الجرائم الناشئة عن استخدام الأنترنت
عبد الأحد جمال الدين عين شمس حقوق القانون الجنائي دكتوراه 2004
ملخص الدراسة:
إن الظواهر بذاتها تتمتع بخصائص محددة ينبغي توافرها وإلا فقدت الظاهرة معناها ومضمونها. فلكي تنعت واقعة ما بأنها ارتقت الى مستوى الظاهرة فإن ذلك يعني أنها اتصفت بالعمومية والإلزام والاستمرارية ثم التجريد. فالجريمة مثلا ظاهرة فإذا استفحلت جريمة بعينها كجرائم الإرهاب والعنف والمخدرات في مجتمع ما فإن المشرع يتدخل للحد من الكثافة أو الوفرة الإجرامية الحادثة بسبب هذه الجرائم لكونها ظاهرة سلبية متفشية في مجتمعه ويكون تدخل المشرع هنا غرضه الحد من تلك الكثافة وإعادة التوازن بين الجريمة وبين اللا جريمة الى المعدل المتوازن. ويمكن القول كذلك إنه ليس فقط الجوانب السلبية في الظواهر هي التي تطغى على الدراسة والبحث في القانون الجنائي، ذلك ان الوظيفة المناطة بالقانون الجنائي تتعدى دوره في تحديد الجرائم والعقوبات الى أبعد من ذلك. فالقانون الجنائي يعد الوسيلة الشرعية الوحيدة لتشييد معالم النظام الجنائي الذي بدوره يتولى مساعدة الفروع الأخرى للنظام القانوني في تنظيم ورعاية وتطوير وحماية مجموع المصالح القائمة والمشروعة في النظام الاجتماعي الاقتصادي، ويترتب على ذلك أن الوظيفة المناطة بالقانون الجنائي هي وظيفة انسانية في الأساس، لذلك فإن امتداده يمكن ان يشمل الظواهر الجديدة والقديمة معا طالما ارتقت أي من الوقائع الى مستوى الظاهرة. ولعل المثال هنا هو في امتداد القانون الجنائي الى الظاهرة العلمية التقنية / الانترنت التي فاق استخدامها كل التوقعات بشأنها فكانت - وبحق - من الظواهر الإنسانية الجديرة بالبحث والتقصي، لا سيما وأن انتشارها ليس جماعيا فحسب وانما يأخذ الطابع الأممي في أساسه، فالتعامل مع الشبكة يتمتع بالفردية المطلقة في الوقت الذي يتساوى فيه الجميع أمامها، إذ لا حاكم ولا محكوم عبرها.
لقد توالد عن ظاهرة الانترنت Le phènomene internet عالم من المختصرات تتكاثر يوما بعد آخر، إذ أن الأفراد، أثناء وجودهم على الانترنت online يتداولون فيما بينهم مختصرات للكلمات تؤدي دورها في توصيل المعلومة دونما عناء يذكر حتى إنه إذا تم تداول هذه المختصرات في الواقع العادي – وليس في الانترنت - فإنها تبدو شإذة حتى فيما بين هؤلاء المستخدمين وهم خارج الشبكة offline. ونتيجة لحركة الاختصار هذه وتدوالها ولدت مصادفة لغة اصطلاحية jargon للإنترنت وجدت أرضا خصبة في استمرارية الانترنت كظاهرة بشكل تلقائي. والانترنت ظاهرة علمية ذات طبيعة تقنية وإنسانية أيضا. هذه الظاهرة تنسب الى الانشطار الحادث في التقنية ككل ما بين التقنية التقليدية والتقنية الحديثة او الرقمية والذي ينسب إليها هذا العصر L'ère Digital.
وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة من طبيعة تقنية فإن نعت الانترنت بالتقنية فقط يحجبها عن الواقع تماما لتتحول الى مجرد ظاهرة إلكترونية تكنولوجية، لذلك نرى انه من الضروري الأخذ في الاعتبار الطبيعة الإنسانية للإنترنت. وبدون الأخذ في الاعتبار الطبيعة الإنسانية للإنترنت فإنها سوف تتحول الى مجرد ظاهرة إلكترونية تحتاج الى قدر من المعرفة المتخصصة وبالتالي لن يكون في مقدور أي كان استخدامها - وهو ما يخالف وضعيتها وحقيقتها - ومثل هذا الأمر يبتعد بالانترنت عن المجال الحيوي العام الذي أعدت له الى نطاق خاص لا يستطيع الولوج إليه سوى المتخصص في هذا الفرع من هذه التقنية، إذ إنها مثلها مثل التقنية التي برزت قبلها كالمذياع والمرناه (التلفزيون) والهاتف والفاكس والتلكس فيما يتعلق بتعميم استخدامها منذ بداياتها.
وأكثر ما تبرز الطبيعة الإنسانية للانترنت في المقدمات المتعلقة بتقنين للسلوك ينادي به فقه الانترنت Code of Behavior بين مستخدميها عبارة عن قواعد سلوكية تأخذ الطابع الاخلاقي وتمثل أصولا صحيحة في التعامل بالانترنت، وأكثر ما يلاحظ ذلك في مبدأ التسامح او اتخإذ موقف سلبي تجاه المخطئ بحيث يجد ذاته في آخر المطاف وحيدا لا أحد يتعامل معه، فمن يستخدم ألفاظا بذيئة في المحادثة يقع في المحظور (المقاطعة). جراء ذلك برز مصطلح جديد يوازي مصطلح Etiquette هو Netiquette يفيد في مضمونه حظر التعامل بغير الأصول الصحيحة عبر الانترنت، ومن قواعده حظر التعامل التجاري والاقتصادي والاجتماعي … الخ مع أشخاص لا تربطنا بهم معرفة سابقة.
إن هذا وذاك يقودنا الى التقرير - بتلقائية شديدة - إنه ليس هناك تغيير حادث في الثقافة الإنسانية وانما سوف يكون على الإنسانية التزام قوي بضرورة إحداث تغيير في ثقافاتنا القائمة ويظل الغموض في هذا الإطار في بحث المدى الذي سوف يكون عليه هذا التغيير؟
على أن ما يثار أيضا في إطار بحث طبيعة الانترنت يتعلق بجوهر الانترنت وفيما إذا كان يمكن تصنيفها ضمن خدمات الاتصالات Communications Services، وفي هذه الحالة لا يكون عمل المزود سوى مجرد وسيط في خدمة اتصالية تماما مثل (السويتش) في الفنادق وغيرها ومن ثم لا يكون له أي تأثير في تطوير مجال عمله حتى وان توافرت له مقومات من هذا النوع. أم إن الانترنت من حيث الطبيعة تقع في دائرة أخرى هي خدمات معالجة المعلومات Data Processing Services، وهو أمر يترتب عليه إمكانية قيام المزود بتطوير مجال التعامل فيها او بها حينما تتوافر حالات التطوير وفي هذا الإطار الأخير قد يعامل المزود على عمومه Provider باعتباره ناشرا وتلتقي هنا نظرية المسئولية بالتتابع مع ظاهرة الانترنت.
والحصول على تصنيف لأي مما سلف يتوقف عليه الكثير من الأمور سيما في نواحي التجريم والعقاب. وكنتيجة لدقة الموقف في هذا الإطار فان الانقسام في الفقه يبدو طبيعيا حيث أن الانحياز الى هذا او ذاك الاتجاه يجعل مسألة انطباق التشريع القائم في مخيلة الفقه قائمة فالقول بأن الانترنت إن هي سوى أحدى خدمات الاتصالات يجعل كافة التشريعات القائمة المتعلقة بالاتصالات منطبقة عليها دون حاجة للمضي لأبعد من ذلك، وهذا مذهب بعض سدنة الحزب الجمهوري في الكونجرس الأمريكي. والحقيقة أن هذا الاتجاه أثير حين بحث في طبيعة الاتصال ذاته، لا سيما وأن الانترنت تعتمد بدرجة كبيرة على خطوط الهاتف باعتباره الخطوة الأولى التي يتم الاستعانة بها لكي يمكننا الوصول الى الانترنت؟
على أن اتجاها أخر يرى غير ذلك، إذ يذهب الى أن الانترنت وإن كانت حقا وسيلة اتصال إلا أنها تختلف عن كافة وسائل الاتصال القائمة الآن من حيث أنها تتميز بظاهرة معالجة البيانات data processing، ومثل هذا الأمر هو الذي جعل المشرع الأمريكي يلجأ الى تعديل قانون الاتصالات لسنة 1934 communications act في عام 1996 (USCode title 47) أضف أن لجنة الاتصالات الفيدرالية التي اعترف بها التعديل المذكور لم تتطرق الى موضوع الطبيعة التي عليها الانترنت في محاولة لتجنب رصد معيار غير ثابت هنا. والاتجاه الأخير فيما يبدو سوف يكون له السيادة سيما إذا علمنا أن منطق التعامل مع الانترنت هو في الحقيقة منطق للتعامل مع المعالجة الآلية للمعلومات وهو أمر اعترف به القانون المقارن صراحة. ويمكن القول إن هذا الرأي هو الرأي الأكثر صحة في هذا الإطار، ويأخذ به القضاء الأمريكي منذ العام 1997، وذلك عائد الى كون الانترنت أكثر الوسائل التي يمكنها ان تشتمل على تنوع كبير فيما يمكن التعامل به عبرها.
- موضوع الدراسة: تتناول هذه الدراسة موضوع الارتباط الذي بدأ ينمو بقوة هائلة في دراسات القانون المقارن، وهو قانون الانترنت، وبشكل فيه بعض التخصيص، أي في إطار فرع مخصص من فروع القانون وهو القانون الجنائي تحديدا، ومن ثم فإن هذا الموضوع يتناول علاقة الانترنت بالقانون الجنائي.
وموضوع العلاقة بين الانترنت وبين القانون الجنائي من الموضوعات ذات الخطورة الخاصة، لكون الانترنت من الظواهر الجديدة التي تحتاج الى تقييم اجتماعي اقتصادي لكي يبرز مدى انعكاسها على المجتمع والفرد والعلاقة التي يمكن أن تقيمها الانترنت مع الأفراد، والمشرع العربي يلاحظ هذا الأمر بكفاءة كبيرة، بحيث إنه يمكن نسبة تعطيل العمل على إحداث تدخل جنائي في إطار الانترنت الى عوامل التأني والمبادرة بمحاولة طرح الأفكار أولا لكي يمكن له تصور النواحي الأكثر تجاوبا في المجتمع مع منطق الحماية الجنائية التي يكن أن يفرضها على موضوع هو في الحقيقة من الموضوعات التي تفرض ذاتها في المجتمع العربي بقوة كبيرة.
وسوف نتناول في هذه الدراسة تلك العلاقة القائمة في التشريع المقارن بين الانترنت وبين القانون الجنائي، سواء في النواحي الموضوعية او تلك الاجرائية وبطريقة تسمح ببعض التفكير في منطق التطور الاجتماعي الحادث هنا، وبحيث يكون هدفنا بعون الله إبراز العلاقة القائمة مقارنة (هناك) لكي يمكن أن نضع نوعا من الجدل القانوني يسمح للتشريع العربي (هنا) بالتدخل وبشكل يسمح للواقع العربي أن يتصور الموضوع بشكل جيد وصحيح.
- أهمية الموضوع: يكرس الفقه جهوده لدراسة ظواهر قائمة او مفترضة على السواء، وهذا المنهج يتواءم مع منطق الاهتمام الفقهي بالموضوعات الجديدة او تلك المستحدثة في إطار فرع تقليدي. على أن الأمر في إطار الانترنت يتعدى هذا المفهوم، فالحادث في إطار دراسة قانون الانترنت أننا أمام ظاهرة لا يمكن التنبوء بتوقعاتها نتيجة لحجب تطورات تكنولوجيا المعلومات بشكل كبير عن الفقه العربي، لا سيما في مرحلة ما بعد الحادي عشر من شهر سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة. وربما يمثل عدم التوقع بالتطورات الأهمية التي يكون عليها موضوع دراسة الانترنت وعلاقتها بالقانون، والقانون الجنائي تحديدا كما هو منهج هذه الدراسة. ففي ذلك تحد كبير يساهم فيه الباحث بنوع من التأمل، وهو في ذلك يتبع خطوات أساتذة كبار نهجوا هذا النهج بقوة المردة وكفاح الشجعان، ولعل مثال الأستإذ الدكتور جميل عبد الباقي الصغير من الأمثلة التي تمهد الطريق أمام الباحث العربي أينما كان.
إن المشرع والقاضي العربي بحاجة كبيرة الى التعرف على هذه الظاهرة العالمية التي جعلت القاصي والداني يجاور المجهول، فالانترنت جارتنا، ومن منا يكره معرفة من هو جاره. ويجب التقرب منه ومعرفة أخلاقه وطباعه، وإذا كان النشاط الحادث في القانون المقارن حول دراسة الانترنت قد انطلق من البدايات الصحيحة في التطرق الى منهج قواعد البيانات لكي يمكن فهم ظاهرة الانترنت، فإنه في الوطن العربي نشط فقه قليل لكي يحاول وضع منهجية تتناول البحث في الانترنت بصورة متطورة من حيث توقعه لامتداد هذه الظاهرة الى أبعد من الحاسوب الشخصي كما يتصور حتى من قام بترجمة مؤلفات أجنبية.
لذلك تأتي أهمية هذه الدراسة كمحاولة لطرح فكرة الانترنت على أن يكون المنهج المتبع هنا هو اقامة علاقة بينها وبين القانون الجنائي في منطق المحاولة للفهم المؤسسي القانوني العربي، فهم المشرع لهذه الظاهرة وفهم القاضي لها، وهما معا يشكلان هيبة القانون وبدونهما لا هيبة له.
- اختيار الموضوع: خضعت عملية اختيار هذا الموضوع لكثير من الجدل، فقد كانت هناك بدايتان للتعرف على الانترنت، البداية الأولى كانت في نهاية عام 1985 عندما استلم حضرة والدنا رحمه الله تعالى - كعادته في متابعة الحركة الثقافية العالمية - كتابا موضوعه رواية بعنوان (الحالم الجديد The NeuRomancer) لمؤلف الخيال العلمي William Gibson. وكعادتي فقد تسلمت منه الكتاب بعد فترة قصيرة من الزمن لكي أطلع عليه، وقرأته بتلهف، كما حضرت بعض المناقشات الفكرية بينه وبين فقيه العالم العربي المرحوم المستشار محمد نصر الدين كامل حول هذه الرواية في مكتب موسوعة التشريعات العربية بمصر الجديدة / القاهرة. ولقد جعلتني هذه الرواية – آنذاك - أرهن لأمرين، الأول لوالدي وللمستشار محمد نصر الدين كامل رحمهما الله تعالى في كيفية اهتمامهما بأدب الخيال العلمي، والأمر الثاني لموضوع الرواية التي تناولت عالما ليس له أساس حتى في الخيال العلمي الذي نعرفه في ثمانينات القرن العشرين حين كان محظورا على الإنسان الكشف عن خياله للغير وهو أمر قد يجعله عرضة للتهكم. ومضت السنون تنهل من الأعمار، تخللها اهتمام بمعالم موضوع العالم الافتراضي، المصطلح الذي أطلقه Gibson على ذلك العالم المختفي في الحواسيب، وكذلك محاولة اختيار الوقت المناسب للتعرف على افكار حضرة والدنا رحمه الله تعالى ومشروعه حول (ميكنة الادارة) او الحكومة الالكترونية الذي حمله معه في حقيبته الى وزارة الخدمة المدنية في عام 1972 بعد قيام الثورة الليبية، وهو الأمر الذي عرض له في مقدمة الإصدار العاشر لـ.. موسوعة التشريعات العربية في 12 / 9 / 2000. كان العام 1999 عام البداية الثانية والحقيقية في التوصل الى اختيار التخصص في موضوع قانون الانترنت، فقد ظهرت الى الوجود شبكة المعلومات الدولية وبطريقة جعلت المرء يدرك أن النقلة من المستحيل الى الممكن بدأت تتحقق، كان هناك في الغيوب علماء تقنية لا نعرف عنهم شيئا آنذاك، يعملون خلف جدار الصمت الكبير لكي يقدموا للإنسانية منهج خلاص المصير من القيود على المعلومة والفكرة. وبدأت أولى البحوث في هذا الموضوع يكتبها الفقه الأمريكي بجدارة كبيرة وتبعه فيما بعد الفقه الإنجليزي والفرنسي والألماني.. وكنت أتابعها بدقة كبيرة، كان المقترح أن انتقل الى كندا للدراسة الدقيقة، إلا أن الاختيار في النهاية أوصلني الى مدرستي الأولى، كلية الحقوق بجامعة عين شمس الشامخة.
كان الهدف يتمثل في حصولي على الدرجة الدقيقة فقط ولم يكن الأمر يتعدى ذلك، على أن الله تعالى حين يهب الإنسان فلا تكون هبته مثلما يهب الإنسان أخاه الإنسان، فهبات الله وعطاياه تتفوق بالتأكيد، حيث سنحت لي الظروف الالتقاء بأستإذ كبير كان نقطة تحول كبيرة في دراستي للقانون، حيث كانت أولى فضائله هو تحليه بالشجاعة في البحث العلمي التي تصنع في تلاميذه هيبة مستوحاة من القيم والمبادئ، هو الأستإذ الدكتور جميل عبد الباقي عبد الوهاب الصغير أستإذ القانون الجنائي بكلية الحقوق / جامعة عين شمس، الذي لم يتوان عن قبول اختياري لهذا الموضوع، والحق أن اليأس كاد أن يتملكني في إمكانية طرح الخطة على أستإذ في جامعة عربية يمكنه قبول خطة دراسة في موضوع جديد كل الجدة، فكان تشجيعه لي منذ البداية التزاما كبيرا على عاتقي تجاه هذا الأستاذ الكبير، وكانت الدفعة الكبرى هو ذلك الشرف الكبير الذي أوصلني تشجيعه الى أن يضعني في سفينة ربان الأساتذة ومعلم الأجيال حضرة صاحب المعالي الأستإذ الدكتور عبد الأحد جمال الدين، كان ذلك اختيارا صعبا ليس فيه سوى المستحيل، فمن ينطلق من تلك النقطة حاز على معرفة أهمية تواضع العلماء وأهمية العلم بدون منازع.
كان علي أن اقبل الالتزام، لم يكن هناك من بد على الإطلاق، فمن ناحية هناك والدي – رحمه الله تعالى - الذي شجعني على تبني هذا الموضوع وكان أمله أن يحضر مناقشة هذا الموضوع في حرم الكلية التي تخرج منها عام 1957، ومن ناحية أخرى كان الأستإذ الدكتور جميل عبد الباقي الصغير الذي راهن على طالب دكتوراه موفد للدراسة لا يعرف عنه سوى طرحه لفكرة قبول دراسة موضوع الجرائم الناشئة عن استخدام الانترنت. وكان قاضي الإشراف هو كبير قضاة الإشراف في وطننا العربي هو الأستإذ الدكتور عبد الأحد جمال الدين الذي يشرفني أن أنتسب إليه علميا.
تلك كانت المقدمات الحقيقية لاختيار هذا الموضوع، فلم يكن من عامل مساعد في وطننا العربي يمكن أن يمهد للباحث العربي الطريق الى دراسة علاقة القانون الجنائي بالانترنت، وذلك لوجود ثغرة في فهم هذه الظاهرة التقنية، وهي ثغرة تتعاظم إذا لم يستدرك العرب مفاهيم هذه الظاهرة. فالعامل المساعد الوحيد الذي جعل اختيار هذا الموضوع وطرحه للدراسة الأكاديمية هو عامل شخصي على درجة كبيرة من الخصوصية، يتمثل في اقتناع أشخاص يدركون أهمية هذا الموضوع، ويعلمون خطورة جهله والتجهيل به، ويستشعرون أهمية تنوير الحركة الثقافية العربية به. ولقد حظيت بهذا الشرف الرفيع ولعلني أتمنى على أساتذتي أن يهبوا هذا الشرف لغيري ممن يسعون اليه، بل وأتمنى ذلك على الأكاديميين العرب، خاصة في الجامعة الليبية، أن يمنحوا الفرص المتوالية للزملاء الجدد.
- الصعوبات التي واجهت الباحث: إننا إذا تجاوزنا مسألة اللغة، والتي ينسب الفضل في تعلمي للإنجليزية والفرنسية الى والدي رحمه الله تعالى، والى والدتي أفاء الله عليها باليمن وسعة العمر، فان كل بحث علمي يلزمه التعرض للصعوبات، وبدون ذلك لا نكون بصدد بحث علمي، فالصعوبات تخلق الإبداع بدون شك.
والحقيقة أن صعوبات البحث في قانون الانترنت عامة، وعلاقة الانترنت بالقانون الجنائي تخصيصا، تكمن في حقيقة أننا أمام تقنية ليس لها ذلك الوجود الكامل في منطقتنا العربية، لأسباب عدة أهمها الانتقال العاطفي لتكنولوجيا المعلومات من مصادرها الى أمة العرب في معنى منع انتقال تكنولوجيا المعلومات بالكامل إلينا مع ضعف بنية الاتصالات العربية والاهتمام بالعائد التجاري فيها دون غيره. يضاف الى ذلك أن موضوع الانترنت في حد ذاته، وفق النظرة العربية له، يخضع لمفاهيم تقترب الى حد كبير من مفاهيم الصفوة والانتقائية. ومثل هذا الأمر يعد من الصعوبات التي عبرت عنها الامم المتحدة بصراحة كبيرة، مما يجعل الباحث يتعامل مع ظاهرة علمية تعيش في بيئة انتقائية يتناول موضوعها الصفوة.
كانت هذه النقطة محل جدل كبير أثناء فترة الدراسة، فالباحث يتعامل مع موضوع ليس له جذور سوى في ثقافة الصفوة! فبدت عملية الاهتمام بالحداثة تتقلص هنا، وكان ذلك من التحديات في الحقيقة. إذ أنه من ناحية يعد هذا الموضوع من الموضوعات المكلفة ماديا في الدراسة، حيث يحتاج الباحث الى الساعات الطوال عبر الانترنت لكي يمكنه الاستعانة بالمرجعية الحديثة ويتابع الجديد والمتجدد بها، ومن ناحية أخرى فإن الباحث في الوطن العربي مهدد باستمرار بما هو معروف بـ.. (فاتورة الهاتف) وهو تهديد حقيقي يتحول الى مطاردة في النهاية وله نتائج وخيمة، ولا يتطرق شك الى أحد في هذا، حيث إن فلسفة الخط الخاص (مثل Lease Line / DSL / الخ) بالانترنت تحتاج الى صفوة او قدرة مالية كبيرة هنا.
وفيما خلا ذلك فلم يكن هناك صعوبات تذكر، حيث إن بناء وهيكلة الفكرة ثم تحويلها الى تفريعات في إطار موضوع الدراسة كانت من الأمور التي تكتنفها صعوبات البحث العلمي الطبيعية مادام هناك بداية صحيحة يعتمدها الباحث، سواء من حيث الانطلاق من بحث فكرة قواعد البيانات او أن تكون نقطة الانطلاق هي تناول فكرة المنهج وهذه الأخيرة كان الأستاذ الدكتور جميل عبد الباقي الصغير سباقا إليها. وفي كلتا الحالتين يحتاج الباحث الى فهم منطق وآلية عمل الانترنت والكيفية التي يعمل بها المجتمع المعلوماتي، وبما يجعل الاعتماد على أفكار علم الاجتماع المعلوماتي من الأمور اللازمة هنا في معنى الكشف عن العلاقة بين الانترنت وبين المجتمع، وهي علاقة تتجاوز منطق الأعوام (1977 – 1981) تحديدا (أي بدايات الحاسوب الشخصي) الى أبعد من ذلك بكثير.
- خطة البحث: لكي يمكن للباحث بناء علاقة فلسفية أكاديمية بين الانترنت وبين موضوع من الموضوعات فإنه يلزمه أن يختار بين أسلوبين، وفي ذلك قناعات. وبدون اختيار أي من الأسلوبين المذكورين لا يمكن القول بوجود بناء أكاديمي في إطار هذا الموضوع. فالباحث إما أن يلجأ الى إحداث منطقة تبادلية كاملة بين الانترنت وبين فلسفة المنهج التي تسيطر على الحركة الأكاديمية العالمية / العربية المعاصرة، وفي ذلك تعبير عن دلالة الاستقرار في الدراسات العربية، وهو استقرار مطلوب في الحقيقة إلا أن أحد أهم عيوبه التي يجب استدراكها بكفاءة كبيرة أن يكون الباحث على درجة من الوعي تمكنه من بحث مناطق التجديد ومحاولة السعي الى أقلمة او استحداث تأقلم بين الانترنت وبين القانون.
ومثل هذا الأمر يكلف الباحث ضرورة القيام على مواجهة ما لا يتواءم مع الانترنت كتقنية معلوماتية بشجاعة كبيرة قد تكلفه قلمه في بعض الأحيان.
وأما أن يقوم الباحث باتباع منهج قواعد البيانات الذي يجد أساسه الأولي في الفكر الموسوعي الإسلامي العربي الذي ينسب في جذوره الأولى الى فلسفة أبو الفرج ابن النديم في العراق (المتوفي عام 995 ف) كأول فيلسوف لقواعد البيانات، وهي الفلسفة التي تم تطويرها على يد صاحب موسوعة التشريعات العربية / والدنا رحمه الله تعالى في عام 1962. والتي يحاول الفكر الأمريكي الحديث محاولات هائلة في نسب هذا الأسلوب الى العالم الأمريكي الكبير والمستشار العلمي Vanever Bush في عام 1945 في مقالة له بعنوان As We May Think التي وضع فيها فكرة إقامة علاقة بين البيانات والآلة.
ولقد اعتمدنا فلسفة قواعد البيانات لتكون نبراسا لنا في دراسة الآلية الحادثة في العلاقة بين الانترنت وبين القانون الجنائي، حيث تسمح هذه الفلسفة بتوسيع أفق التعامل مع ظاهرة الانترنت دراسة وبحثا وتقصيا. إذ لا تقتصر الانترنت على الحاسوب الشخصي هنا كما هو الشأن حين البحث في اتباع فلسفة المنهج، فرؤيا الانترنت وفق الحاسوب الشخصي سوف تنتهي بالتأكيد لتدخل الانترنت عصرا جديدا في زمن قريب وبما يجعل أنصار المنهج يتألبون على تطويره، إذ سوف تصبح الانترنت في ساعة اليد والهاتف النقال او الخلوي والمبرد (الثلاجة) ولعب الأطفال وأجهزة المنزل بأكملها يضاف الى ذلك العربات ووسائل المواصلات.. الخ بل ويكون من الممكن التحادث مع رائد فضاء على سطح القمر، سوف يكون من الممكن وضع فلسفة الإنسانية كاملة في اسطوانة رقمية صغيرة الحجم وإرسالها الى العالم الافتراضي ومنها الى الفضاء الخارجي البعيد ولن يقتصر تتبع مسارها على جهات متخصصة فقط بل من الممكن أن يتتبعها العامة في كل مكان.
لذلك سوف تكون خطة البحث في الجرائم الناشئة عن استخدام الانترنت مبنية على أساس طرح فكرة الانترنت وفق العلاقة بين قواعد البيانات وبين التكنولوجيا، فنبدأ بطرح فلسفي في فصل تمهيدي يتضمن التعريف بالانترنت من حيث كونها تكنولوجيا معلومات او تقنية معلوماتية Information technology IT، فنعرض لتاريخها وتعريفها والاتجاهات التي تناولت هذا التعريف وعناصره ثم أقسام الانترنت وخصائصها وتحررها من قيود التقنية وتأثيرها الاجتماعي الاقتصادي ثم نتناول العلاقة بين الانترنت وبين القانون ونحاول إقامة سببية لقانون الانترنت فنحدد التعدد المذهبي في هذا المجال ثم نتعرض لمصادر نظام عمل الانترنت والحماية التشريعية لها فننتهي في العرض الفلسفي هذا الى ضرورة طرح الحماية الجنائية للانترنت فيكون هذا نهاية البداية، حيث تبدأ مرحلة جديدة في الدراسة بالتوصل الى تقسيمها الى بابين كبيرين يتخللهما فصول ومباحث ومطالب وفروع، يتناول الباب الأول الأحكام الموضوعية ويتناول الباب الثاني الأحكام الإجرائية منتهين الى خاتمة وتوصيات بعون الله تعالى.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة