقيق أو المقاضاة أمامها.

وفي ختام هذه الرسالة فقد عرضت للنتائج التي توصلت لها والمقترحات التي خلصت إليها:

أما فيما يتعلق بالنتائج فقد كان أبرزها:

أولاً ـ أن الدافع الحقيقي لارتكاب جريمة العدوان هو سعي الدول لتحقيق ما تعتقد أنه مصلحة لها مع إدراكها لوجود ثغرات ـ أو تناقضات وظروف دولية ـ قد تمكّنها من الإفلات بجريمتها وتحقيق ما تصبو إليه من نتائج. وبالتالي فانه ليس صحيحاً نسبة أعمال العنف والعدوان إلى دول معينة أو شعوب محددة أو أتباع ديانة بذاتها... فالعدوان وسائر صور العنف الأخرى لا يرتبط بعقيدة أو بجماعة معينة بقدر ارتباطه بالسعي لتحقيق المصالح السياسية المختلفة.

ثانياً ـ من الثابت تماماً أن تحريم العدوان بات الآن قاعدة دولية قطعية آمرة لا يجوز انتهاكها تحت أي حجة أو ذريعة وبالتالي فإنه ليس مقبولاً تقديم أي مبرر لارتكاب جريمة العدوان بما في ذلك المبررات الإنسانية أو الدينية أو التاريخية أو التذرع بوجود حالة ضرورة أو بغرض مكافحة الإرهاب الدولي، وهو ما يشهده الواقع الدولي في هذه الفترة نظراً لأن قضية الإرهاب الدولي عادت لتفرض نفسها بقوة في الوقت الحالي وإثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 مما يستوجب التأكيد مجدداً أنه لا يجوز لأي دولة التذرع بمكافحة الإرهاب الدولي لانتهاك سيادة غيرها من الدول وارتكاب جريمة العدوان في مواجهتها.

ثالثاً ـ في الوقت الذي عني فيه التنظيم الدولي المعاصر بحظر العدوان فإنه اهتم أيضاً بالتمييز بين جريمة العدوان من جهة والحالات المشروعة لاستخدام القوة في العلاقات الدولية من جهة أخرى وبالتالي فإنه لا يعد عدواناً استخدام القوة المسلحة في مثل هذه الحالات.

وأشير هنا على وجه الخصوص إلى استخدام القوة المسلحة من جانب الشعوب المحرومة من حقها في تقرير مصيرها والتي لا تزال خاضعة لحكم استعماري عدواني حتى الآن كما هو الحال بالنسبة للشعب العربي في فلسطين ولبنان وسوريا حيث لا يزال حتى الآن كامل إقليم هذه الدول أو جزء منه خاضع لاحتلال عدواني إسرائيلي مازال مستمراً منذ سنوات طويلة مما يعطي هذه الشعوب حق المقاومة بجميع صورها ومظاهرها ووسائلها وهو الحق الذي كفلته لها وأكدته العديد من القرارات الدولية التي تم الإشارة إليها في متن هذه الرسالة.

وبالتالي فإن حق المقاومة المشروع والمكفول لهذه الشعوب لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال إرهاباً أو عدواناً أو أي توصيف آخر تُستهدف به وفق ما نتابعه في الآونة الأخيرة.. مع الإشارة هنا إلى أن لوائح الإرهاب التي اعتادت إصدارها الإدارات الأمريكية والأوروبية أخيراً لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تلغي حق ثابت ومكفول وفقاً لما هو مستقر من قواعد القانون الدولي.

وأما بالنسبة للمقترحات التي ‘أوصي بها فهي تتلخص في:

 أولاً ـ منح محكمة العدل الدولية اختصاص ملزم لتقدير التعويضات عن الأضرار الناشئة عن جريمة العدوان:

ذلك أنه من غير المنطقي أن يتم تجاهل قضية التعويض عن أضرار العدوان وتركها دون تسوية ليتحمل المعتدى عليه في نهاية الأمر نفقات العدوان الذي تعرض له وذلك نظراً لعدم وجود آلية واضحة في النظام الدولي القائم‘تُعنى بحسم هذه المسألة.

ومما يبرر هذا الاقتراح خطورة فعل العدوان وفداحة ما ينجم عنه من خسائر وأضرار تصيب في العادة العديد من الدول وبالتالي فإن أهمية حسم مسألة التعويضات لا تقتصر فقط على العلاقات بين الدولتين ـ المعتدية والمعتدى عليها ـ وإنما تمس في الغالب مصالح العديد من الدول، ولكي لا ‘تترك تسوية هذه المسائل رهناً بإرادة ومشيئة الدول الكبرى التي تفتح ملف التعويضات عندما تريد ـ كما حدث في حالة العراق ـ وتتجاهله عندما تريد ـ كما حدث في حالات العدوان الإسرائيلي ـ.

 وأقترح أن يتم إدخال هذا التعديل على ميثاق الأمم المتحدة ذاته وليس فقط على النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.

ثانياً ـ إنشاء هيئة عامة لتقدير التعويضات عن أضرار العدوان في الدول العربية المتضررة:

فنظراً لما لمسته من وجود نقص خطير في التوثيق القانوني الدولي لجرائم العدوان التي نتعرض لها فأنني أقترح أن تبادر الدول العربية المعنية كل على حدة بإنشاء هيئة عامة لتقدير التعويضات عن أضرار العدوان الإسرائيلي ـ خاصةً ـ وبحيث تكون هذه الهيئة ملحقة برئاسة مجلس الوزراء وينحصر دورها في إجراء توثيق قانوني كامل للأضرار المترتبة على جرائم العدوان الإسرائيلي التي تعرضت لها العديد من الدول العربية سواء بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

ويتعين على هذه اللجنة أن تستفيد من تجارب وأعمال لجان التعويض السابقة وبحيث تبدأ من الآن بجمع الأدلة والوثائق والمستندات الدالة على حجم الأضرار ومداها ليكون لدينا ملف جاهز ومتكامل فبل أن تتناثر وتضيع الأدلة والوثائق.

وهنا ينبغي التأكيد أننا سنستفيد من إنشاء هذه الهيئة عندما تحين ساعة فتح ملف التعويضات وهي خطوة قادمة بلا شك وستكون ضمن ترتيبات معاهدات السلام النهائية أو ضمن المساومات والأوراق التفاوضية التي ستطرح خلالها، وأعتقد أنه من غير المنطقي أن نهمل تنظيم واستخدام هذه الورقة التفاوضية الهامة خاصة أن الطرف الأخر المعتدي سيستخدمها في مواجهتنا ولا داع للتذكير أن إسرائيل قد اعتادت في فترات متقاربة الحديث عن ما تزعم أنه أملاك اليهود في الدول العربية والمطالبة بتعويضها عن المستعمرات والمستوطنات التي أقامتها في الأراضي العربية المحتلة ـ الفلسطينية والسورية ـ والتي قد تنسحب منها بموجب معاهدة السلام.

ولذلك يتعين علينا أن نكون مستعدين وأن نبادر بفتح ملف التعويض عن أضرار العدوان الذي تعرضنا وما زلنا نتعرض له، ولكن ينبغي أن يتم هذا أسس قانونية علمية توثيقية تستفيد من السوابق القانونية الدولية.

 ثالثاً ـ تفعيل المسئولية الشخصية عن جريمة العدوان كبديل لنظام الجزاءات الجماعية طويلة المدى:

 ذلك أنه من الثابت عملاً أن الجزاءات التي يتم فرضها على الدولة المعتدية وفقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وعلى الأخص الجزاءات الاقتصادية منها إنما ترتب عادة آثار سلبية تنعكس على المواطنين العاديين في الدولة المعتدية وتؤدي إلى الإضرار بهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر فضلاً عن مجافاتها لمبدأ شخصية العقوبات لذلك أود التأكيد هنا على ضرورة تفعيل نظام المسئولية الشخصية عن جريمة العدوان كبديل طبيعي وعادل لنظام الجزاءات الجماعية طويلة المدى.

حيث أن تفعيل قواعد المسئولية الشخصية سوف يقلل من حالات اللجوء لفرض الجزاءات الجماعية الدولية ذات الآثار والنتائج السيئة والقاسية والأليمة على الشعب وأيا كانت الصيغ التجميلية التي تقدم بها وحتى لو أطلق عليها تسمية العقوبات الذكية طالما أنها تتسم بالنهاية بالغباء عندما تستهدف وتؤثر سلباً على الطبقات الأضعف في الدولة المستهدفة وهو ما كشفه التطبيق الدولي في مناسبات عديدة.

بالإضافة إلى المقترحات التي تقدمت بها والخاصة بتعريف العدوان ضمن أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وكذلك كيفية مباشرة المحكمة لاختصاصها بنظر جريمة العدوان ودور مجلس الأمن الدولي. ووضع ضوابط قانونية لممارسة مجلس الأمن سلطته في تجديد طلب إرجاء التحقيق أو المقاضاة.

وأما التوصية الأخيرة فهي تتعلق بدعوة الدول العربية إلى التصديق على ميثاق إنشاء المحكمة الجنائية الدولية:

حيث أعتقد أنه يتعين على الدول العربية التصديق بسرعة على ميثاق المحكمة ومن ثم المشاركة بنشاط وفاعلية في جمعية الدول الأطراف كي ندافع عن وجهة نظرنا ونسعى لفرض ما يتفق مع مصالحنا كي لا نغيب الآن ثم نعود لاحقاً للتصديق والقبول ما اتفق عليه الآخرون في غيابنا وبسبب تقصيرنا.

 أخيراً وامتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) فانه يشرفني وقد وفقني الله لإنجاز هذا العمل أن أتقدم بوافر الشكر وعظيم الامتنان والتقدير إلى أستاذي الكبير العالم الجليل الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد العناني أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام بكلية الحقوق جامعة عين شمس وعميد الكلية الأسبق لقبوله الإشراف على هذه الرسالة برغم مشاغله الكثيرة والذي أسرني بدايةً بسعة علمه ورقة تعاملة وتعهدني بتقديم النصيحة والمشورة منذ أن تتلمذت على يديه في دبلوم القانون الدولي، وأني إذ أذكر حميد خصاله وجميل سجاياه فإني أقدّر بشكر وامتنان أنه كلما زادت مشاغله وعظمت مسؤولياته كلما ازداد وقته لي واتسع صدره لأسئلتي واستفساراتي وكانت لآرائه القيمة وتوجيهاته المتميزة أكبر الأثر في إنجاز هذا العمل.. جزاه الله تعالى خير الجزاء ومتعه بموفور الصحة والعافية.

كما يشرفني أن أتقدم بخالص شكري وعرفاني وتقديري للأستاذ الدكتور عبد الواحد محمد الفار أستاذ القانون الدولي العام بكلية الحقوق جامعة أسيوط وعميد الكلية الأسبق لتحمله عناء قراءة هذه الرسالة والاشتراك في لجنة الحكم عليها والذي شرفت بمعرفته من خلال مؤلفاته المتميزة في مجال القانون الدولي بشكل عام والجريمة الدولية على وجه الخصوص والتي كان لها أكبر الأثر في إغناء هذه الرسالة وإزالة الكثير من أوجه الغموض واللبس أثناء إعدادها.. فلسيادته كل الشكر والامتنان وجزاه الله تعالى خير الجزاء ومتعه بموفور الصحة والعافية.

كما يشرفني أن أتقدم بخالص شكري وعرفاني وتقديري للأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفا أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي بكلية الحقوق جامعة القاهرة لتحمله عناء قراءة هذه الرسالة والاشتراك في لجنة الحكم عليها ولدوره الكبير في دعمها بالعديد من الأفكار وتجنيبها الكثير من السلبيات وذلك من خلال أراء سيادته التي استفدت منها سواء أثناء المؤتمرات والندوات ولجان الحكم على الرسائل أو بواسطة مؤلفاته القيمة التي أثرى بها المكتبة القانونية العربية فلسيادته كل الشكر والامتنان وجزاه الله تعالى خير الجزاء ومتعه بموفور الصحة والعافية.

كما أتوجه بخالص الشكر وعظيم الامتنان والتقدير لجميع أساتذتي في جميع مراحل دراستي.

وأيضاً لوالدي ووالدتي حفظهما الله ومتعهما بموفور الصحة والعافية ولزوجتي وأخوتي وجميع أفراد أسرتي.

والشكر.. كل الشكر لمصر الحبيبة وشعبها العربي المضياف لما لقيته من رعاية ومحبة طوال سنوات إقامتي.. حفظها الله من كل سوء وأدامها قويةً عربيةً آبيةً وأيدها بالنصر المبين.. إن شاء الله رب العالمين.

وأكبر الشكر.. لبلدي سورية أقدم أبجدية في التاريخ والتي علمتني مع حروف الأبجدية قيم الكرامة والإيثار والتضحية ومعنى أن نكون أمة عربية واحدة.. أدامها الله قويةً صامدة وحفظها من كل سوء ورد عنها تحالف الشر والعدوان.

 وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني ذات يوم.. بل في كل يوم.. للاستفادة من علمي وعملي في خدمة ديني ووطني.. إن شاء الله رب العالمين.

وفي الختام فأني أعود لشكر الله سبحانه وتعالى سيما أنه حقق لي في هذه الليلة أمنية غالية وهي أن أبدأ دراستي وأكملها بين ثنايا الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي والجنوبي مع القناعة التامة والإيمان الأكيد بأن العودة لذلك الواقع الحتمي هو الحل الوحيد لمواجهة جريمة العدوان موضوع رسالتنا..

 فلله الحمد من قبل ومن بعد ولكم جميعاً كل الاحترام والتقدير.. وشكراً.. 


انشء في: أربعاء 19 يوليو 2017 14:09
Category:
مشاركة عبر