" دور السفارات العثمانيه الي اوروبا من مطلع القرن الثامن عشر حتي التنظيمات واثرها في حركه التغريب العثمانيه
وفاء احمد قطب البستاوي "" دكتوراه 2002
" نشأت السفارة العثمانية كسفارات مؤقتة في مهام محددة ، كان الغرض منها في العصور الأولى للدولة العثمانية ، إعلام حكام الدول بأمر جلوس أحد السلاطين على العرش وتوليه الحكم ، وتنتهي السفارة بانتهاء مهمة السفير 0
ثم أصبح مفهوم السفارة بعد ذلك يأخذ شكلاً أخر محدداً ، ويلعب دوراً بارزاً ساهم في نقل مظاهر المدنية الغربية إلى الدولة العثمانية 0
فقد ظهرت في الدولة العثمانية - مع بداية القرن الثامن عشر - بعض أفكار الإصلاح المتأثرة بالمدنية الغربية ، والتي تعد بداية فترة التصريح بالانصراف عن القديم في مختلف مؤسسات الدولة السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية 0
وتمشياً مع اتجاه الميل إلى الأخذ عن الغرب في تلك الفترة ، والرغبة الشديدة في النقل عن المدنية الغربية ، فقد نشطت حركة السفارات العثمانية إلى الدول الأوروبية وروسيا ، فأصبح مفهوم السفارة العثمانية يأخذ شكلاً آخر مغاير عما كانت عليه من قبل ، حيث أعطت تلك السفارات عمقاً وبعداً لمفهوم تغريب الدولة ولعبت تقارير السفراء العثمانيين عن الدول الأوروبية وروسيا ، دوراً هاماً ومؤثراً ساهم في نقل مظاهر المدنية الغربية إلى الدولة العثمانية ، في ذلك الوقت
وقد عمق فكرة الاتجاه للغرب والنقل عنه حدوث تغير فكري لرجال الدولة العثمانية منذ ذلك العهد ، ويرجع هذا إلى سرعة تأثرهم وانبهارهم بمظاهر المدنية الغربية التي نقلتها تقارير هذه السفارات إلى الدولة العثمانية 0
وقد عكست تقارير السفارات العثمانية نظرة انبهار السفراء العثمانيين بمظاهر المدنية الغربية ، وأبرزت أوجه الاختلاف في نمط الحياة الاجتماعية ومظاهر التمدن الغربي ، عن الدولة العثمانية ، فوجهت الأنظار إلى مظهر التطور دون جوهره وعمقت لدى رجال الدولة العثمانية ، فكرة الأخذ بمظاهر هذه المدنية الغربية ، فأصبحت أفكار رجال الدولة تدور في فلك فكرة التغريب، وهكذا أعطت هذه السفارات عمقاً وبعداً لمفهوم تغريب الدولة 0 ولما كان السفراء العثمانيون يتمتعون بنفوذ قوي داخل الدولة العثمانية وذلك لقربهم من السلطان ورجال الدولة بحكم مكانتهم فقد ساعد ذلك على سرعة انتقال مفاهيم ومظاهر المدنية الغربية – التي تضمنتها تقاريرهم – إلى الدولة 0
وعلى جانب أخر نجد أيضا بعض رجال الدولة العثمانية لم يغفلوا عن توطيد علاقاتهم بسفراء أوروبا وروسيا لدى الدولة العثمانية وخاصة سفراء فرنسا بإستانبول ،وحتى يستفيد منهم في نقل مظاهر المدنية الغربية للدولة العثمانية ، ومنهم""الداماد إبراهيم باشا ""الذي تولى منصب الصدارة في الفترة من ( 1718 م : 1730 م ) وكان على علاقة وطيدة بسفير فرنسا لدى الدولة العثمانية في الفترة (1716 م : 1724 م ) كما كان من كبار مشجعي حركة التعمير على الطراز الغربي في ""عصر اللاله"" ذلك العصر الذي يعد بداية حركات التغريب في الدولة العثمانية ،وقد أرسل"" الداماد إبراهيم باشا"" السفير"" يكرمى سكز محمد جلبى"" إلى فرنسا للاطلاع على التطور العمراني والفكري الغربي ومحاولة الاستفادة من هذا التطور ونقلة لتطبيقه في الدولة العثمانية ، وعاد السفير العثماني بتقرير سفارته هذا التقرير الذي يعد النافذة الأولى لانفتاح الدولة العثمانية على الغرب ، كما كانت هذه السفارة وراء تأسيس ""إبراهيم متفرقة"" أول مطبعة تركية في إستانبول ، والمطبعة في ذلك الوقت كانت تعد مظهراً للتطور الصناعي الغربي ، وقد عمل ""إبراهيم متفرقة ""على دفع الشرق للاقتراب من الغرب ، فاهتم بإخراج المعاجم الضخمة للغات الأوروبية والشرقية ، فساعد ذلك على نشر الثقافات الغربية التي أدت إلى التحول الفكري داخل الدولة العثمانية تجاه الغرب0
ومن ناحية أخرى أكد السفراء العثمانيون في تقاريرهم على ضرورة الاهتمام بترجمة العديد من الكتب الغربية إلى اللغة التركية ، فنشطت حركة الترجمة ، وكان لهذه الترجمات أثرها أيضا في التحول الفكري في الدولة العثمانية تجاه الغرب ، فساهموا بذلك في دفع حركة التغريب العثمانية 0
وهكذا لعبت الطباعة والنشر الذي أكد السفراء العثمانيون على أهميته في تقاريرهم ، دوراً بارزاً في ازدياد الانفتاح على الغرب للاطلاع على مباهجه ، حيث نشطت حركة الترجمة و النقل عن الآداب الأوروبية 0 كما بدأت تتوافد الجرائد والمجلات والكتب الأجنبية من خلال هذه السفارات على الدولة العثمانية ، مما ساعد على نشر الثقافات الغربية وتأثيرها في التحول الفكري تجاه الغرب 0
كما شجع هؤلاء السفراء رجال الدولة لإرسال أبناءهم في بعثات تعليمية إلى مختلف الدول الأوروبية وخاصة فرنسا ، وقد عمق هذا الشعور لدى هذا الجيل بضرورة الاتجاه للغرب 0
ومن ثم لعبت حركات التغريب في الأدب ، وفي التعليم ، ومن خلال البعثات التعليمية إلى الدول الغربية- وهي ما تنسب جميعها لهؤلاء السفراء – دوراً بارزاً في ظهور أجيال جديدة في المجتمع العثماني ، تميل في تكوينها وسلوكها للأوروبيين أكثر من انتمائها للعثمانيين ، مما جسد مدى قوة سريان تيار التغريب داخل الدولة العثمانية 0
وفي أواسط القرن الثامن عشر نشطت حركة السفارات العثمانية إلى دول أوروبا وروسيا لتنشيط حركة الإصلاح ، حيث سارت الإصلاحات بوجه عام على أساس الاقتباس من النظم الغربية ولكن ما أن أدخلت الإصلاحات في الدولة العثمانية على النمط الغربي حتى سحبت وراءها المؤثرات الأوربية الأخرى ، وبخاصة الأفكار ونظم الحكم وأساليب الحياة الأوروبية والتي وجدت صدى كبير لدى بعض السلاطين ووزرائهم ، فاندفعوا تجاه الغرب لينقلوا عنه ويستلهمون نظمه ومبادئه التي أدت إلى دفع عجلة التغريب العثمانية 0
ومع بداية القرن التاسع عشر الميلادي ، بدأ فكر الإصلاح يتجه إلى كل ما يتصل بالغرب دون تحفظ – وإن صح القول يتجه إلى تغريب الدولة ، ومن ثم كانت الملامح الرئيسية لحركات الإصلاح والتجديد منذ مطلع القرن التاسع عشر تقوم على أساس اتخاذ خطوات اكبر في اتجاه التغريب في الميدانين العسكري والمدني ، وتتفق في الآخذ عن الغرب في تنظيم الجيش وتسليحه ، وفي نظم الحكم والإدارة ، والاتجاه بالمجتمع نحو التشكيل العلماني ، والخروج عن التنظيم الإسلامي للدولة والمجتمع ، ذلك لان تدهور الدولة العثمانية شرع يظهر في الوقت الذي كانت فيه الدول الأوروبية قد أخذت تندفع في طريق النهضة الشاملة بسرعة متزايدة 0
فتطور مفهوم السفارات العثمانية في تلك الفترة مرة أخرى ليخدم هذا الفكر الجديد ، حتى تم إعلان التنظيمات الخيرية سنة 1839 م بالدولة العثمانية والتي أتى بمبادئها من إنجلترا( مصطفى رشيد باشا ) رجل الدولة الذي خطط للإصلاحات العثمانية على النسق الغربي في القرن التاسع عشر من خلال منصبه كسفير مفوض من قبل الدولة العثمانية في لندن وباريس ، وأيضا أثناء شغله منصب وزير خارجية الدولة العثمانية ثم صدرها الأعظم ، وقد لعبت السفارات العثمانية التي أرسلها إلى الدول الأوروبية وروسيا في ذلك العهد ( عهد التنظيمات) دوراً بارزاً في حركة التغريب العثمانية ،والتي انعكست آثارها على كل مؤسسات الدولة وعلى الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية 0
وهذه السفارات حملت صفة الاطلاع على أوروبا للإصلاح وتعكس تفكير المسلمين وهم يرتادون أوروبا للآخذ عنها ، وتصور ذبذبة المثقف المسلم بين اعتزازه بتراثه وبين عدم معرفته بما يأخذ من أوروبا وماذا يترك وتبين هذه السفارات بدايات تسلل الروح الأوروبية إلى الدولة العثمانية 0
وبناء على ما تقدم نجد أن للسفارات العثمانية إلى أوروبا وروسيا ، اثر كبير في حركة التغريب العثمانية ، الأمر الذي يجدر معه القيام بعمل دراسة حول هذا الموضوع حيث إن هذه السفارات التي جاءت تقاريرها تطالب بضرورة الاتجاه للغرب للآخذ عنه بحجة إنقاذ الدولة من عثراتها وتدهورها ، لم تصل إلى هذا الهدف بالمعنى الكامل بقدر ما نتج عنها من أنها جعلت الفكر الغربي هو الفكر المؤثر في كل مؤسسات الدولة 0
ثانياً : خطة البحث :-
تنقسم خطة البحث إلى ستة مباحث ، المبحث الأول وهو بعنوان السفارات العثمانية إلى أوروبا ، وينقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول - وقد عرضنا فيه لمفهوم السفارات ونشأتها كسفارة مؤقتة حيث تعددت الأغراض من إرسالها في مهام محدده تنتهي بانتهاء مهمة السفير 0
القسم الثاني – ويتناول تطور السفارات في الدولة العثمانية ، وسبب تحويل السفارات المؤقتة إلى سفارات دائمة يتم تأسيسها في العواصم الأوروبية الكبرى ، والمهام المنوطة بهذه السفارات ونشاطها السياسي والاقتصادي والعسكري ، وما كان لتقارير هؤلاء السفراء الدائمين من تأثير واضح وفعال في حياة الدولة الفكرية والاجتماعية 0
القسم الثالث – ونتناول فيه بالحديث المقومات الأساسية لإرسال السفارة العثمانية من حيث شروط اختيار السفير ، والرتب الممنوحة له ، ومستلزمات السفارة ، ومعية السفير ، ومراسم التشريفة وتقرير السفارة وتصنيفه وفقا لمضمونه وطبيعة المهمة المنوطة بالسفير والنتائج التي توصل إليها وما سجله عن مظاهر المدينة الغربية ويعتمد على المشاهدة ، وهو ما جعل من هذه التقارير وثائق تاريخية للأجيال والعصور التالية ، فضلاً عن أنها تعد بمثابة مصادر المعرفة المباشرة للمجتمع العثماني الذي لم يعرف شيئاً – حتى وقت إرسال هذه السفارات – عن الغرب ، فانتقلت العادات والتقاليد الغربية إليه من خلال هذه التقارير 0
ثم يلي ذلك المبحث الثاني تحت عنوان أهم السفارات العثمانية إلى فرنسا من مطلع القرن الثامن عشر حتى التنظيمات أثرها على العلاقات العثمانية الفرنسية ، وينقسم إلى قسمين :
القسم الأول – وفيه إشارة إلى علاقات الصداقة العثمانية – الفرنسية واثر الامتيازات الأجنبية و المعاهدات التجارية التي وقعتها الدولة مع فرنسا في توجيه الديبلوماسية بين الدولتين 0 مع الإشارة إلى التغيرات التي طرأت على الدبلوماسية العثمانية – الفرنسية نتيجة الثورة الفرنسية وحركة القوميات ، وتنامي دور السياسة الخارجية والدبلوماسية بشكل خاص لمواجهة زيادة حدة الصراع الدولي حول هذا الشأن ، فضلاً عن العديد من الصعوبات التي واجهت الدولة في سياستها الخارجية مع فرنسا من جراء دعمها لوالي مصر في الصراع العثماني – المصري ، وتدخل روسيا إلى جانب السلطان العثماني ، و إعاقة انتشار تأثير فرنسا الدبلوماسي المؤيد لمحمد علي 0
وهكذا كان تعاظم حدة المسألة الشرقية ، سبباً في تفاقم مشكلات السياسة الخارجية العثمانية الفرنسية ، فكان التفكير في ضرورة إجراء إصلاحات دبلوماسية كلف بها السفراء للوقوف على أبعاد سياسة التكتل في العلاقات الدولية ، ومحاولة الحفاظ على مستوى من العلاقات مع الدول الكبرى يمكن التحكم فيه ، وتجنيب الدولة العثمانية الدخول في حروب مع الدول الأخرى ، فضلاً عن تنشيط العمل الدبلوماسي العثماني – الفرنسي تمهيداً لإجراء إصلاحات على النسق الغربي لتهيئة الدولة لمواكبة الظروف الاقتصادية والسياسية الجديدة في العهد الرأسمالي0
القسم الثاني – وتستعرض فيه أهم السفارات العثمانية إلى فرنسا وملابسات إرسال هذه السفارات وطبيعة المهام المكلف بها السفير ، وعادة كانت تتضمن مهام سرية يكلف السفير بالقيام بها بجانب المهمة المعلنة ، فضلاً عن إبراز المظاهر المدنية التي عنى السفراء بوصفها ، وأسباب عنايتهم بها 0
وقد استعرضنا من تقارير السفارات ما رأيناه نموذجاً لنزعة لدى المثقفين ، تمثل تفكيرهم وميولهم ، أو من كان من الشخصيات التي تدرجت في السلك الإداري بالدولة قبل القيام بالسفارة أو بعدها ، وترك تأثيراً بعيداً في معاصريه من رجال الدولة ، كما توخينا أن يكون السفراء من أنماط مختلفة عملت فيهم مؤثرات ثقافية ودينية متباينة ، حرصاً منا على التوصل إلى نتائج أشمل أدق 0
وقد كانت سفارة يكرمي سكز إلى فرنسا ذات أهمية خاصة لما لها من قيمة تاريخية وأدبية ، بجانب ما لها من تأثيرات فكرية هامة أحدثتها في حياة الدولة العثمانية ، حيث قام السفير بتسجيل كل ما رأه غريباً عن مجتمعه العثماني من مظاهر الفخامة المعمارية والفنون خاصة فن الأوبرا ، وكان من الفنون غير المعروفة لدى العثمانيين ، كما نقل التقنيات الخاصة بالعديد من الصناعات خاصة المطبعة باعتبار أنها اختراع يعبر عن التطور الغربي 0 وقد ظهر في إستانبول اتجاهات جديدة وعديدة متأثرة إلى حد كبير بما جاء في تقرير هذا السفير الذي يعد النافذة الأولى للدولة العثمانية على الغرب الأوروبي ، حيث انه اصبح نموذجاً حرص السفراء بعد ذلك عند كتابة تقاريرهم على الاقتداء بتقريره من حثي الشكل والمضمون 0 وقد اخترنا تقرير سفارته نموذجاً لترجمة أجزاء عديدة منه للغة العربية ، سترد في ملحق بهذه الدراسة 0
ثم يلي ذلك المبحث الثالث وهو بعنوان أهم السفارات العثمانية إلى روسيا من مطلع القرن الثامن عشر وحتى التنظيمات أثرها على العلاقات العثمانية الروسية وينقسم إلى ثلاثة أقسام :-
القسم الأول – وفيه إبراز لأهمية الدور الديبلوماسي في العلاقات العثمانية – الروسية ، وكيف أن تطور المسار الدبلوماسي وتوجيهه سيرتبط دائماً بتطور المسار التاريخي في هذه العلاقات 0
القسم الثاني – ويتضمن أهم السفارات العثمانية إلى روسيا ، وملابسات إرسال هذه السفارات ، وطبيعة المأمورية(المهمة) المكلف بها السفير ، ومضمونها من حيث توقيت إرسال السفارة ، ووصف الرحلة ،وأيضا عرض للاتفاقيات التي أبرمت ، والأسس التي تنص عليها ، مع إبراز بعض التفصيلات التي أوردها السفراء في التقارير حول مشاهداتهم وانطباعاتهم ، و إبراز جوانب الإعجاب أو النقد للكثير من الأوضاع التي لمسوها أثناء السفارة 0
كما عرضنا في هذا القسم لقيمة التقرير التاريخية ، أو من حيث تأثيره فكرياً واجتماعياً على حياة الدولة 0
القسم الثالث – ويتضمن القواعد العامة للعلاقات الدبلوماسية بين الدولة العثمانية وروسيا 0
ونتيجة لعدم تيسر الحصول على تقارير السفراء العثمانيين إلى روسيا ، اعتمدنا على ما نشره "" احمد جودت "" في تاريخه عن هذه السفارات ، أو ما نشره المؤرخون الأتراك المعاصرون عن هذه التقارير خاصة ما جاء في كتاب"" فايق رشيد أو ناط "" والتي نشرت بالحروف اللاتينية ، باستثناء تقرير سفارة ""محمد امني باشا "" إلى روسيا حيث قام الدكتور "" منير اكتبه "" بنشر صورة من متن التقرير الأصلي بالحروف العثمانية ، وأيضا نشره بالحروف اللاتينية ، مما ساعد كثيراً في دراسة تقرير هذه السفارة 0
ثم يلي ذلك المبحث الرابع تحت عنوان موقف السفراء العثمانيين من المدينة الأوربية ودورهم في حركة التغريب حيث سجلت تقارير السفاراتت موقف السفراء المؤيد لبعض مظاهر المدنية الغربية ، كما جسدت أيضاً رفضهم لبعضها الآخر 0
ويلى ذلك المبحث الخامس من الدراسة تحت عنوان أثر السفارات في تغريب الدولة العثمانية 0 وينقسم إلى خمسة أقسام يدور القسم الأول حول بداية اتصال السفراء بالغرب الأوربي واحتكاكهم بالأوربيين والثقافة الغربية0
أما القسم الثاني من هذا الفصل نتناول فيه أثر هذه السفارات في نمو حركات تجديد مؤسسات الدولة المتأثرة بالنقل عن الغرب0
أما القسم الثالث – من هذا المبحث فتناولنا فيه بالحديث تغريب الحياة الثقافية العثمانية 0 وسوف نعرض في هذا القسم لأثر انتقال مؤثرات الثقافة الغربية على رجال الدولة العثمانية والتي سوف تستثير فضولهم ، وستكون أساسا ذا أهمية فائقة بالنسبة للعثمانيين عن التجليات المختلفة للثقافة الأوروبية 0
أما القسم الرابع من هذا المبحث فنتناول فيه علوم الغرب وفنونه ، وفرض علمانية العقلانية الغربية 0
ثم يلي ذلك القسم الخامس بهذا المبحث ونتناول فيه شيوع مفهوم القومية الغربي مقابل مفهوم الملة الذي كانت الدولة تأخذ به في حكم رعاياها 0
وقد بينا في هذا المبحث كيف أن مسألة الأمة والوطن والقومية من القضايا الرئيسية التي شغلت بعض السفراء في ميدان الفكر السياسي ، وعنوا بشكل متفاوت بهذه القضايا 0
كما تعرضنا في هذا المبحث أيضا إلى كيفية شيوع الفكرة القومية والوطنية بالمعنى الذي كان شائعاً بأوروبا ، حتى أصبحت تزاحم فكرة الأمة الإسلامية في جميع أرجاء الدولة العثمانية خاصة في ممالكها الأوربية ، وتحول الملل إلى بؤر للقومية الإقليمية على النمط الغربي الأوروبي تسعى إلى الاستقلال، وشهدت الدولة يقظة فكرية ارتبطت بظهور طبقة مثقفة عثمانية جديدة – ساهم السفراء في تكوينها – طورت أشكال وموضوعات الأدب فتناولت موضوعات جديدة مستوردة من الغرب ، ونشطت البعثات التنصيرية التي أصبحت أداة طيعة لينة في يد الحكومات الأوروبية التي لها مطامع في الدولة ، فاعتمدت على هذه البعثات في بسط نفوذها السياسي والثقافي والديني ، وغدا النشاط التنصيري من أقوى الركائز الاستعمارية 0
ثم يلي ذلك المبحث السادس – من الدراسة تحت عنوان أثر السفارات في تغريب المجتمع العثماني وقد تضمن هذا الفصل الحديث عن الفكر الأخلاقى والاجتماعي الغربي ، وإبراز الفروق بين المجتمع العثماني والمجتمع الأوروبي ، ورفض الفلسفة المادية ، والتقليد المطلق للغرب ،على اعتبار أن العالم الإسلامى والعالم المسيحي حضارتان ونظامان منفصلان ومتباينان ، وما ينفع لأحداهما لا ينفع الآخر 0
ثم يلي ذلك الحديث عن أثر الانفتاح الثقافي على الغرب الذي أسهمت فيه السفارات الدائمة بنصيب كبير ، حيث ساعدت في ظهور عناصر داعية إلى تحريك عجلة التغريب داخل الدولة كما تعرضنا في هذا الفصل بالحديث عن حالة الشغف بالمظهر الغربي في عهد السلطان "" محمود الثاني "" والتنظيمات والتي دفعت المجتمع العثماني تجاه الغرب 0
ثم تلي ذلك الحديث عن اثر التحول الاجتماعي في تفاقم مشكلة الديون وتفشي الرشوة في الإدارة والمغالاة في مستوى المعيشة وتفشي مظاهر الثروة الكاذبة ، وظهور مساوئ وتقاليد غربية أخذت تغزو المجتمع العثماني عبرت عن تغير السلوك على المستوى الفردي انعكس بعد ذلك على المجتمع كافة 0
ثم انتقلنا إلى نقطة أخرى في هذا المبحث ، وتتصل بالمرأة حيث أحس السفراء بالفرق الشاسع بين المرأة الغربية المتحرره والمرأة العثمانية الملتزمة بتعاليم دينها ، وتجلي الصراع الفكري لديهم حين عرضوا للغاية من تعليم المرأة ، ولدورها في المجتمع 0
ثم تحدثنا بعد ذلك عن التغييرات التي طرأت على تركيب المجتمع العثمانى بشكل عام ، ولم يكن الغرب بمنأى عنها ، منها التحول الذى طرء على التركيب الديمغرافى نتيجة حدوث تموجات ديموغرافية كبيرة داخل البلاد ارتبطت بحركة الهجرة الواسعة دخل الحدود العثمانية تسبب فى العديد من المشاكل الاجتماعية.
كما تعرضنا للتغييرات التى طرأت على أصول الإدارة المركزية على النسق الغربي ، وما ترتب عليها من تأثير فى التركيب الاجتماعى . وأيضاً تغير الهوية فى كوادر الإدارة ، تلك الكوادر التي انخرطت فى أجهزة الدولة المختلفة ، والقادمون من قاعدة اجتماعية مختلفة ، والمزودون بمصادر معرفة مختلفة ، وتعليم ذى صبغة علمانية ، وهوية جديدة بدأت فى العمل على تهيئة الدولة العثمانية لتغريب كافة مؤسساتها . وترى هذه الكوادر المتحللة إلى حد ما من المعايير والمبادئ الإسلامية أن السياسة فن يجب ترقيته بطريق العقل ، وأنه لا مناص من إقامة إدارة حكومية سلطوية ، وتحويل الفكر العلماني الذى سيجرى أخذه من مدنية الغرب إلى مؤسسات متخصصة يدعمها القانون ، وهذه الأفكار هى التى مهدت لظهور التنظيمات الخيرية . وفى بحثنا هذا اعتمدنا بالدرجة الأولى ، ما أورده السفراء فى تقارير السفارات نفسها ، أو التى حصلنا على صور لأصولها أو التى تم نشرها ، ولكننا لم نجد مندوحة عن الرجوع إلى العديد من المؤلفات والمراجع للمؤرخين العثمانيين أو المحدثين الذين تعرضوا بالنقد والتحليل لتلك الحقبة التاريخية موضوع البحث ، ولذلك استشهدنا بها حين اقتضى البحث ذلك وقد عرضنا لهذه السفارات ، أثرها فى تغريب الدولة والمجتمع والتزمنا فى هذه الدراسة بالمنهج التاريخى الفكرى بما يتناسب مع موضوعها ."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة