الأرض ومفرداتها و السماء وعوالمها فى القرآن الكريم
القاهرة دار العلوم الدراسات الأدبية الدكتوراه 2007 حنان السيد محمد شكري
وقد كان من أهداف هذا البحث إبراز تلك الآيات الكونية – التي تقدّم دراستها في أبواب وفصول ومباحث هذه الدراسة – وبيان أهم الأغراض و المعاني التي وظِّفت فيها تلك الطبيعة لخدمة هذا الدين .
وبعد هذه الرحلة الطويلة مع الآيات الكونية في القرآن الكريم ، اطّلعنا على أن الأسلوب القرآني قد وظَّف معظم عناصر الكون في السماء والأرض لخدمة الدعوة ، وإقرار أولى لبناتها ، ألا وهي التوحيد .
فالتأمل في كيفية خلق السماء – مثلا – دعوة كونية صامتة للتوجّه إليه وحده بالعبادة ، ولنتأمل قوله تعالى : ﴿ اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ [ الرعد : 2 ] .
وكذلك طبيعة خلق الأرض ومدها ، وتثبيتها بالجبال الرواسي ، دعوة للتوحيد ، دعوة تؤكد أن هناك يدا قادرة ، ولنتأمل قوله تعالى :
﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [ الرعد : 3،4 ]
وإذا كانت الدعوة إلى التوحيد من أهم الأغراض التي وُظِّفت فيها الآيات الكونية في الأسلوب القرآني ، فإن هناك أغراضا أخرى عظيمة ، قد أبان عنها البحث في ثنايا هذه الدراسة ، نقدم منها – على سبيل المثال – ما يلي :
- إبراز طلاقة القدرة الإلهية ، كما في قوله تعالى : ﴿ اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ... ﴾ [ الرعد : 2] . والقرآن الكريم يحفل بالكثير من هذه الآيات الكريمة وقد أورد البحث معظمها .
- في بيان معاناة الأنبياء ، وتسليط الطبيعة علىأقوامهم بسبب عنادهم وكفرهم ، كما في قوله تعالى : ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة:7،6
- في الاستدلال العقلي على وجود الله ، كما في قوله تعالى :﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَة قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [ الأنعام : 75: 78]
- في بيان عطاءات الله لأنبيائه ، كما في قوله تعالى : ﴿ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ ص ، 17: 19 ]. وكذلك قوله تعالى :﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴾
[ الأنبياء :81]
- في تعظيم مخلوقات الله الكونية ، حيث أقسم بها سبحانه لبيان جلال خلقها ، كما في قوله تعالى : ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾ [ الشمس ، 6:1] .
- التمثيل ببعض المفردات الكونية لبيان طبيعة الحياة التي نعيشها ، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ يونس : 24]
- التمثيل ببعض المفردات الكونية لتقرير حقيقة البعث والنشور ، كما في قوله تعالى :
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [ فاطر :9] .
- التمثيل ببعض مفردات الكون لبيان جزاء الإنفاق في سبيل الله ، كما في قوله تعالى :
﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير [ البقرة : 265]
- التمثيل ببعض المخلوقات الضعيفة لبيان وهن العقيدة المنحرفة ، كما في قوله تعالى :
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [ العنكبوت : 41] .
- توظيف مفردات الكون في السماء والأرض ، لإبراز التواصل والتناغم الكوني بين كل مخلوقات الله ، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار [ إبراهيم : 33،32] .
- توظيف السماء والأرض لبيان الملكية المطلقة لله ، كما في قوله تعالى :
﴿ لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ المائدة : 120] .
- توظيف بعض المفردات الكونية لبيان طلاقة القدرة في إحاطة علم الله بكل ما في السماوات والأرض ، كما في قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ آل عمران :29]
وكذلك قوله تعالى : ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [ لقمان : 16 ] .
- توظيف الكونيات لتصوير الغيبيات في يوم القيامة ، كما في قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ
الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [ إبراهيم : 48] .
وكذلك قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴾
[المعارج :9،8].
- توظيف الطبيعة الكونية الجميلة لبيان روعة وبهاء الجنة ، كما في قوله تعالى :
﴿ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [ آل عمران : 136] .
وقوله تعالى : ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [ الرحمن ،68:62] .
وبعد .. فهذه دقائق كونية ، قد وظفها الأسلوب القرآني لإرساء وبيان كثير من أغراض العقيدة ، وتلك الكونيات تحيط بالإنسان من كل جانب ، في السماء والأرض ، لتؤكد على وحدانيته سبحانه ، وتُبرز هذا التواصل العظيم بين كل المخلوقات ، وعلى رأسها هذا الإنسان الذي كرمه الله باستخلافه في الأرض ، عله يقر بتفرده عز وجل ويتوجه إليه بالعبادة والتوحيد .
وفي النهاية لا أجد إلا أن أتوجه بخالص الحمد لله - عز وجل - أن وصلني بكتابه العزيز ، كما أشكر أساتذتي الأجلاء ، وأستميحهم عذرا فيما قصرت فيه ، وإن كان قصورا وليس تقصيرا ، فالله يعلم كم عانيت في هذه الدراسة .
ولا يفوتني في هذا المقام أن أسجل لفتة وفاء وإجلال واحترام لأستاذ عظيم ، علمني في بداية حياتي العلمية كيف أفكر ، وكيف أمسك بالقلم ، كما منحني من علمه وأخلاقياته الكثير ، هذا هو الأستاذ الدكتور المرحوم أحمد هيكل ، فله كل الوفاء ، والدعاء الخالص أن يتغمده الله بواسع رحمته ."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة