دراسه مقارنه لتاويل النص الادبي في النظريات النقديه لهانز روبرت ياوس وستانلي فيش
سامح فكري حنا, ,عين شمس ,التربية ,اللغة الإنجليزية ,الماجستير 2000
وعنوانها : دراسة مقارنة لتأويل النص الأدبي في النظريات النقدية لهانز روبرت ياوس وستانلي فيش
تنطلق هذه الرسالة من فرضية مبدئية يعبر عنها السؤال التالي: هل ما أنجزته نظريات القارئ يمثل قطيعة معرفية راديكالية مع النظريات الأدبية التي تتخذ من المؤلف/النص مركزاً لها؟ يشي هذا التساؤل في طياته بتناقض بين الدعاوى التي تطلقها هذه النظريات داعمة فيها سلطة القارئ، وبين الممارسات النقدية الفعلية لهذه النظريات والتي تكشف عن قيود تأويلية تفرض على فعل القراءة. إن استكناه هذا التناقض بين الدعوى النظرية والممارسة النقدية يستدعي النظر في عدد من التساؤلات: ما هي تصورات نظريات القارئ – الممثلة في هذه الرسالة بنظرية جماليات التلقي عند هانز روبرت ياوس، ونقد استجابة القارئ عند ستانلي فيش – عن مفاهيم من قبيل المعنى، والنص، واللغة، والحقيقة، والمعرفة؟ هل يُمنح القارئ وحده في هذه النظريات – سلطة التأويل متحرراً بذلك من المحددات التأويلية التي يفرضها المؤلف أو النص؟ ما هو تصور هذه النظريات عن المسافة الزمنية بين لحظة إنتاج النص الأدبي، ولحظة تلقيه؟
استدعى طرح هذه التساؤلات على نظريات القارئ (نظريتي ياوس وفيش على وجه الخصوص) استخدام منحى يمكن من خلاله مقاربة هذه التساؤلات، فكان المنحى الهرمينيوطيقي كما طورته الهرمنيوطيقا الفلسفية. وهكذا تتبنى الرسالة مفهوم التأويل-باعتباره الإنجاز الرئيسي للهرمنيوطيقا الفلسفية – وتحاول من خلاله تقديم قراءة نقدية للنماذج التأويلية التي يقترحها كل من ياوس وفيش؛ ومن هنا يحاول الفصل الأول تقديم قراءة في تاريخ هذا المفهوم، ومجموع التساؤلات التي أثارها. ينطوي مفهوم التأويل –كما تكشف هذه القراءة النقدية عن إشكاليتين أساسيتين: إشكالية المعنى، وإشكالية المسافة الزمنية بين لحظة إنتاج النص ولحظة تلقيه. تمكنا هاتان الإشكاليتان من البحث في تنتظيرات /ممارسات ياوس وفيش.
تكشف نظرية القراءة عند ياوس – عند فحصها في ضوء الإشكاليتين المشار إليهما آنفاً – عن قرينتين على ما أسميته سابقاً ب"التناقض بين النظرية والممارسة" أو ما اسماه بول دى مان ب"العمى والبصيرة" القرينة الأولى نجدها في مقالة هانز روبرت ياوس الباكرة والتي كانت بمثابة "البيان " لحركة جماليات التلقي التي نشأت في مدرسة كونستانز، في هذه المقالة ينقد/ينقض ياوس كل من النقد الماركسي، والنقد الشكلاني لما رآه نزعة جوهرانيةessentialist متأصلة فيهما. إن كل من النظريتين –حسبما يرى ياوس – ترى "المعنى" كامناً في جوهر لازمني. يتمثل هذا الجوهر في البنية النصية كما تتصور الشكلانية، أو في الواقع الاقتصادي /السياسي كما ترى الماركسية. إلا أن ياوس يثبت في ممارسته النقدية أنه لا يقل عنهما جوهرانية، ففي بعض الأحيان نجده يختزل النص الأدبي في "الشكل"، وفي أحايين أخرى يحوله إلى وثيقة تاريخية. تتمثل القرينة الثانية في التناقض الكائن بين دعوى ياوس في بداياته إلى علاقة جدلية تفاعلية بين لحظة إنتاج النص ولحظة تلقيه، ودعوته النقيضة بعد ذلك إلى إحداث نوع من المماسفة distanciation بين هاتين اللحظتين. يتأكد هذا التناقض إذا علمنا أن ياوس في تطوراته النقدية اللاحقة يستبدل مفهوم جادامر عن "تداخل الآفاق" بما اسماه "تمايز الآفاق".
يقدم الفصل الثالث-متبعاً نفس المنطق السابق – قراءة في النموذج التأويلي الذي يقترحه ستانلي فيش. إن الدعوى التي يطلقها فيش بأن الأدب ليس له وجود مستقل عن القارئ (في مقالته الشهيرة "الأدب في القارئ") والتي تتمخض -نظرياً-عن تحرير القارئ من سلطة المؤلف/النص تتهافت أمام ممارسة فيش النقدية التي تتكشف دائماً عن قارئ رهين سلطة تأويلية ما، فهو(القارئ) إما رهين سلطة المؤلف (في كتاب القارئ في الفردوس المفقود (1967)، أو النص (في كتاب أعمال فنية في تداعي (1972)، أو "الجماعة التأويلية" (في كتاب هل من نص في هذا الفصل؟ سلطة الجماعات التأويلية (1980) أو "التموضع التاريخي" للقارئ (في كتاب افعل ما يعن لك (1989). إن فيش في الحالات جميعها يتبنى منهجاً استبعادياً exclusivist في مقاربته لمفهوم التأويل، فقراراته النقدية تسير دائماً على طريقة "إما …أو"، مما يجعل مفهوم التأويل عنده –فئ كل مرحلة من مراحل تطوره الفكري – أحادي التوجه، ومن ثم دوجماطيقياً".
تحاول مقدمة الرسالة أن تضع نظريات القارئ في سياق المنجزات الفلسفية والنقدية التي ساعدت على ظهور هذه النظريات. إن نظريات القارئ حسبما أرى- جاءت نتاجاً لما أسماه دريدا "نزع المركزية" decentring عن مفاهيم كلاسيكية من قبيل "الحقيقة"، و"اللغة"، و"المعنى"، و"الواقع". وقد تزامن ذلك مع "نزع المركزية" عن مفهوم "السلطة" ذاته، وهو ما بدأه نيتشة وترددت أصداؤه بعد ذلك في إعلان بارت عن "موت المؤلف". كل هذه التداعيات تمخضت عما يمكن تسميته ب"خصخصة الحقيقة/المعنى"، فبعد نزع ملكية النص من المؤلف أضحى المعنى "ملكية خاصة"، وما لبث أن وجد "القارئ" نفسه في قلب المشهد النقدي المعاصر.
تلقي الخاتمة الضوء على ما أتت به الرسالة من نتائج، مع إبراز التأثير الذي أحدثته الهرمنيوطيقا الفلسفية عل نظريات القارئ عموماً، وعلى اجتهادات هانز روبرت ياوس، وستانلي فيش على وجه الخصوص.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة