أثر الفلسفة اليونانية في علم الكلام الإسلامي حتى القرن السادس الهجري (دراسة تحليلية نقديّة)
محمود محمد عيد نفيسة القاهرة دار العلوم الفلسفة الإسلامية الدكتوراه 2006
المقدمة:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
وبعد :
فإن هوية كل أمة تتحدد تبعاً للتصور الذي ترتضيه لنفسها عن الطبيعة وما وراء الطبيعة ، وللعلاقة التي تقيمها بين هذين المستويين ، وعادة ما تتشكل المعالم الفكرية لأمة ما عبر فترات متطاولة من الزمن ، ويشترك في تشكيلها ظروف متعددة ؛ إذ لا تكاد توجد في تاريخ الفكر فلسفة مستقلة ، نشأت بمعزل عن أي تفاعل مع المعارف والفلسفات السابقة عليها ، أو تلك التي نبتت في غير بيئتها طالما وجدت عوامل للالتقاء والاطلاع بين هذه الفلسفات ، مما يجعلنا نلاحظ صوراً من التشابه بين الثقافات المختلفة من حيث أصولها ونشأتها .
هذا ويكمن وراء انتقال فكر ما من بيئته الأولى إلى بيئة أخرى والتباسه بفكر آخر أسباب متعددة ، منها السياسي والمعرفي والديني ، فقد يحدث تزاوج بين الثقافات نتيجة للتوسع في إقليم ما ، وعادة ما تقتفي الأمةُ المغلوبة آثارَ الأمة الغالبة و تتبع مناهجها وأساليب تفكيرها بوعي أو بدون وعي ، وقد تدفع عقيدة ما أتباعها لنشر معتقداتهم وأفكارهم ، وقد تدفعهم للاطلاع على ما عند الآخرين والاستفادة من تجاربهم وإسهاماتهم . ومهما بلغت درجة التقارب والتداخل بين الثقافات أو الفلسفات المتعددة يبقى لكل منها هويتها المميزة وطابعها الخاص ، ومشكلاتها وإسهاماتها في مجال الفكر الإنساني .
وقد تُوَظَّف أوجه التشابه والتقارب هذه في تشويه ثقافة ما ، وتُسْتَغل في محاولة طمس ثقافة أمة بأكملها ، بدعوى عدم أصالتها أو عدم قدرتها على النظر والتأمل ، مع الجهل أو التجاهل لموقع تلك الأمة على الخارطة الفكرية للإنسانية ، وتأتي مهمة الأبحاث الجادة والدراسات الأكاديمية المعمقة لتحاول كشف اللثام عن بعض جوانب هذا التداخل أو التمازج بين ثقافة وأخرى ، أو معتقد وآخر ، وفق أسس موضوعية ، بعيداً عن النزعات الذاتية الخاصة .
ومن المعروف أن الحضارة الإسلامية في طابعها العام حضارة نص معصوم، نشأت وترعرت في أحضان الوحي الإلهي الـمُشَكِّل لمختلف جوانبها الفكرية والعملية ، وتكاملت من خلاله تصوراتها لما يتصل بالطبيعة وما وراء الطبيعة ، غير أن المسلمين تعرفوا على مصادر أخرى تمتلك تصورات أخرى لما يتصل بهذين الجانبين ، وأحد تلك المصادر التي وصلت إلى العالم الإسلامي في وقت مبكر هو الفلسفة اليونانية ، فقد كان الجدل والحوار الذي نشأ بين المسلمين وغيرهم من الملل الأخرى ، على اختلاف نحلهم من ثنوية ودهرية وأهل كتاب .
وبفضل ما أثاره الإسلام من إقبال على العلم ، رغب المسلمون بالاطلاع على المزيد من علوم الأوائل ، ولم يكن لهم سبيل إلى ذلك إلا من خلال الترجمة ، فجلبوا ما تيسر لهم من كتب اليونان وعكفوا على ترجمتها ، وكان من جملة العلوم المترجمة إلى اللسان العربي ، الفلسفة اليونانية التي تضمنت نظرة فلاسفة اليونان إلى الطبيعة وما وراء الطبيعة ، وكان اطلاع المسلمين على هذا الجانب من الفكر اليوناني متزامناً مع نشأة علم الكلام وتكامل مسائله ومدارسه ، وشاء بعض الدارسين أن ينظر إلى هذا العلم على أنه قائم على علوم اليونان ومؤسَسٌ عليها .
ويأتي هذا البحث ليدرس مدى الأثر الذي خلّفته الفلسفة اليوناني على أحد العلوم الإسلامية وهو علم الكلام .
أهمية الموضوع وأسباب اختياره :
أولاً : تبرز أهمية هذه الدراسة من كونها تجيب عن تساؤلات هامة وملحة وتكشف عن جوانب التأثر والأصالة والتطور في التراث الكلامي .
ثانياً : مناقشة الدعاوى العريضة التي أثارها المستشرقون ومَن تابعهم من رد علم الكلام في جملته إلى الفلسفة اليونانية ونفي أي خصوصية أو أصالة فيه ، ملتزمة في ذلك منهجاً موضوعياً .
ثالثاًً : قلة الدراسات التي تناولت هذه القضية الهامة إذا ما قورنت بالكتابات الكثيرة التي تناولت جوانب أخرى متعددة من الفكر الكلامي ، كما أن معظم ما قدم في هذا المجال دراسات جزئية تعبر عن روح مقدميها ، وقدمت أحكاماً أشبه ما يكون بمثابة نتائج مقطوعة الصلة بمقدماتها .
يمكنني في هذا المجال أن أشير – فيما اطلعت عليه- إلى دراستين اثنتين تلتقيان مع هذا الموضوع في بعض الجوانب.
الأولى: ""الأصول الرواقية في الفلسفة الإسلامية"", للأستاذ الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد, وهي في الأصل أطروحة ماجستير قدمت في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية, عام 1969م , بإشراف الأستاذ الدكتور علي سامي النشار. وقد صدرت مطبوعة عن دار الوفاء عام 2002م .
وكما هو واضح من عنوانها فإنها تتناول تأثير مدرسة واحدة من المدارس اليونانية وهي المدرسة الرواقية في الفلسفة الإسلامية بكافة مجالاتها وفروعها.
الثانية: ""الصلة بين الفلسفة وعلم الكلام في الفكر الإسلامي"" للدكتور عباس محمد حسن سليمان, صدرت عن دار المعرفة الجامعية عام 1998م .
وتتناول هذه الدراسة أثر الفلسفة الإسلامية في علم الكلام المتأخر مبينة تطور علم الكلام وانتهائه إلى الفلسفة لدى نصير الدين الطوسي وابن خلدون تحديداً , وهما خارج نطاق هذه الدراسة.
صعوبات الدراسة :
أولاً : كان من أبرز الصعوبات التي واجهتني خلال إعدادي لهذا البحث, هو عموم عنوان البحث فيما يتصل بالفلسفة اليونانية , فهو يتطلب تتبع أثر الفلسفة اليونانية بمختلف مدارسها , دون اقتصار على مدرسة أو شخصية بعينها ، وقد تطلب ذلك القراءة في الفلسفة اليونانية بشكل عام ثم العودة إلى علم الكلام ؛ لتحديد القضايا التي ظهر فيها التشابه أو التأثر.
ثانياً : عدم وضوح صورة الفلسفة اليونانية في أذهان المتكلمين وخاصة الأوائل منهم ، فقد كانت الفلسفة حاضرة لديهم بشكل عام ، ولذا كان من الصعوبة القول بوجود أثر واضح وتام لشخصية بعينها ، أو لقضية بتمامها.
ثالثاً: صعوبة القول بالتأثرعلى نحو يقيني في كثير من المسائل التي ظهرت فيها صور من التشابه , فلا نملك إلا أن نقول : إن المادة الفلسفية كانت متاحة ومن المحتمل أن يكون قد اطلع المتكلم على المادة الفلسفية وأفاد منها , ويظل الأمر في كثير من الأحيان ضمن دائرة التشابه , اللهم إلا إذا كان التحليل الداخلي للنصوص يضعنا أمام أدلة وجيهة تجعلنا نحكم بالتأثر أو أن المتكلم نفسه يصرح بتحسينه لرأي فلسفي بعينه.
منهج البحث :
وقد اقتضت طبيعة البحث استخدام عدة مناهج لإتمامه:
فقد استخدمت المنهجَ الاستقرائي للوصول إلى القضايا والأفكار المتشابهة ، التي قد تكون محلاً للأثر اليوناني ، واستخدمت المنهجَ المقارن في مقارنة الآراء الفلسفية والكلامية بعد استقرائها , والمنهجَ التحليلي للوقوف على مدى التشابه بين الرأي الفلسفي والرأي الكلامي من الناحية الموضوعية , وجاء المنهجُ النقدي متمماً للمناهج السابقة في ترجيح وجود أثر يوناني في مسألة ما من مسائل علم الكلام أو نفي وجودِهِ أو احتمالِ ذلك .
خطة البحث:
وقد حاولت قدر المستطاع أن تكون خطة البحث شاملة للمسائل والقضايا التي ظهر فيها أثر للفلسفة اليونانية في علم الكلام أو ادُّعي فيها ذلك الأثر ، بحيث تعطي صورة واضحة ومباشرة لهذه الدراسة .
وقد جاء هذا البحث في تمهيد وبابين وخاتمة :
وكان تمهيد البحث بعنوان : المتكلمون والفلسفة اليونانية ، وتناولت فيه دراسةً لمحاور البحث ؛ وعرضتُ مسالكَ الفلسفة اليونانية إلى المتكلمين ، وبعضَ القضايا المنهجية بين علم الكلام والفلسفة اليونانية.
وكان الباب الأول بعنوان : دعوى الأثر اليوناني في آراء المتكلمين المتصلة بالطبيعيات، وتناولت فيه جانباً من جوانب الموضوع المراد دراسته من خلال ثلاثة فصول : اشتمل الفصل الأول: على التأثيرات اليونانية لدى المتكلمين في الجسم الطبيعي: وتناولت فيه: مذهبَ الذرّةِ ، ونظريةَ الكمونِ بين فلاسفة اليونان ومتكلمي الإسلام.
واشتمل الفصل الثاني: على التأثيرات اليونانية لدى المتكلمين في لواحق الجسم الطبيعي: وتناولت فيه : التأثيرات اليونانية على المتكلمين في السببية الطبيعية ، والزمانِ ، والمكانِ والخلاءِ ، وشيئية المعدومِ.
واشتمل الفصل الثالث : على التأثيرات اليونانية لدى المتكلمين في النفس الإنسانية:
وتناولت فيه : التأثيرات اليونانية على المتكلمين في تعريف النفس الإنسانية ، وطبيعتها، والصِّلة بينها وبين البدن، ووحدتِها ، وخلودِها. وقد ألحقت مبحث النفس بالطبيعيات تبعاً لما سار عليه الفلاسفة الإسلاميون وبعضُ المتكلمين .
أما الباب الثاني فقد جعلته بعنوان : دعوى الأثر اليوناني في آراء المتكلمين المتصلة بالذات الإلهية، وتناولت فيه الجانب الآخر من الموضوع المراد دراسته من خلال ثلاثة فصول:
اشتمل الفصل الأول : على التأثيرات اليونانية لدى المتكلمين في الوجود والماهية.
وتناولت فيه تعريف الوجود والماهية ، وموقف فلاسفة اليونان والمتكلمين والفلاسفة الإسلاميين من هذه القضية والأثر اليوناني عليهم في ذلك .
واشتمل الفصل الثاني : على التأثيرات اليونانية لدى المتكلمين في أدلة وجود الله تعالى:
وتناولت فيه التأثيرات اليونانية على المتكلمين في : دليل التناهي ، ودليل الجواهر والأعراض. ودليل وجود الله سبحانه كعلة فاعلة للعالم ، ودليل تضاد الأجسام، ودليل الفطرة.
واشتمل الفصل الثالث : على التأثيرات اليونانية لدى المتكلمين في الصفات الإلهية:
وتناولت فيه : صفات الإله لدى فلاسفة اليونان ، وصفات التنزيه لدى المعتزلة وصلتها بصفات الإله لدى الاتجاه المثالي اليوناني . والمثل الأفلاطونية والصفات الإلهية. والتجسيم في الفكر الكلامي وصلته بصفات الإله لدى الاتجاه الطبيعي في الفلسفة اليونانية.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة